حواس للمحاماه

نشكركم على اختياركم لمنتدانا و نتمنى ان تقضى وقت ممتعا و يشرفنا ان تكون احد افراد اسرتنا
حواس للمحاماه

قانوني . اسلامي - برامج . صيغ - دعاوى - معلومات

انت الزائر رقم

.: عدد زوار المنتدى :.

مرحبا بالزائرين

المواضيع الأخيرة

مرحبا بك


counter globe

الاكثر زياره


خَصائِصُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ

شاطر
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

خَصائِصُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين مارس 15, 2010 11:56 am

خَصائِصُ
الرَّسولِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ








جمع
وإعداد



الباحث في
القرآن والسنة



علي بن
نايف الشحود






الطبعة
الأولى



1430 هـ-2009 م


((بهانج دار
المعمور ))






(( حقوق الطبع لكل
مسلم ))












بسم
الله الرحمن الرحيم






الحمد
لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين ،وعلى آله وصحبه
أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .



أما
بعد :



فإن
الرسول
r، هو خاتم الأنبياء والمرسلين ، فحياته أفضل حياة وسيرته أوثق
السير ، وفضائله لا تعد ولا تحصى ، ومع هذا فقد حاول أعداء الإسلام اليوم النيل
منه
rحسدا
وحقداً من عند أنفسهم ، وقد قال تعالى عن مثل هذه الحملات المسعورة : { وَإِنْ
يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا
الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ
لِلْعَالَمِينَ (52)} سورة القلم .



ولكن نقول لهم كما قال تعالى : {وَإِذْ يَمْكُرُ
بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (30) سورة
الأنفال .



يا ناطح الجبلَ العالي ليَكْلِمَه *** أَشفق على
الرأسِ لا تُشْفِق على الجبلِ



فكان
لزاماً على المسلمين الدفاع عنه وبيان فضائله وخصائصه التي تميز بها عن غيره ،
ليكون عامة المسلمين على بينة من أمرهم .



وخصائص
الرسول
rكثيرة
ومتنوعة ، وقد كتب فيها علماء كثيرون ومن أهمها الشمائل المحمدية للترمذي ومثله
للبغوي ، وابن كثير في السيرة النبوية ،وابن القيم في الزاد ، والسيرة الشامية ،
والمواهب اللدنية ، وأشملها كتاب الخصائص الكبرى للسيوطي ، فقد جمع ما كتب قبله ،
لكنه قد حوى على الغث والسمين ، فنصفه يحتاج لحذف ، وكتب كثير من المعاصرين شيئاً
من ذلك ضمن كتبهم التي كتبت عن السيرة النبوية ، وممن تعرض لذلك بشكل ممتاز كتاب
نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم .



هذا
وقد تعرضت لهذا الموضوع في موسوعتي "الدفاع عن الرسول
r "


وفي كتابي" الخلاصة في حياة الأنبياء
"



وفي كتابي "السيرة النبوية دروس وعبر
"



وكتابي" الخلاصة في الشمائل المحمدية
"



وفي هذا الكتاب فيها تفصيل أكثر مع تصنيف دقيق
لها ، استفدت فيه مما كتب حديثاً ، ولاسيما موسوعة نضرة النعيم .



وقد
قسمته لمبحثين :



المبحث
الأول= تعريف الخصائص وبيان أهميتها



المبحث
الثاني= أقسام الخصائص النبوية



القسم
الأوّل-الخصائص التي انفرد بها رسول اللّه
r


النوع
الأول-ما اختص به من الخصائص لذاته في الدنيا



النوع
الثاني-ما اختصّ به
r لذاته في الآخرة


النوع
الثالث-ما اختص به
r في أمته في الدنيا


النّوع
الرّابع-ما اختصّ به
r في أمّته في الآخرة


القسم
الثاني-الخصائص التي انفرد بها رسول اللّه
r عن أمته


النّوع
الأوّل-ما حرم عليه دون غيره



النّوع
الثّاني-ما أبيح له دون غيره



النّوع
الثّالث-ما وجب عليه دون غيره



النّوع
الرّابع-ما اختصّ به عن أمّته من الفضائل والكرامات



والآيات
كلها مشكلة ومكتوبة بالرسم العادي ، وقد شرحت الكثير منها بشكل مختصر



والأحاديث كلها مخرجة من مصادرها الأساسية
ومحكوم عليها بما يناسبها وغالبها تدور بين الصحة والحسن . وقد شرحت غريبها .



وقد
ذكرت مصدر كل قول بنهايته في الهامش .



قال
تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (Cool
لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ
بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9)}[الفتح : 8 ، 9]



أسال
الله تعالى أن ينفع به كاتبه وقارئه وناشره والدال عليه في الدارين .



جمعه
وأعده



الباحث
في القرآن والسنة



علي
بن نايف الشحود






في 7 جمادى
الآخرة لعام 1430 هـ الموافق ل 31/5/2009 م






!!!!!!!!!!!!!


المبحث الأول


تعريف الخصائص وبيان أهميتها





وردت الآيات القرآنيّة والأحاديث
النّبويّة تصرّح بعلوّ منزلة نبيّنا الكريم
r وأنّه أعلى النّاس قدرا، وأعظمهم محلّا
وأكملهم محاسن وفضلا وأنّ اللّه تبارك وتعالى قد أكرمه بخصائص لم يعطها غيره من
الأنبياء والمرسلين- صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين- والبشر.



الخصائص لغة:


قال صاحب القاموس: (خصّه) بالشيء، خصّا
وخصوصا وخصوصيّة: فضّله «[1].



وقال في لسان العرب: خصّه بالشّيء يخصّه
خصّا .. واختصّه: أفرده به دون غيره ويقال: اختصّ فلان بالأمر وتخصّص له إذا انفرد[2].



واصطلاحا:


هي ما اختصّ اللّه تعالى نبيّهr
وفضّله به على سائر الأنبياء والرّسل عليهم
الصّلاة والسّلام وكذلك سائر البشر.



موارد الخصائص:


أولى العلماء رحمهم اللّه موضوع الخصائص
النّبوية عناية كبرى قديما وحديثا فتناولوه بحثا وتأليفا فذكروا لرسول اللّه
r
خصائص كثيرة انفرد بها عن إخوانه الأنبياء
والمرسلين كما ذكروا له خصائص أخرى انفرد بها عن أمّته.



فمن العلماء رحمهم اللّه من صنّف تصانيف
خاصّة بهذا الموضوع كصنيع الإمام العزّ بن عبد السّلام في كتاب «بداية السّول في
تفضيل الرّسول». والإمام ابن الملقّن في كتابه «خصائص أفضل المخلوقين». والإمام
جلال الدّين السّيوطيّ في كتابه «الخصائص الكبرى» ... وغير ذلك.



ومن العلماء رحمهم اللّه من أدرج موضوع
الخصائص ضمن موضوعات أخرى كصنيع الإمام أبي نعيم الأصبهانيّ في كتابه «دلائل
النّبوّة». والإمام البيهقيّ في كتابه «دلائل النّبوّة». والإمام القاضي عياض في
كتابه «الشّفا بتعريف حقوق المصطفى». والإمام النّوويّ في كتابه «تهذيب الأسماء
واللّغات»، والإمام ابن الجوزيّ في كتابه «الوفا بأحوال المصطفى». والإمام ابن
كثير في كتابيه «البداية والنّهاية» و«الفصول في سيرة الرّسول
r
» ... وغير ذلك.


بالإضافة إلى ما ورد مفرّقا على أبواب
مختلفة بمناسبات شتّى في مدوّنات الحديث والتّفسير والسّير وغيرها من دواوين
الإسلام.



فوائد معرفة الخصائص:


فمن ذلك الوقوف على ما انفرد به نبيّناr
عن غيره من الأنبياء والمرسلين عليهم الصّلاة
والسّلام وما أكرمه اللّه به من المنح والهبات تشريفا له وتعظيما وتكريما ممّا
يدلّ على جليل منزلته عند ربّه.



فمعرفة ذلك تجعل المسلم يزداد إيمانا مع
إيمانه ومحبّة وتبجيلا لنبيّه وشوقا له ويقينا به. وتدعو غير المسلم لدراسة أحوال
هذا النّبيّ الكريم
r ومن ثمّ الإيمان والتّصديق به وبما جاء
به إن كان من المنصفين.



ويضمّ إلى ذلك فوائد ذكر ما اختصّ به عن
أمّته من الأحكام. فمنها: تمييز تلك الخصائص ومعرفتها وثمرة ذلك بيان تفرّده
واختصاصه بها وأنّ غيره ليس له أن يتأسّى به فيها. قال الحافظ ابن حجر رحمه اللّه
عند ذكره لفوائد حديث «نهى رسول اللّه
r عن الوصال» قالوا: «إنّك تواصل ...» قال
فيه ثبوت خصائصه
r وأنّ عموم قوله تعالى {لَقَدْ كَانَ
لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ
وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (21) سورة الأحزاب مخصوص.[3]



بم تثبت الخصائص؟


نصّ جمع من أهل العلم أنّ الخصائص لا
تثبت إلّا بدليل صحيح[4].
وتمشّيا مع هذه القاعدة فقد تركنا كثيرا ممّا ذكره بعض أهل العلم وتساهلوا في
إيراده على أنّه ممّا اختصّ به رسول اللّه
r عن الأنبياء والمرسلين- صلوات اللّه
وسلامه عليهم أجمعين- أو اختصّ به عن أمّته ولم يقم على ذلك دليل صحيح، واكتفينا
بانتقاء طائفة عطرة من هذه الخصائص ممّا ساندها الدّليل الشّرعيّ الصّحيح.






_______________





المبحث الثاني


أقسام الخصائص النبوية





يتبيّن ممّا سبق أنّ الخصائص من حيث
الأصل تنقسم إلى قسمين:



القسم الأوّل: خصائص اختصّ بها رسول
اللّه
r دون غيره من الأنبياء والمرسلين عليهم
الصّلاة والسّلام.



القسم الثّاني: ما اختصّ بهr
من الخصائص والأحكام دون أمّته. وقد يشاركه في
بعضها الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام.



القسم الأوّل


الخصائص التي انفرد بها رسول اللّهr





القسم الأوّل الخصائص التي انفرد بها
رسول اللّه
r عن بقية الأنبياء والمرسلين- صلوات
اللّه وسلامه عليهم أجمعين-



اختصّ اللّه تبارك وتعالى عبده ورسوله
محمّدا
r دون غيره من الأنبياء عليهم السّلام
بخصائص كثيرة تشريفا له وتكريما ممّا يدلّ على جليل رتبته وشرف منزلته عند ربّه.



ففي الدّنيا آتاه القرآن العظيم المعجزة
المحفوظة الخالدة، ونصره بالرّعب، وأرسله إلى الخلق كافّة وختم به النّبيّين ...
إلى غير ذلك من الخصائص ممّا سيأتي مفصّلا بإذن اللّه.



وفي الآخرة أكرمه بالشّفاعة العظمى
والوسيلة والفضيلة والحوض وسيادة ولد آدم إلى غير ذلك ممّا سيأتي.



وأكرمه بخصائص في أمّته لم تعطها غيرها
من الأمم. ففي الدّنيا أحلّ لها الغنائم وجعل لها الأرض طهورا ومسجدا وجعلها خير
الأمم، إلى غير ذلك ممّا سيأتي. وفي الآخرة بأن جعلها شاهدة للأنبياء على أممهم،
وجعلها أوّل الأمم دخولا الجنّة إلى غير ذلك ممّا سيأتي.



وقد قسّم العلماء- رحمهم اللّه- الخصائص
الّتي انفرد بها رسول اللّه
r عن بقيّة الأنبياء والمرسلين عليهم
الصّلاة والسّلام إلى عدّة أنواع:



النّوع الأوّل: ما اختصّ به في ذاته في
الدّنيا.



النّوع الثّاني: ما اختصّ به في ذاته في
الآخرة.



النّوع الثّالث: ما اختصّ به في أمّته
في الدّنيا.



النّوع الرّابع: ما اختصّ به في أمّته
في الآخرة[5].



النوع الأول


ما اختص به من الخصائص لذاته في الدنيا





اختصّ اللّه تبارك وتعالى نبيّه محمّداr
دون غيره من الأنبياء والمرسلين عليهم الصّلاة
والسّلام بخصائص في الدّنيا لذاته منها ما يلي:



1- عهد وميثاق:


أخذ اللّه- عزّ وجلّ- العهد والميثاق [6]
على جميع الأنبياء والمرسلين من لدن آدم إلى عيسى عليهما السّلام لما آتى اللّه
أحدهم من كتاب وحكمة وبلغ أيّ مبلغ ثمّ بعث محمّد بن عبد اللّه
r
ليؤمننّ به ولينصرنّه ولا يمنعه ما هو فيه من
العلم والنّبوّة من اتّباعه ونصرته، كما أمرهم أن يأخذوا هذا الميثاق على أممهم
لئن بعث محمّد
r وهم أحياء ليؤمننّ به ولينصرّنّه[7].


قال اللّه تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ
مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ
رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ
وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا
مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ « سورة آل عمران: الآية (81)».



يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَخَذَ
المِيثَاقَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ مِنْ لَدُنء آدَمَ ، أَنَّه مَهْمَا آتَى
أَحَدَهُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ، وَبَلَغَ أيَّ مَبْلَغٍ ، ثُمَّ جَاءَ
رَسُولٌ بَعْدَهُ فَإِنَّ عَلَيهِ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ وَيَنْصُرَهُ ، وَلاَ
يَمْنَعُهُ مَا هُوَ عَلَيهِ مِنَ العِلْمش وَالنُّبُوَّةِ مِنِ اتِّباعِ مَنْ
بُعِثَ بَعْدَهُ ، وَمِنْ نُصْرَتِهِ .



وَقَالَ اللهُ لِلأنْبِيَاءِ :
أأقْرَرْتُمْ بِذلِكَ ، وَعَاهَدْتُمُونِي عَهْداً وَثِيقاً مُؤَكَّداً؟ قَالُوا :
أقْرَرْنا . قَالَ اللهُ تَعَالَى للأنْبِيَاءِ : فَاشْهَدُوا وَأنَا عَلَى ذَلِكَ
مِنَ الشَّاهِدِينَ . وَقَدْ أبْلَغَ الأنْبيَاءُ ، صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ ،
أُمَمَهُمْ بِهَذَا العَهْدِ ، فَوَجَبَ عَلَى أُمَمِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا
بِالنَّبِيِّ الذِي يَبْعَثُهُ اللهُ ، وَيَنْصُرُوهُ ، وَفَاءً وَاتِّبَاعاً
بِمَا الْتَزَمَ بِهِ أنْبِياؤُهُمْ .[8]



قال عليّ بن أبي طالب وابن عبّاس- رضي
اللّه عنهم-: «ما بعث اللّه نبيّا من الأنبياء إلّا أخذ عليه ميثاق لئن بعث اللّه
محمّدا وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنّه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمّته لئن بعث
محمّد وهم أحياء ليؤمننّ به ولينصرنّه». وقال هذا القول غير واحد من أئمّة
التّفسير[9].



عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ،
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضى الله عنه، أَتَى النَّبِىَّ -
r- بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُابِ، فَقَرَأَهُ
النَّبِىُّ -
r- فَغَضِبَ،
فَقَالَ: "أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَالَّذِى نَفْسِى
بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لاَ تَسْأَلُوهُمْ عَنْ
شَىْءٍ، فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ
فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا
مَا وَسِعَهُ إِلاَ أَنْ يَتَّبِعَنِى.[10].



وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضى
الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r-: "لاَ
تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَىْءٍ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ
ضَلُّوا، فَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ، أَوْ تُكَذِّبُوا
بِحَقٍّ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا حَلَّ لَهُ
إِلاَّ أَنْ يَتَّبِعَنِى."[11]



قال الحافظ ابن كثير- رحمه اللّه-:
«فالرّسول محمّد خاتم الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليه دائما إلى يوم الدّين، هو
الإمام الأعظم الّذي لو وجد في أيّ عصر لكان هو الواجب الطّاعة المقدّم على
الأنبياء كلّهم، ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لمّا اجتمعوا ببيت المقدس ...»[12].



================


2- رسالة عامة [13]:


كان الأنبياء والرّسل السّابقون- عليهم
الصّلاة والسّلام- يرسلون إلى أقوامهم خاصّة كما قال اللّه تعالى: لَقَدْ
أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ* «سورة الأعراف: الآية (59)». وَإِلى عادٍ
أَخاهُمْ هُوداً* « سورة الأعراف: الآية (65)». وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً*
«سورة الأعراف: الآية (73)». وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ* «سورة الأعراف: الآية
(80)»، وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً* « سورة الأعراف: الآية (85)». وأمّا
نبيّنا
r ، فرسالته عامّة لجميع النّاس عربهم
وعجمهم وإنسهم وجنّهم، وهذا من خصائصه
r


قال العزّ بن عبد السّلام- رحمه اللّه-:
«ومن خصائصه: أنّ اللّه تعالى أرسل كلّ نبيّ إلى قومه خاصّة، وأرسل نبيّنا محمّدا
r
إلى الجنّ والإنس، ولكلّ نبيّ من الأنبياء ثواب
تبليغه إلى أمّته. ولنبيّنا
r ثواب التّبليغ إلى كلّ من أرسل إليه،
تارة لمباشرة البلاغ، وتارة بالنّسبة إليه، ولذلك تمنّن عليه بقوله تعالى: وَلَوْ
شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً «سورة الفرقان: الآية (51)». ووجه
التّمنّن: أنّه لو بعث في كلّ قرية نذيرا لما حصل لرسول اللّه
r
إلا أجر إنذاره لأهل قريته[14].


وقد جاءت الآيات القرآنيّة والأحاديث
النّبويّة تشير إلى هذه الخصوصيّة:



- قال اللّه تعالى: {وَمَا
أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (28) سورة سبأ.



وَمَا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ إِلى
قَوْمِكَ خَاصَّةً ، وَإِنَّمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلى الخَلْقِ جَمِيعاً ،
مُبَشِّراً مَنْ أَطَاعَ الله بالثَّوابِ الجَزِيلِ ، والجَنَّاتِ العَالِيَاتِ ،
وَمُنْذِراً مَنْ عَصَاهُ بِالعَذَابِ الأَلِيمِ . وَلكِنَّ أكثرَ الناسِ لاَ
يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَيَحْمِلُهُم جَهْلُهُمْ عَلَى الإِصْرَارِ عَلَى مَا هُمْ
عَليهِ مِنَ الغَيِّ وَالضَّلاَلِ .[15]



- وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } (107) سورة الأنبياء



وَمَا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ
بِهَذَا وأَمْثَالِهِ مِنَ الشَّرَائِعِ والأَحْكَامِ إِلاَّ لِرَحْمَةِ النَّاسِ
، وَهِدَايَاِهِمْ فِي شُؤُونِ دِينِهِمْ وَدُونْيَاهُمْ ، وَلاَ يَهْتَدِي بِهِ
إٍِلاَّ المُتَهَيِّئُوْنَ لِتَقَبُّلِ الهُدَى .[16]



- وقال تعالى:{قُلْ يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ
بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ
وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (158) سورة الأعراف



قُلْ يَا مُحَمَّدُ للنَّاسِ جَمِيعاً :
إِنِّي رَسُولُ اللهِ تَعَالَى إِلَى جَمِيعِ البَشَرِ ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى
هَُو الذِي أَرْسَلَنِي ، وَهُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَالِكُهُمَا
، وَهُوَ مُدَبِّرُهُمَا وَمُصَرِّفُهُما حَسْبَ مَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ ،
فَهُوَ المَعْبُودُ وَحْدَهُ لاَ إِلهَ إلاَّ هُوَ ، وَهُوَ الذِي يَخْلُقُ
الكَائِنَاتِ ، وَهُوَ الذِي يَقْضِي بِفَنَائِهَا . فَآمِنُوا يَا أَيُّهَا
النَّاسُ جَمِيعاً بِاللهِ الذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ، وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ
النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الذِي أَرْسَلَهُ إلى النَّاسِ كَافَّةً ، وَهَذا
الرَّسُولُ يُؤْمِنُ بِتَوْحِيدِ اللهِ ، وَيُؤْمِنُ بِكَلِمَاتِهِ التِي
أَنْزَلَهَا عَلَى رُسُلِهِ لِهِدَايَةِ خَلْقِهِ .



وَاتَّبِعُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ
طَرِيقَ الرَّسُولِ الأُمِّيِّ ، وَاقْتَفُوا أَثَرَهُ ، فِي كُلِّ مَا يَأْتِي
وَمَا يَذَرُ ، لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ إلَى مَا فِيهِ سَعَادَتُكُمْ فِي
الدُّنْيا وَالآخِرَةِ .[17]



وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ
الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } (1) سورة
الفرقان



يَحْمَدُ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ
الكَرِيمَةَ ، وَيَبُارِكُهَا عَلَى إِنْزَالِهِ القُرْآنَ عَلَى عَبْدِهِ
وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ
r، وَقَدْ نَزَّلَ
القُرآنَ فَرُقَاناً ، يَفْرِقُ بَين الحَقِّ والبَاطِلِ ، وَأَنْزَلَهُ تَعَالَى
مُنَجَّماً شَيْئاً فَشَيْئاً ، حَسَبَ مُقْتَضَيَاتِ الحَاجَةِ والضرورَاتِ
لِيَكُونَ نَذِيراً للإِنْسِ والجِنِّ ( العَالَمِينَ ) مِنْ عَذَابٍ أليمٍ إِذَا
استَمَرُّوا فِي كُفْرِهِمْ وَطُغَيَانِهِمْ .[18]



وقال تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ
نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا
أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } (29) سورة
الأحقاف



واذكر -أيها الرسول- حين بعثنا إليك،
طائفة من الجن يستمعون منك القرآن، فلما حضروا، ورسول الله
rيقرأ،
قال بعضهم لبعض: أنصتوا; لنستمع القرآن، فلما فرغ الرسول من تلاوة القرآن، وقد
وعَوه وأثَّر فيهم، رجعوا إلى قومهم منذرين ومحذرين لهم بأس الله، إن لم يؤمنوا
به.[19]



عن جَابِرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ
النَّبِىَّ -
r- قَالَ «
أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِى نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ
مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، فَأَيُّمَا
رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِى أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ ، وَأُحِلَّتْ لِىَ
الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ ،
وَكَانَ النَّبِىُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً ، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ
عَامَّةً »[20]
.



وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
الأَنْصَارِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r
- « أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ
قَبْلِى كَانَ كُلُّ نَبِىٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى
كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ وَأُحِلَّتْ لِىَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ
قَبْلِى وَجُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا فَأَيُّمَا
رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ
يَدَىْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ »[21].



وعَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ
r : أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ
أَحَدٌ قَبْلِي : بُعِثْتُ إِلَى الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ ، وَأُحِلَّتْ لِيَ
الْغَنَائِمَ ، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ ،
فَيُرْعَبُ الْعَدُوُّ مِنْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُورًا
وَمَسْجِدًا ، وَقِيلَ لِي : سَلْ تُعْطَهْ ، وَاخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً
لِأُمَّتِي فِي الْقِيَامَةِ ، وَهِيَ نَائِلَةٌ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - لِمَنْ
لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا."[22]



وعنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ -

r - أَنَّهُ قَالَ « وَالَّذِى نَفْسُ
مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِىٌّ
وَلاَ نَصْرَانِىٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ
إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ».[23]



وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّ
اللَّهَ فَضَّلَ مُحَمَّداً -
r - عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَعَلَى أَهْلِ
السَّمَاءِ. فَقَالُوا : يَا أَبَا عَبَّاسٍ بِمَ فَضَّلَهُ عَلَى أَهْلِ
السَّمَاءِ؟ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ لأَهْلِ السَّمَاءِ {وَمَن يَقُلْ
مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ
نَجْزِي الظَّالِمِينَ} (29) سورة الأنبياء، وَقَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ -
r
- ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) قَالُوا :
فَمَا فَضْلُهُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَمَا
أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) الآيَةَ
، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُحَمَّدٍ -
r
- (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً
لِلنَّاسِ) فَأَرْسَلَهُ إِلَى الْجِنِّ وَالإِنْسِ."[24]



وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:إِنَّ
اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَضَّلَ مُحَمَّدًا عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ وَعَلَى أَهْلِ
الأَرْضِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ وَمَا فَضْلُهُ عَلَى أَهْلِ
السَّمَاءِ؟ قَالَ:إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ لأَهْلِ السَّمَاءِ:
"وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ
جَهَنَّمَ , كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ"[الأنبياء آية 29] وَقَالَ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُحَمَّدٍ
r : "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا
مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا
تَأَخَّرَ"[الفتح آية 1] الآيَةَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ فَمَا
فَضْلُهُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ؟قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ:
"وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ"[إبراهيم آية
4] وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُحَمَّدٍ
r : "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا
كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا"[سبأ آية 28] ، فَأَرْسَلَهُ اللَّهُ
إِلَى الإِنْسِ وَالْجِنِّ.[25]



================









[1] - القاموس (2/ 300).






[2] - لسان
العرب (7/ 24).







[3] - فتح الباري (4/ 242).






[4] - المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (1/ 386)
نقلا عن العراقي.







[5] - انظر الخصائص الكبرى للسيوطي (2/ 314).






[6] - انظر:
الوفا في أحوال المصطفى لابن الجوزي (2/ 6). وشمائل الرسول لابن كثير (545)،
والخصائص الكبرى للسيوطي (1/ 16).







[7] - تفسير ابن كثير (1/ 386) بتصرف.






[8] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 375)






[9] - انظر
تفسير ابن جرير الطبري (2/ 236)، وتفسير ابن كثير (1/ 386)، وتفسير البغوي (1/
322).







[10] - غاية المقصد فى زوائد المسند 1 - (1 / 78)
(188) حسن



أمتهوكون: التهوك كالتهور، وهو الوقوع في الأمر
بغير روية. والمتهوك: الذي يقع في كل أمر، وقيل: هو التحير. انظر النهاية في غريب
الحديث لابن الاثير (5/ 282).







[11] - غاية المقصد فى زوائد المسند 1 - (1 / 78)
(187) حسن







[12] - انظر تفسير ابن كثير (1/ 386).






[13] - انظر
الفصول (ص 285، 286)، وخصائص أفضل المخلوقين (ص 400)، والخصائص الكبرى (2/ 319،
320).







[14] - بداية السول في تفضيل الرسول (ص 46، 47).






[15] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 3515)






[16] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 2496)






[17] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1113)






[18] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 2738)






[19] - التفسير الميسر - (9 / 156)






[20] - صحيح البخارى- المكنز - (335 )






[21] - صحيح مسلم- المكنز - (1191 )


أحمر
وأسود: أراد بذلك جميع العالم. فالأسود وهم الحبوش والزنوج وغيرهم. والأحمر هو
الأبيض، والعرب تسمي الأبيض أحمر. أفاده ابن الاثير- انظر جامع الأصول (8/ 529،
530).







[22] - صحيح ابن حبان - (14 / 375) (6462) صحيح






[23] - صحيح مسلم- المكنز - (403 )






[24] - سنن الدارمى- المكنز - (47) صحيح






[25] - المعجم الكبير للطبراني - (9 / 438) (11445 )
صحيح
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

تابع

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين مارس 15, 2010 12:01 pm

3- نبوة خاتمة :


من رحمة اللّه تعالى بعباده إرسال محمّدr
إليهم، ومن تشريفه له ختم الأنبياء والمرسلين
به وإكمال الدّين الحنيف له. وقد أخبر اللّه تبارك وتعالى في كتابه ورسوله
r
في السّنّة المتواترة عنه أنّه لا نبيّ بعده ليعلم
العباد أنّ كلّ من ادّعى هذا المقام بعده فهو كذّاب أفّاك دجّال. قال اللّه تعالى
: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ
وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (40) سورة
الأحزاب



ما كان محمد أبًا لأحد من رجالكم، ولكنه
رسول الله وخاتم النبيين، فلا نبوة بعده إلى يوم القيامة. وكان الله بكل شيء من
أعمالكم عليمًا، لا يخفى عليه شيء.[2]



وممّا يدلّ على هذه الخصوصيّة من
السّنّة ما يأتي:



عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه -
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -
r- قَالَ « إِنَّ
مَثَلِى وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِى كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا
فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ ، إِلاَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ ، فَجَعَلَ
النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ ، وَيَقُولُونَ هَلاَّ وُضِعَتْ
هَذِهِ اللَّبِنَةُ قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ ، وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ »[3] .



وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ
r : مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ
قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ وَأَكْمَلَهُ
إِلاَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ فِي زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ فَجَعَلَ النَّاسُ
يُطِيفُونَ بِهِ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ وَيَقُولُونَ : مَا رَأَيْنَا بَيْتًا
قَطُّ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا إِلاَّ مَوْضِعَ هَذِهِ اللَّبِنَةِ فَكُنْتُ أَنَا
تِلْكَ اللَّبِنَةَ.[4]



وعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِىِّ - r
- قَالَ « مَثَلِى وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ
كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَتَمَّهَا وَأَكْمَلَهَا إِلاَّ مَوْضِعَ
لَبِنَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا وَيَقُولُونَ
لَوْلاَ مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ ». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r
- « فَأَنَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ جِئْتُ
فَخَتَمْتُ الأَنْبِيَاءَ »[5].



وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه
- قَالَ أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ -
r- بِلَحْمٍ ،
فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً
ثُمَّ قَالَ « أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهَلْ تَدْرُونَ
مِمَّ ذَلِكَ يُجْمَعُ النَّاسُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِى صَعِيدٍ وَاحِدٍ ،
يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِى ، وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ ،
فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لاَ يُطِيقُونَ وَلاَ
يَحْتَمِلُونَ فَيَقُولُ النَّاسُ أَلاَ تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ أَلاَ
تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ
لِبَعْضٍ عَلَيْكُمْ بِآدَمَ فَيَأْتُونَ آدَمَ عليه السلام فَيَقُولُونَ لَهُ
أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ . وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ
، وَأَمَرَ الْمَلاَئِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلاَ
تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ
آدَمُ إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ
مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنَّهُ نَهَانِى عَنِ
الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ ، نَفْسِى نَفْسِى نَفْسِى ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى ،
اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ يَا نُوحُ إِنَّكَ
أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ
عَبْدًا شَكُورًا اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ
فِيهِ فَيَقُولُ إِنَّ رَبِّى عَزَّ وَجَلَّ قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ
يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنَّهُ قَدْ
كَانَتْ لِى دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِى نَفْسِى نَفْسِى نَفْسِى
اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى ، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ ، فَيَأْتُونَ
إِبْرَاهِيمَ ، فَيَقُولُونَ يَا إِبْرَاهِيمُ ، أَنْتَ نَبِىُّ اللَّهِ
وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلاَ تَرَى إِلَى
مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا
لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنِّى
قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ - فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِى
الْحَدِيثِ - نَفْسِى نَفْسِى نَفْسِى ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى اذْهَبُوا إِلَى
مُوسَى ، فَيَأْتُونَ مُوسَى ، فَيَقُولُونَ يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ،
فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلاَمِهِ عَلَى النَّاسِ ، اشْفَعْ لَنَا
إِلَى رَبِّكَ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ إِنَّ رَبِّى قَدْ
غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ
بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنِّى قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا ،
نَفْسِى نَفْسِى نَفْسِى ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى ، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ،
فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ
أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ
صَبِيًّا اشْفَعْ لَنَا أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ عِيسَى
إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ،
وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ - وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا - نَفْسِى نَفْسِى
نَفْسِى ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ -
r- فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا -r- فَيَقُولُونَ
يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ ، وَقَدْ غَفَرَ
اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى
رَبِّكَ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَأَنْطَلِقُ فَآتِى تَحْتَ الْعَرْشِ
، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّى عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَىَّ مِنْ
مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ
قَبْلِى ثُمَّ يُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ ، سَلْ تُعْطَهْ ،
وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَرْفَعُ رَأْسِى ، فَأَقُولُ أُمَّتِى يَا رَبِّ ،
أُمَّتِى يَا رَبِّ فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لاَ
حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ
شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ ، ثُمَّ قَالَ وَالَّذِى
نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ
كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى » .[6].



وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ -

r - قَالَ « فُضِّلْتُ عَلَى
الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ
وَأُحِلَّتْ لِىَ الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا
وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِىَ النَّبِيُّونَ »[7].



وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ
النَّبِيَّ
rقَالَ
: فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي ،
غُفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَمَا تَأَخَّرَ ، وَأُحِلَّتْ لِي
الْغَنَائِمُ ، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي ، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي
خَيْرَ الأُمَمِ ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَأُعْطِيتُ
الْكَوْثَرَ ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّ
صَاحِبَكُمْ لَصَاحِبُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، تَحْتَهُ آدَمُ
فَمَنْ دُونَهُ ".[8]



وعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللهِ
r : إِنَّ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ
قَدِ انْقَطَعَتْ ، فَلاَ رَسُولَ بَعْدِي وَلاَ نَبِيَّ ، قَالَ : فَشَقَّ ذَلِكَ
عَلَى النَّاسِ ، قَالَ : قَالَ : وَلَكِنِ الْمُبَشِّرَاتُ ، قَالُوا : يَا
رَسُولَ اللهِ ، وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ ؟ قَالَ : رُؤْيَا الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ ،
وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ."[9].



وعَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى
مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ - رضى الله عنه - قَالَ
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -
r- يَقُولُ « إِنَّ
لِى أَسْمَاءً ، أَنَا مُحَمَّدٌ ، وَأَنَا أَحْمَدُ ، وَأَنَا الْمَاحِى الَّذِى
يَمْحُو اللَّهُ بِىَ الْكُفْرَ ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِى يُحْشَرُ النَّاسُ
عَلَى قَدَمِى ، وَأَنَا الْعَاقِبُ » .[10].



وعَنِ الزُّهْرِىِّ سَمِعَ مُحَمَّدَ
بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِىَّ -
r
- قَالَ « أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ
وَأَنَا الْمَاحِى الَّذِى يُمْحَى بِىَ الْكُفْرُ وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِى
يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى عَقِبِى وَأَنَا الْعَاقِبُ ». وَالْعَاقِبُ الَّذِى
لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِىُّ.[11]



وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ
مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -
r
- قَالَ « إِنَّ لِى أَسْمَاءً أَنَا مُحَمَّدٌ
وَأَنَا أَحْمَدُ وَأَنَا الْمَاحِى الَّذِى يَمْحُو اللَّهُ بِىَ الْكُفْرَ
وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِى يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَىَّ وَأَنَا الْعَاقِبُ
الَّذِى لَيْسَ بَعْدَهُ أَحَدٌ ». وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ رَءُوفًا رَحِيمًا.[12]



وعَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ قَالَ
سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ قَالَ قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ خَمْسَ سِنِينَ ،
فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِىِّ -
r- قَالَ « كَانَتْ
بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِىٌّ خَلَفَهُ
نَبِىٌّ ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِىَّ بَعْدِى ، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ .
قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ ،
أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ »[13] .



================


4- رحمةٌ مهداةٌ :


أرسل اللّه- تبارك وتعالى- رسوله محمّداr
رحمة للخلائق عامّة مؤمنهم وكافرهم وإنسهم
وجنّهم، وجعله رءوفا رحيما بالمؤمنين خاصّة فمن قبل الرّحمة وشكر هذه النّعمة [15]سعد
في الدنيا والآخرة، ومن ردّها وجحدها خسر الدّنيا والآخرة.



ويؤيّد هذه الخصوصيّة قوله تعالى: {وَمَا
أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } (107) سورة الأنبياء



لقد أرسل اللّه رسوله رحمة للناس كافة
ليأخذ بأيديهم إلى الهدى ، وما يهتدي إلا أولئك المتهيئون المستعدون.



وإن كانت الرحمة تتحقق للمؤمنين ولغير
المؤمنين ..



إن المنهج الذي جاء مع محمد -r- منهج يسعد البشرية كلها ويقودها إلى الكمال المقدر لها في هذه
الحياة.



ولقد جاءت هذه الرسالة للبشرية حينما
بلغت سن الرشد العقلي : جاءت كتابا مفتوحا للعقول في مقبل الأجيال ، شاملا لأصول
الحياة البشرية التي لا تتبدل ، مستعدا لتلبية الحاجات المتجددة التي يعلمها خالق
البشر ، وهو أعلم بمن خلق ، وهو اللطيف الخبير.



ولقد وضع هذا الكتاب أصول المنهج الدائم
لحياة إنسانية متجددة. وترك للبشرية أن تستنبط الأحكام الجزئية التي تحتاج إليها
ارتباطات حياتها النامية المتجددة ، واستنباط وسائل تنفيذها كذلك بحسب ظروف الحياة
وملابساتها ، دون اصطدام بأصول المنهج الدائم.



وكفل للعقل البشري حرية العمل ، بكفالة
حقه في التفكير ، وبكفالة مجتمع يسمح لهذا العقل بالتفكير.



ثم ترك له الحرية في دائرة الأصول
المنهجية التي وضعها لحياة البشر ، كيما تنمو وترقى وتصل إلى الكمال المقدر لحياة
الناس في هذه الأرض.



ولقد دلت تجارب البشرية حتى اللحظة على
أن ذلك المنهج كان وما يزال سابقا لخطوات البشرية في عمومه ، قابلا لأن تنمو الحياة
في ظلاله بكل ارتباطاتها نموا مطردا. وهو يقودها دائما ، ولا يتخلف عنها ، ولا
يقعد بها ، ولا يشدها إلى الخلف ، لأنه سابق دائما على خطواتها متسع دائما لكامل
خطواتها.



وهو في تلبيته لرغبة البشرية في النمو
والتقدم لا يكبت طاقاتها في صورة من صور الكبت الفردي أو الجماعي ، ولا يحرمها
الاستمتاع بثمرات جهدها وطيبات الحياة التي تحققها.



وقيمة هذا المنهج أنه متوازن متناسق. لا
يعذب الجسد ليسمو بالروح ، ولا يهمل الروح ليستمتع الجسد.



ولا يقيد طاقات الفرد ورغائبه الفطرية
السليمة ليحقق مصلحة الجماعة أو الدولة. ولا يطلق للفرد نزواته وشهواته الطاغية
المنحرفة لتؤذي حياة الجماعة ، أو تسخرها لإمتاع فرد أو أفراد.



وكافة التكاليف التي يضعها ذلك المنهج
على كاهل الإنسان ملحوظ فيها أنها في حدود طاقته ، ولمصلحته وقد زود بالاستعدادات
والمقدرات التي تعينه على أداء تلك التكاليف ، وتجعلها محببة لديه - مهما لقي من
أجلها الآلام أحيانا - لأنها تلبي رغيبة من رغائبه ، أو تصرف طاقة من طاقاته.



ولقد كانت رسالة محمد -r- رحمة لقومه ورحمة للبشرية كلها من بعده والمبادئ التي جاء بها
كانت غريبة في أول الأمر على ضمير البشرية ، لبعد ما كان بينها وبين واقع الحياة
الواقعية والروحية من مسافة. ولكن البشرية أخذت من يومها تقرب شيئا فشيئا من آفاق
هذه المبادئ. فتزول غرابتها في حسها ، وتتبناها وتنفذها ولو تحت عنوانات أخرى.



لقد جاء الإسلام لينادي بإنسانية واحدة
تذوب فيها الفوارق الجنسية والجغرافية. لتلتقي في عقيدة واحدة ونظام اجتماعي واحد
.. وكان هذا غريبا على ضمير البشرية وتفكيرها وواقعها يومذاك. والأشراف يعدون
أنفسهم من طينة غير طينة العبيد .. ولكن ها هي ذي البشرية في خلال نيف وثلاثة عشر
قرنا تحاول أن تقفو خطى الإسلام ، فتتعثر في الطريق ، لأنها لا تهتدي بنور الإسلام
الكامل. ولكنها تصل إلى شيء من ذلك المنهج - ولو في الدعاوى والأقوال - وإن كانت
ما تزال أمم في أوربا وأمريكا تتمسك بالعنصرية البغيضة التي حاربها الإسلام منذ
نيف وثلاث مائة وألف عام.



ولقد جاء الإسلام ليسوي بين جميع الناس
أمام القضاء والقانون. في الوقت الذي كانت البشرية تفرق الناس طبقات ، وتجعل لكل
طبقة قانونا. بل تجعل إرادة السيد هي القانون في عهدي الرق والإقطاع ..



فكان غريبا على ضمير البشرية يومذاك أن
ينادي ذلك المنهج السابق المتقدم بمبدأ المساواة المطلقة أمام القضاء ..



ولكن ها هي ذي شيئا فشيئا تحاول أن تصل
- ولو نظريا - إلى شيء مما طبقة الإسلام عمليا منذ نيف وثلاث مائة وألف عام.



وغير هذا وذلك كثير يشهد بأن الرسالة
المحمدية كانت رحمة للبشرية وأن محمدا -
r- إنما أرسل رحمة
للعالمين. من آمن به ومن لم يؤمن به على السواء. فالبشرية كلها قد تأثرت بالمنهج
الذي جاء به طائعة أو كارهة ، شاعرة أو غير شاعرة وما تزال ظلال هذه الرحمة وارفة
، لمن يريد أن يستظل بها ، ويستروح فيها نسائم السماء الرخية ، في هجير الأرض
المحرق وبخاصة في هذه الأيام.



وإن البشرية اليوم لفي أشد الحاجة إلى
حس هذه الرحمة ونداها. وهي قلقة حائرة ، شاردة في متاهات المادية ، وجحيم الحروب ،
وجفاف الأرواح والقلوب ..[16]



وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ"وَمَا
أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"[الأنبياء آية 107] , قَالَ:
مَنْ تَبِعَهُ كَانَ لَهُ رَحْمَةً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ , وَمَنْ لَمْ
يَتْبَعْهُ عُوفِيَ مِمَّا كَانَ يُبْتَلَى سَائِرُ الأُمَمِ مِنَ الْمَسْخِ ,
وَالْخَسْفِ , وَالْقَذْفِ.[17]



وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قِيلَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ « إِنِّى لَمْ أُبْعَثْ
لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً »[18].



وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ
r: يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ"[19]



وعَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ قَالَ
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -
r - يُسَمِّى لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً
فَقَالَ « أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَالْمُقَفِّى وَالْحَاشِرُ وَنَبِىُّ
التَّوْبَةِ وَنَبِىُّ الرَّحْمَةِ »[20].



وعَنْ أَبِي مُوسَى ، قَالَ : كَانَ
رَسُولُ اللهِ
r ، يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً ،
فَقَالَ : أَنَا مُحَمَّدٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَالْمُقَفِّي ، وَالْحَاشِرُ ،
وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ ، وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ."[21]



وعَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى قُرَّةَ قَالَ
كَانَ حُذَيْفَةُ بِالْمَدَائِنِ فَكَانَ يَذْكُرُ أَشْيَاءَ قَالَهَا رَسُولُ
اللَّهِ -

r - لأُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِى
الْغَضَبِ فَيَنْطَلِقُ نَاسٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ حُذَيْفَةَ فَيَأْتُونَ
سَلْمَانَ فَيَذْكُرُونَ لَهُ قَوْلَ حُذَيْفَةَ فَيَقُولُ سَلْمَانُ حُذَيْفَةُ
أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ فَيَرْجِعُونَ إِلَى حُذَيْفَةَ فَيَقُولُونَ لَهُ قَدْ
ذَكَرْنَا قَوْلَكَ لِسَلْمَانَ فَمَا صَدَّقَكَ وَلاَ كَذَّبَكَ. فَأَتَى
حُذَيْفَةُ سَلْمَانَ وَهُوَ فِى مَبْقَلَةٍ فَقَالَ يَا سَلْمَانُ مَا يَمْنَعُكَ
أَنْ تُصَدِّقَنِى بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -
r
- فَقَالَ سَلْمَانُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - r
- كَانَ يَغْضَبُ فَيَقُولُ فِى الْغَضَبِ
لِنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَيَرْضَى فَيَقُولُ فِى الرِّضَا لِنَاسٍ مِنْ
أَصْحَابِهِ أَمَا تَنْتَهِى حَتَّى تُوَرِّثَ رِجَالاً حُبَّ رِجَالٍ وَرِجَالاً
بُغْضَ رِجَالٍ وَحَتَّى تُوقِعَ اخْتِلاَفًا وَفُرْقَةً وَلَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ -
r - خَطَبَ فَقَالَ « أَيُّمَا رَجُلٍ
مِنْ أُمَّتِى سَبَبْتُهُ سَبَّةً أَوْ لَعَنْتُهُ لَعْنَةً فِى غَضَبِى -
فَإِنَّمَا أَنَا مِنْ وَلَدِ آدَمَ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُونَ وَإِنَّمَا
بَعَثَنِى رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ - فَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ صَلاَةً يَوْمَ
الْقِيَامَةِ ». وَاللَّهِ لَتَنْتَهِيَنَّ أَوْ لأَكْتُبَنَّ إِلَى عُمَرَ."[22].



وقال بعض العلماء في قوله تعالى: وَما
أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ: لجميع الخلق للمؤمن رحمة بالهداية
ورحمة للمنافق بالأمان من القتل ورحمة للكافر بتأخير العذاب[23].



وأمّا كونهr رحمة لأهل الإيمان خاصّة، فقد قال
تعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا
عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (128) سورة
التوبة



يَمْتَنُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى
المُؤْمِنِينَ بِأَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولاَ مِنْ جِنْسِهِمْ وَلُغَتِهِمْ
وَقَوْمِهِمْ ( مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) ، يَعِزُّ عَلَيْهِ وَيَصْعُبُ الشَّيْءُ
الذِي يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ، وَيَزِيدُهُمْ عَنَتاً ، وَشَرِيعَتُهُ كُلُّها يُسْرٌ
وَسَمَاحَةٌ وَكَمَالٌ ، عَلَى مَنْ أرَادَها يُسْراً وَسَمَاحَةًُ ، وَهُوَ
حَرِيصٌ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَصَلاحِ حَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ،
وَهُوَ شَدِيدُ الرَأْفَةِ وَالرَحْمِةِ بِالمُؤْمِنِينَ .[24]



لم يقل : جاءكم رسول منكم. ولكن قال :
«من أنفسكم» وهي أشد حساسية وأعمق صلة ، وأدل على نوع الوشيجة التي تربطهم به. فهو
بضعة من أنفسهم ، تتصل بهم صلة النفس بالنفس ، وهي أعمق وأحس.



«عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ» .. يشق
عليه عنتكم ومشقتكم.



«حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ» .. لا يلقي بكم في
المهالك ، ولا يدفع بكم إلى المهاوي فإذا هو كلفكم الجهاد ، وركوب الصعاب ، فما
ذلك من هوان بكم عليه ، ولا بقسوة في قلبه وغلظة ، إنما هي الرحمة في صورة من
صورها. الرحمة بكم من الذل والهوان ، والرحمة بكم من الذنب والخطيئة ، والحرص
عليكم أن يكون لكم شرف حمل الدعوة ، وحظ رضوان اللّه ، والجنة التي وعد المتقون.[25]



وقال تعالى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ
يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ
بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (61) سورة التوبة.



وَمِنَ المُنَافِقِينَ قَوْمٌ
يُؤْذًُونَ رَسُولَ اللهِ بِالكَلاَمِ فِيهِ ، وَيَقُولُونَ : هُوَ أُذُنٌ
يَسْمَعُ مِنْ كُلِّ أَحٍَ ، وَمَنْ قَالَ لَهُ شَيْئاً صَدَّقَهُ ، وَمَنْ
حَدَّثَهُ بِشَيْءٍ صَدَّقَهُ ، فَإِذَا جِئْنَا وَحَدَّثْنَاهُ وَحَلَفْنَا لَهُ
صَدَّقَنَا .فَقُلْ لَهُمْ : هُوَ أُذُنُ خَيْرٍ يَعْرِفُ الصَّادِقَ مِنَ
الكَاذِبِ ، وَلاَ يَقْبَلُ مِمَّا يَسْمَعُ إِلاَّ مَا يَعُدُّه حَقّاًُ ،
وَفِيهِ مَصْلَحَةُ الخَلْقِ ، وَلَيْسَ هُوَ بِأُذُنٍ فِي سَمَاعِ البَاطِلِ
وَالكَذِبِ وَالنَّمِيمَةِ ، إِنَّهُ يُؤْمِنُ بِاللهِ ، وَيُصَدِّقُ
المُؤْمِنِينَ الذِينَ يَثِقُ بِدِينِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ ، وَهُوَ رَحْمَةٌ
لِلَّذِينَ آمَنُوا ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الكَافِرِينَ . وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ
رَسُولَ اللهِ بِالقَوْلِ أَوْ بِالعَمَلِ قَدْ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَاباً
أَلِيماً فِي الآخِرَةِ .[26]



================


5- أمنة لأصحابه :


أكرم اللّه- تبارك وتعالى- نبيّه محمّداr
فجعل وجوده بين أصحابه أمنة لهم من العذاب،
بخلاف ما حصل لبعض الأمم السّابقة حيث عذّبوا في حياة أنبيائهم. وكان
r
أمنة لأصحابه كذلك من الفتن والحروب وارتداد من
ارتدّ من الأعراب واختلاف القلوب ونحو ذلك ممّا أنذر به صريحا ووقع بعد وفاته.



قال العزّ بن عبد السّلام- رحمه اللّه-:
«... ومن خصائصه
r أنّ اللّه تعالى أرسله (رحمة للعالمين)
فأمهل عصاة أمّته ولم يعاجلهم إبقاء عليهم بخلاف من تقدّمه من الأنبياء فإنّهم
لمّا كذّبوا عوجل مكذّبهم»»[28].



وقد جاء النّصّ على هذه الخصوصيّة من
القرآن الكريم والسّنّة المطهّرة وآثار السّلف الصّالح، فمن ذلك ما روى البخاريّ
ومسلم فعن أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ أَبُو جَهْلٍ {اللَّهُمَّ
إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ
السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (32) سورة الأنفال فَنَزَلَتْ {وَمَا
كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ
وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (33) وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ
يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ
إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (34) } سورة
الأنفال..[29]



واذكر -أيها الرسول- قول المشركين من
قومك داعين الله: إن كان ما جاء به محمد هو الحق مِن عندك فأمطر علينا حجارة من
السماء، أو ائتنا بعذاب شديد موجع. وما كان الله سبحانه وتعالى ليعذِّب هؤلاء
المشركين، وأنت -أيها الرسول- بين ظهرانَيْهم، وما كان الله معذِّبهم، وهم
يستغفرون من ذنوبهم. وكيف لا يستحقُّون عذاب الله، وهم يصدون أولياءه المؤمنين عن
الطواف بالكعبة والصلاة في المسجد الحرام؟ وما كانوا أولياء الله، إنْ أولياء الله
إلا الذين يتقونه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ولكن أكثر الكفار لا يعلمون; فلذلك
ادَّعوا لأنفسهم أمرًا، غيرهم أولى به.[30]



إن الفطرة السليمة حين تشك تدعو اللّه
أن يكشف لها عن وجه الحق ، وأن يهديها إليه ، دون أن تجد في هذا غضاضة. ولكنها حين
تفسد بالكبرياء الجامحة ، تأخذها العزة بالإثم ، حتى لتؤثر الهلاك والعذاب ، على
أن تخضع للحق عند ما يكشف لها واضحا لا ريب فيه .. وبمثل هذا العناد كان المشركون
في مكة يواجهون دعوة رسول اللّه -
r- ولكن هذه الدعوة
هي التي انتصرت في النهاية في وجه هذا العناد الجامح الشموس! ويعقب السياق على هذا
العناد ، وعلى هذا الادعاء ، بأنهم مع استحقاقهم لإمطار الحجارة عليهم من السماء
وللعذاب الأليم الذي طلبوه - إن كان هذا هو الحق من عنده - وإنه للحق .. مع هذا
فإن اللّه فد أمسك عنهم عذاب الاستئصال الذي أخذ به المكذبين قبلهم. لأن رسول
اللّه -
r- بينهم ، ولا
يزال يدعوهم إلى الهدى. واللّه لا يعذبهم عذاب الاستئصال والرسول فيهم. كما أنه لا
يعذبهم هذا العذاب على معاصيهم إذا كانوا يستغفرون منها وليس تأخير العذاب عنهم
لمجرد أنهم أهل هذا البيت. فهم ليسوا بأولياء هذا البيت إنما أولياؤه المتقون : «
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، وَما كانَ اللَّهُ
مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ
وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ ، إِنْ
أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَما
كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً. فَذُوقُوا
الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» ..



إنها رحمة اللّه تمهلهم فلا يأخذهم
اللّه بعنادهم ولا يأخذهم بصدهم عن المسجد الحرام - وقد كانوا يمنعون المسلمين أن
يحجوا إليه ، وهم لا يمنعون أحدا ولا يهيجونه عنه! إنها رحمة اللّه تمهلهم عسى أن
يستجيب للهدى منهم من تخالط بشاشة الإيمان قلبه - ولو بعد حين - وما دام الرسول -
r- بينهم ، يدعوهم ، فهنالك توقع لاستجابة البعض منهم فهم إكراما
لوجود رسول اللّه بينهم يمهلون. والطريق أمامهم لاتقاء عذاب الاستئصال دائما مفتوح
إذا هم استجابوا واستغفروا عما فرط منهم وأنابوا : «وَما كانَ اللَّهُ
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ» ..



فأما لو عاملهم اللّه بما هم فيه فهم
مستحقون لهذا العذاب : «وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ
يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ. وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ. إِنْ
أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» ..



إنه لا يمنع العذاب عنهم ما يدعونه من
أنهم ورثة إبراهيم وسدنة بيت اللّه الحرام .. فهذه ليست سوى دعوى لا أساس لها من
الواقع. إنهم ليسوا أولياء هذا البيت ولا أصحابه. إنهم أعداء هذا البيت وغاصبوه!
إن بيت اللّه الحرام ليس تركة يرثها الخلف عن السلف. إنه بيت اللّه يرثه أولياء
اللّه المتقون للّه .. ومثله دعواهم أنهم ورثة إبراهيم - عليه السلام - فوراثة
إبراهيم ليست وراثة دم ونسب إنما هي وراثة دين وعقيدة.



والمتقون هم ورثة إبراهيم وبيت اللّه
الذي بناه للّه فإذا هم يصدون عنه أولياءه الحقيقيين المؤمنين بدين إبراهيم! إنهم
ليسوا أولياء لهذا البيت وإن كانوا يصلون عنده صلاتهم. فما هذه بصلاة! إنما كانت
صفيرا بالأفواه وتصفيقا بالأيدي ، وهرجا ومرجا لا وقار فيه ، ولا استشعار لحرمة
البيت ، ولا خشوع لهيبة اللّه.[31]



وعَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ
قَالَ صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -
r
- ثُمَّ قُلْنَا لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى
نُصَلِّىَ مَعَهُ الْعِشَاءَ - قَالَ - فَجَلَسْنَا فَخَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ «
مَا زِلْتُمْ هَا هُنَا ». قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّيْنَا مَعَكَ
الْمَغْرِبَ ثُمَّ قُلْنَا نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّىَ مَعَكَ الْعِشَاءَ قَالَ «
أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ ». قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ
وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ « النُّجُومُ
أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ
وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِى فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِى مَا يُوعَدُونَ
وَأَصْحَابِى أَمَنَةٌ لأُمَّتِى فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِى أَتَى أُمَّتِى مَا
يُوعَدُونَ »[32].



وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ،
قَالَ : انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ
r ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِr
، يُصَلِّي حَتَّى لَمْ يَكَدْ أَنْ يَرْكَعَ ،
ثُمَّ رَكَعَ حَتَّى لَمْ يَكَدْ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ
، فَجَعَلَ يَتَضَرَّعُ ، وَيَبْكِي ، وَيَقُولُ : رَبِّ أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ
لاَ تُعَذِّبَهُمْ ، وَأَنَا فِيهِمْ ، أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لاَ تُعَذِّبَهُمْ
وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُكَ ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ
r انْجَلَتِ الشَّمْسُ ، فَقَامَ ،
فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ ، فَإِذَا انْكَسَفَا ، فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِ
اللهِ. ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ حَتَّى لَوْ شِئْتُ
لَتَعَاطَيْتُ قِطْفًا مِنْ قُطُوفِهَا ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ ، حَتَّى
جَعَلْتُ أَتَّقِيهَا حَتَّى خَشِيتُ أَنْ تَغْشَاكُمْ ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ :
أَلَمْ تَعِدْنِي أَنْ لاَ تُعَذِّبَهُمْ وَأَنَا فِيهِمْ ، رَبِّ أَلَمْ
تَعِدْنِي أَنْ لاَ تُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرِونَكَ ، قَالَ : فَرَأَيْتُ
فِيهَا الْحَمَيرِيَةَ السَّوْدَاءَ صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ كَانَتْ حَبَسَتْهَا ،
فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَسْقِهَا ، وَلَمْ تَتْرُكْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ
الأَرْضِ ، فَرَأَيْتُهَا كُلَّمَا أَدْبَرَتْ نُهِشَتْ فِي النَّارِ ، وَرَأَيْتُ
فِيهَا صَاحِبَ بَدَنَتَيْ رَسُولِ اللهِ
r ، أَخَا دَعْدَعٍ ، يُدْفَعُ فِي
النَّارِ بِقَضِيبَيْنِ ذِي شُعْبَتَيْنِ ، وَرَأَيْتُ صَاحِبَ الْمِحْجَنِ ،
فَرَأَيْتُهُ فِي النَّارِ عَلَى مِحْجَنِهِ مُتَوَكِّئًا."[33].



وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "إنَّ
اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ أَمَانَيْنِ لا يَزَالُونَ
مَعْصُومِينَ، مُجَارِينَ مِنْ قَوَارِعِ الْعَذَابِ مَا دَامَا بَيْنَ
أَظْهُرِكُمْ، فَأَمَانٌ قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَأَمَانٌ بَقِيَ فِيكُمْ،
قَوْلُهُ:" وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا
كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " " [34] .



================


[1] - انظر الخصائص للسيوطي (2/ 318).

[2] - التفسير الميسر - (7 / 350)


[3] - صحيح البخارى- المكنز - (3535)

اللبنة:
بفتح اللام وكسر الباء بعدها نون، وبكسر اللام وسكون الباء أيضا هي: القطعة من
الطين تعجن وتجبل وتعد للبناء، ويقال لها ما لم تحرق لبنة، فإذا أحرقت فهي آجرة.


[4] - مسند الشاميين 360 - (1 / 91) (130) صحيح

[5] - صحيح مسلم- المكنز - (6103 )

[6] - صحيح البخارى- المكنز - (4712 ) وصحيح مسلم-
المكنز - ( 501)


نهس : قبض على اللحم وانتزعه بمقدم الأسنان


[7] - صحيح مسلم- المكنز - (1195 )

[8] - كشف الأستار - (3 / 147) (2442) حسن

[9] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (4 / 682)(13824)
13860- صحيح


[10] - صحيح البخارى- المكنز - (4896 )

[11] - صحيح مسلم- المكنز - (6251 )

[12] - صحيح مسلم- المكنز - (6252 )
[13] - صحيح البخارى- المكنز - (3455 ) وصحيح مسلم-
المكنز - (4879 ) - تسوسهم : تحكمهم وتقودهم تدير أمرهم وترعى شئونهم


[14] - انظر بداية السول في تفضيل الرسول (ص 65، 66)،
والخصائص الكبرى (2/ 322).



[15] - قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ*
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ سورة إبراهيم: آية (28، 29). قال عمر
وابن عباس- رضي اللّه عنهم، في قوله تعالى: الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
كُفْراً قالا: النعمة: محمد، والذين بدلوا نعمة اللّه كفرا: كفار قريش. انظر تفسير
ابن جرير (13/ 145- 147). وتفسير البغوي (3/ 35). والشمائل لابن كثير (559).



[16] - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2401)

[17] - المعجم الكبير للطبراني - (10 / 169)(12189 )
حسن


[18] - صحيح مسلم- المكنز - (6778 )

[19] - المستدرك للحاكم (100) ومصنف ابن أبي شيبة -
(11 / 504) (32442) موصولا ومرسلاً صحيح


[20] - صحيح مسلم- المكنز - (6254)

المقفى:
قال ابن الأثير: هو المولي الذاهب. يعني أنه آخر الأنبياء المتبع لهم. فإذا قفى
فلا نبي بعده- انظر النهاية (4/ 94).


[21] - صحيح ابن حبان - (14 / 220) (6314) صحيح

[22] - سنن أبي داود - المكنز - (4661 ) صحيح -المبقلة : أرض ذات بقل






[23] - انظر الشفا للقاضي عياض (1/ 57).

[24] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1364)

[25] - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 1743)

[26] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1297)

[27] - انظر الخصائص الكبرى (2/ 322).

[28] - غاية السول (ص 65، 66).

[29] - صحيح البخارى- المكنز - (4648) وصحيح مسلم-
المكنز - ( 7242)

[30] - التفسير الميسر - (3 / 200)

[31] - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 1505)

[32] - صحيح مسلم- المكنز - (6629 )

أمنة للسماء: قال العلماء: الأمنة والأمن
والأمان بمعنى، ومعنى الحديث: أن النجوم مادامت باقية فالسماء باقية، فإذا انكدرت
النجوم وتناثرت يوم القيامة وهنت السماء فانفطرت وانشقت وذهبت.- فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون: معناه من
ظهور البدع والحوادث في الدين والفتن فيه وغير ذلك. وهذه كلها من معجزاته صلّى
اللّه عليه وسلّم. شرح الجمل السابقة النووي في شرحه على صحيح مسلم (16/ 83).


[33] - صحيح ابن حبان - (7 / 79) (2838) صحيح

[34] - تفسير ابن أبي حاتم - (7 / 76) (9770) حسن
لغيره
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

تابع

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين مارس 15, 2010 12:14 pm

6- القسم بحياته :


أقسم اللّه تبارك وتعالى بأشياء كثيرة
من مخلوقاته [2]
الدّالّة على كماله وعظمته ليؤكّد المعنى في نفوس المخاطبين، فأقسم تعالى بالشّمس
والقمر والفجر والسّماء وغير ذلك. بينما نجده سبحانه وتعالى لم يقسم بأحد من البشر
إلّا بالرّسول الكريم
r حيث يقول جلّ شأنه {لَعَمْرُكَ
إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} (72) سورة الحجر.



يقسم الخالق بمن يشاء وبما يشاء، أما
المخلوق فلا يجوز له القسم إلا بالله، وقد أقسم الله تعالى بحياة محمد
rتشريفًا
له. إن قوم لوط في غفلة شديدة يترددون ويتمادون، حتى حلَّتْ بهم صاعقة العذاب وقت
شروق الشمس.[3]



وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ قَالَ :مَا
خَلَقَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى - أَوْ قَالَ : مَا ذَرَأَ اللهُ ، أَوْ قَالَ
: مَا بَرَأَ اللهُ - مِنْ نَفْسٍ أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْ مُحَمَّدٍ
r
، أَوَلا تَسْمَعُ الله وقد أَقْسَمَ بِحَيَاةِ
أَحَدٍ غَيْرِهِ ؟ ! قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { لَعَمْرُكَ } يَا مُحَمَّدُ !
وَحَيَاتِكَ يَا مُحَمَّدُ ! { إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يعمهون } [ الحجر :
72 ][4]



وعن ابن عباس، قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ
نفسا أكرم على الله من محمد
r ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره،
قال الله تعالى ذكره
{لَعَمْرُكَ
إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} (72) سورة الحجر



وفي رواية عن ابن عباس، في قول الله {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي
سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} (72) سورة الحجر قال: ما حلف الله تعالى بحياة أحد إلا
بحياة محمد
r ، قال: وحياتك يا محمد وعمرك وبقائك في
الدنيا( إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ )[5].



وقال العزّ بن عبد السّلام- رحمه
اللّه-: «ومن خصائصه أنّ اللّه تعالى أقسم بحياته
r . فقال: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي
سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ.والإقسام بحياة المقسم بحياته يدلّ على شرف حياته
وعزّتها عند المقسم بها، وأنّ حياته
r لجديرة أن يقسم بها لما فيها من البركة
العامّة والخاصّة، ولم يثبت هذا لغيره
r[6].


قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
" وَلِأَنَّ شَرَفَ الرَّسُولِ
r ، بِالرِّسَالَةِ وَنَبِيُّنَا خُصَّ
بِأَشْرَفِ الرِّسَالَاتِ، فَإِنَّهَا نَسَخَتْ مَا تَقَدَّمَهَا مِنَ الرِّسَالَاتِ،
وَلَا يَأْتِي بَعْدَهَا رِسَالَةٌ تَنْسَخُهَا، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ
رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا وَصَفَّ بِهِ كِتَابَهُ إِذَا قَالَ: { وَإِنَّهُ
لِكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيَهُ الْبَاطِلَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ
خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حُمَيْدٍ } [فصلت: 42] فَقِيلَ: مَعْنَاهُ:
لَيْسَ فِيمَا تَقَدَّمَهُ يُكَذِّبُهُ، وَلَا يَأْتِي بَعْدَهُ مَا يُوقِفُهُ،
وَفِي هَذَا مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الرِّسَالَةَ أَفْضَلُ الرِّسَالَاتِ
فَصَحَّ أَنَّ الْمُرْسَلَ بِهَا أَفْضَلُ الرُّسُلِ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
وَمِنْهَا: أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَقْسَمَ بِحَيَاتِهِ وَمَعْقُولٌ أَنَّ مَنْ
أَقْسَمَ بِحَيَاةِ غَيْرِهِ فَإِنَّمَا يُقْسِمُ بِحَيَاةِ أَكْرَمِ الْأَحْيَاءِ
عَلَيْهِ، فَلَمَّا خَصَّ اللهُ نَبِيَّنَا
r مِنْ بَنِي الْبَشَرِ بِأَنْ أَقْسَمَ
بِحَيَاتِهِ فَقَالَ: { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ }
[الحجر: 72] بِأَنَّهُ أَفْضَلُهُمْ وَأَكْرَمُهُمْ وَأَقْسَامُهُ بِ التِّينِ
وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِنِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ عَلَى
مَنْ يَدْخُلُ فِي أَعْدَادِهِ، كَذَلِكَ إِقْسَامُهُ بِحَيَاةِ مُحَمَّدٍ
r
يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَدْخُلُ
فِي عِدَادِهِ، وَمِنْهَا: أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَمَعَ لَهُ بَيْنَ إِنْزَالِ
الْمَلَكِ عَلَيْهِ وَإِصْعَادِهِ إِلَى مَسَاكِنِ الْمَلَائِكَةِ وَبَيْنَ
إِسْمَاعِ كَلَامِ الْمَلَكِ، وَإِرَائِهِ إِيَّاهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي
خَلْقَهُ عَلَيْهَا وَجَمْعَ لَهُ بَيْنَ إِخْبَارِهِ عَنِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ،
وَإِطْلَاعِهِ عَلَيْهِمَا فَصَارَ الْعِلْمُ لَهُ وَاقِعًا بِالْعَالَمَيْنِ
وَدَارِ التَّكْلِيفِ وَدَارِ الْجَزَاءِ عَيَانًا وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ
" " وَهَذَا بَيِّنٌ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي
مِعْرَاجِ النَّبِيِّ
r ، وَهِيَ فِي الْحَادِي عَشَرَ
وَالثَّانِي عَشَرَ مِنْ كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ
يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْمَلَكُ كَرَامَةً لَهُ إِذَا كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنْ لَمْ
يَنْزِلْ عَلَيْهِ وَحَسْبُ أَنْ يَكُونَ مَنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فَيَتَجَاوَزُ
مُكَالَمَتَهُ إِلَى مَقَاتِلَةِ الْمُشْرِكِينَ عَنْهُ حَتَّى يُظْفِرَهُ اللهُ
عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِمَّنْ لَا يَكُونُ مِنَ الْمَلَكِ إِلَّا إِبْلَاغُ
الرِّسَالَةِ إِيَّاهُ ثُمَّ الِانْصِرَافُ عَنْهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَمْ
يَكُنْ إِلَّا لِنَبِيِّنَا
r فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ
أَفْضَلَ الْأَنْبِيَاءِ
r وَقَدْ ذَكَرْنَا نُزُولَ
الْمَلَائِكَةِ لِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ
النُّبُوَّةِ، وَهُوَ فِي كِتَابِ اللهِ مَذْكُورٌ، فَإِنْ عُورِضَ هَذَا
بِسُجُودِ الْمَلَائِكَةِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَالسُّجُودُ كَانَ
لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ خَلْقِ آدَمَ " وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ
الْحَدِيثُ الَّذِي روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ أَبِي سَعِيدٍقَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ
r : " إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ
السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي وَيَقُولُ: يَا وَيْلَهُ
أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ
بِالسُّجُودِ فَعَصَيْتُ فَلِيَ النَّارُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ "
وَمَعْلُومٌ أَنَّ ابْنَ آدَمَ إِنَّمَا أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِلَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ لَا لِغَيْرِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ الَّذِي أُمِرَ
بِهِ الشَّيْطَانُ مِنْ جِنْسِ مَا أُمِرَ بِهِ ابْنُ آدَمَ وَهُوَ السُّجُودُ
لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَكِنْ عِنْدَ خَلْقِ آدَمَ إِعْظَامًا لِقُدْرَةِ اللهِ
عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي أَظْهَرَهَا لَهُمْ بِخَلْقِهِ إِيَّاهُ " . وَقَالَ:
" وَإِنْ كَانَ السُّجُودُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ،
فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى قَوْلِهِمْ
لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ
الدِّمَاءَ } [البقرة: 30] فعرض الْكَرَامَةَ لَهُ فِيهِ لا يَخْلُصُ مِنْ عَرْضِ
الْعُقُوبَةِ لَهُمْ، وَأَمَّا قِتَالُ الْمَلَائِكَةِ مَعَ النَّبِيِّ
r
، فَإِنَّهَا كَرَامَةٌ خَالِصَةٌ عَرَّضَهُ
اللهُ لَهَا بِفَضْلِهِ دَلَالَةً عَلَى نَفَاسَةِ قَدْرِهِ وَعَظِيمِ
مَنْزِلَتِهِ، وَلِأَنَّ الْأَفْضَلَ مَنْ يُفَضِّلُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَيُكَرِّمُهُ بِمَا لَا يُكَرِّمُ بِهِ غَيْرَهُ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ نَبِيِّنَا
الصَّادِقِ
r ، مَا ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ
الْبَعْثِ وَغَيْرُهُ مِنْ شَفَاعَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَهْلِ الْجَمْعِ،
ثُمَّ لِأُمَّتِهِ "[7]



================


7- نداؤه بوصف النبوة والرسالة :


خاطب اللّه- عزّ وجلّ- رسولهr
في القرآن الكريم بالنّبوّة والرّسالة ولم
يناده باسمه زيادة في التّشريف والتّكريم أمّا سائر الأنبياء والمرسلين عليهم
الصّلاة والسّلام فخوطبوا بأسمائهم.



قال اللّه تعالى: {يَا أَيُّهَا
الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ
قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ
هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا
فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ
فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ
أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ
عَذَابٌ عَظِيمٌ} (41) سورة المائدة



قال اللّه تعالى: {يَا أَيُّهَا
الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا
بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ
يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (67) سورة المائدة



وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ
حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (64) سورة الأنفال



إلى غير ذلك من الآيات.


بينما قال تعالى لأنبيائه:


- {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ
وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا
هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ} (35) سورة البقرة



- {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ
مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ
سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} (48) سورة هود



- {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي
اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ
وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} (144) سورة الأعراف



- {يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ
هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ
مَرْدُودٍ} (76) سورة هود.



- {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ
مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ
بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ
الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا
بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ
الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ
بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ
مُّبِينٌ} (110) سورة المائدة ,في آيات كثيرة ...



قال العزّ بن عبد السّلام- رحمه اللّه-:
«ولا يخفى على أحد أنّ السّيّد إذا دعى أحد عبيده بأفضل ما وجد فيهم من الأوصاف العليّة
والأخلاق السّنيّة، ودعا الآخرين بأسمائهم الأعلام لا يشعر بوصف من الأوصاف ولا
بخلق من الأخلاق، أنّ منزلة من دعاه بأفضل الأسماء والأوصاف أعزّ عليه وأقرب إليه
ممّن دعاه باسمه العلم. وهذا معلوم بالعرف أنّ من دعي بأفضل أوصافه وأخلاقه كان
ذلك مبالغة في تعظيمه واحترامه»[9].



قال ابن الجوزيّ- رحمه اللّه- [10]
«ولمّا ذكر اسمه للتّعريف قرنه بذكر الرّسالة، فقال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ
إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ
انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن
يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} (144) سورة آل عمران. {مُّحَمَّدٌ
رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء
بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا
سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي
التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ
فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ
الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم
مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (29) سورة الفتح. {وَالَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ
الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ}
(2) سورة محمد.



ولمّا ذكره مع الخليل، ذكر الخليل باسمه
وذكره باللّقب، فقال تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ
اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ
الْمُؤْمِنِينَ} (68) سورة آل عمران.



================



8- نهي المؤمنين عن مناداته باسمه :


أدّب اللّه- عزّ وجلّ- عباده المؤمنين
في مخاطبة نبيّه
r والكلام معه تشريفا وتعظيما وتقديرا له،
فأمرهم أن لا يخاطبوه باسمه بل يخاطبوه: يا رسول اللّه، يا نبيّ اللّه، وإذا كان
اللّه تبارك وتعالى خاطبه في كتابه العزيز بالنّبوّة والرّسالة ولم يناده باسمه
زيادة في التّشريف والتّكريم كما مرّ ذكره. فمن باب أولى وأحرى أهل الإيمان.
واختصّ رسول اللّه
r بذلك بخلاف سائر الأنبياء والمرسلين
فإنّ أممهم كانت تخاطبهم بأسمائهم.



قال اللّه- جلّ ذكره {لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ
بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ
يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ
أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (63) سورة
النــور.



عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, فِي
قَوْلِهِ:" " لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ
بَعْضِكُمْ بَعْضًا " , قَالَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ, يَا
أَبَا الْقَاسِمِ, فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ إِعْظَامًا لِنَبِيِّهِ
r
, قَالَ: فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ, يَا
رَسُولَ اللَّهِ".[12]



وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ:"
" لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا
" , قَالَ: لا تَقُولُوا: يَا مُحَمَّدُ, قُولُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, يَا
نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي".[13]



وعَنْ مُجَاهِدٍ, قوله:" "
كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا "أَمَرَهُمْ أَنْ يَدْعُوا, يَا رَسُولَ
اللَّهِ, فِي لِينٍ وَتَوَاضُعٍ, وَلا يَقُولُوا: يَا مُحَمَّدُ فِي
تَجَهُّمٍ".[14]



وعَنْ قَتَادَةَ, قوله:" " لا
تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا
"أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلّ: أَنْ يُهَابَ نَبِيُّهُ
r وَأَنْ يُبَجَّلَ وَأَنْ يُعَظَّمَ
وَأَنْ يُسَوَّدَ".[15]



أي كَانَ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ
المُؤْمِنِيِنَ يُنَادِي رَسُولَ اللهِ
rبِيَا
مُحَمَّدُ ، أو بِيَا أََبَا القَاسِمِ . . . فَنَهَاهُمُ اللهُ تَعَالَى عَنْ
ذَلِكَ تَعْظِيماً لِقَدْرِ الرَّسُولِ وَتَبْجِيلاً ، فَقَالَ قُولُوا : يَا
نَبِيَّ اللهِ ، وَيَا رَسُولَ اللهِ . وَيُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى المُنَافِقِينَ
الذين يَتَسَلَّلُونَ وَيَذْهِبُونَ بِدُونَ إِذْنٍ . يَلُوذُ بَعْضُهُمْ بِبِعْضٍ
، وَيَتَدَارَى بَعْضُهم بِبَعْضٍ لِكَيْلاَ يَرَاهُم الرَّسُولُ ، فَعَيْنُ اللهِ
تَرَاهُمْ وَإِنْ لَمْ تَرَهُمْ عَيْنُ الرَّسُولِ . وَيَُوِّرُ اللهُ تَعَالَى
حَالَ هَؤُلاءِ وَهُمْ يَتَسَلَّلُونَ بِحَذَرٍ مِنْ مَجْلِسِ الرَّسُولِ ، مِمَّا
يُمَثِّلُ جُبْنَهُمْ عَنَ المُوَاجَهَةِ وَطَلَبِ الإِذْنِ . وَيُهَدِّدُ اللهُ
تَعَالًَى هَؤُلاءِ المُنَافِقِينَ الذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِ اللهِ ،
وَيَتَّبِعُونَ نَهْجاً غَيْرَ نَهْجِهِ ، وَيَتَسَلَّلُونَ مِن الصَّفِّ
ابْتَغِاءَ مَنْفَعَةٍ ، أو اتِّقَاءَ ضَرَرٍ ، وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ أَنْ
تُصِيبَهُم فِتْنَةٌ تَخْتَلُّ فِيهَا المَوَازِينُ ، وَيَضَطَرِبُ فِيهَا
النَّظَامُ ، فَيَخْتَلِطُ الحَقُّ بالبَاطِل ، وَتَفْسُدُ أُمُورُ الجَمَاعَةِ
وَحَيَاتُها ، أَو يُصِيبُهم عَذَابٌ أليمٌ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ .[16]



فلا بد من امتلاء القلوب بالتوقير لرسول
اللّه -
r- حتى تستشعر
توقير كل كلمة منه وكل توجيه. وهي لفتة ضرورية. فلا بد للمربي من وقار ، ولا بد
للقائد من هيبة. وفرق بين أن يكون هو متواضعا هينا لينا وأن ينسوا هم أنه مربيهم
فيدعوه دعاء بعضهم لبعض .. يجب أن تبقى للمربي منزلة في نفوس من يربيهم يرتفع بها
عليهم في قرارة شعورهم ، ويستحيون هم أن يتجاوزوا معها حدود التبجيل والتوقير.[17]



بخلاف ما خاطبت به الأمم السّابقة
أنبياءها، فقال تعالى- حكاية عنهم-:



- {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ
الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن
كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي
إِسْرَآئِيلَ} (134) سورة الأعراف.



- {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ
الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ
يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ
تَجْهَلُونَ} (138) سورة الأعراف



- {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا
عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا
مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (112)
سورة المائدة



================


9- جوامع الكلم [18]:


فضّل اللّه- عزّ وجلّ- نبيّهr
على غيره من الأنبياء عليهم السّلام بأن أعطاه
جوامع الكلم، فكان
r يتكلّم بالقول الموجز القليل اللّفظ
الكثير المعاني [19]
أعطاه مفاتيح الكلام وهو ما يسّره له من البلاغة والفصاحة، والوصول إلى غوامض
المعاني وبدائع الحكم ومحاسن العبارات والألفاظ الّتي أغلقت على غيره وتعذّرت عليه[20].



قال العزّ بن عبد السّلام- رحمه اللّه-:
«ومن خصائصه أنّه بعث بجوامع الكلم، واختصر له الحديث اختصارا، وفاق العرب في
فصاحته وبلاغته»[21].



وممّا جاء في السّنّة دالّا على هذه
الخاصّيّة:



عنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ -

r - قَالَ « فُضِّلْتُ عَلَى
الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ
وَأُحِلَّتْ لِىَ الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا
وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِىَ النَّبِيُّونَ ».[22].



وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ،
أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ مُحَمَّدًا
r عُلِّمَ فَوَاتِحَ الْخَيْرِ ،
وَجَوَامِعَهُ ، وَخَوَاتِمَهُ ، فَقَالَ : إِذَا قَعَدْتُمْ فِي كُلِّ
رَكْعَتَيْنِ ، فَقُولُوا : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ ، وَالصَّلَوَاتُ
وَالطَّيِّبَاتُ ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ
وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ ،
أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ ، ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ أَحَدُكُمْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ
إِلَيْهِ ، فَلْيَدْعُ بِهِ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.[23]



وعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ الله عَنْه
قَالَ ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
r : " أُعْطِيتُ فَوَاتِحَ
الْكَلَامِ ، وَجَوَامِعَهُ وَخَوَاتِمَهُ " . قَالَ : فَقُلْنَا :
عَلِّمْنَا مِمَّا علمك الله تعالى ، فَعَلَّمَنَا
r التَّشَهُّدَ .[24]


وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ
، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، يَقُولُ : خَرَجَ
عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ
r يَوْمًا كَالْمُوَدِّعِ ، فَقَالَ :
أَنَا مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ ، أَنَا مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ
أَنَا مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ ، ثَلاَثًا ، وَلاَ نَبِيَّ بَعْدِي ،
أُوتِيتُ فَوَاتِحَ الْكَلِمِ ، وَجَوَامِعَهُ ، وَخَوَاتِمَهُ ، وَعَلِمْتُ كَمْ
خَزَنَةُ النَّارِ وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ ، وَتُجُوِّزَ بِي ، وَعُوفِيتُ ،
وَعُوفِيَتْ أُمَّتِي ، فَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا مَا دُمْتُ فِيكُمْ ، فَإِذَا
ذُهِبَ بِي ، فَعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللهِ ، أَحِلُّوا حَلاَلَهُ ، وَحَرِّمُوا
حَرَامَهُ.[25]



قال الحافظ ابن رجب الحنبليّ- رحمه
اللّه-: فجوامع الكلم الّتي خصّ بها النّبيّ
r نوعان:


أحدهما: ما هو في القرآن كقوله تعالى: {إِنَّ
اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى
عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }
(90) سورة النحل.



قال الحسن البصريّ- رحمه اللّه-: «لم
تترك هذه الآية خيرا إلّا أمرت به ولا شرّا إلّا نهت عنه».



الثّاني: ما هو في كلامهr
وهو منتشر موجود في السّنن المأثورة عنه [26]
.. أهـ.



ومن ذلك قوله r: « إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ
امْرِئٍ مَا نَوَى ، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ
إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ »[27]



قال الشّافعيّ- رحمه اللّه-: هذا الحديث
ثلث العلم، ويدخل في سبعين بابا من الفقه»[28].



قال القاضي عياض- رحمه اللّه-: «وأمّا
كلامه المعتاد، وفصاحته المعلومة، وجوامع كلمه وحكمه المأثورة فقد ألّف النّاس
فيها الدّواوين، وجمعت في ألفاظها ومعانيها الكتب ومنها ما لا يوازى فصاحة، ولا
يباري بلاغة.



وذكر- رحمه اللّه- أمثلة كثيرة من أقوال
الصّادق المصدوق
r .


فمن ذلك قوله: « اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ ،
وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا ، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ
حَسَنٍ. »[29]



وقوله: « الدِّينُ النَّصِيحَةُ »
قُلْنَا لِمَنْ قَالَ « لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ
الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ».[30].



وقوله: « دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا
لاَ يُرِيبُكَ ، قَالَ : الْخَيْرُ طُمَأْنِينَةٌ وَالشَّرُّ رِيبَةٌ ..» [31]...
إلى غير ذلك ممّا روته الكافّة عن الكافّة من مقاماته ومحاضراته وخطبه وأدعيته
ومخاطباته وعهوده ممّا لا خلاف أنّه نزل من ذلك مرتبة لا يقاس بها غيره وحاز فيها
سبقا لا يقدر قدره[32].



================










[1] - انظر الخصائص للسيوطي (2/ 322).

[2] - للخالق سبحانه أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته،
أما المخلوق فلا يجوز له القسم والحلف إلا باللّه تعالى وأسمائه وصفاته والأدلة
على ذلك كثيرة منها: قوله
r
«من كان حالفا فليحلف باللّه أو ليصمت». رواه البخاري- الفتح 11
(6646). ومسلم برقم (3/ 1646). قال الحافظ ابن حجر- رحمه اللّه-: قال العلماء:
السر في النهي عن الحلف بغير اللّه أن الحلف بالشي ء يقتضي تعظيمه والعظمة في
الحقيقة إنما هي للّه وحده- انظر الفتح (11/ 540).

[3] - التفسير الميسر - (4 / 355)
[4] - المجالسة وجواهر العلم - (6 / 180)(2527 ) حسن
[5] - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة - (17 / 118)
حسن

[6] - بداية
السول: (ص 37).

[7] - شعب الإيمان - (3 / 71) (1406 و1407)

[8] - انظر
الوفا بأحوال المصطفى ص (362، 363) والخصائص الكبرى (2/ 324)، بداية السول ص (37،
38).

[9] - بداية السول (ص 38).
[10] - انظر الوفا في أحوال المصطفى ص (363).
[11] - انظر الوفا (2/ 7، Cool، والخصائص (2/ 324).
[12] - تفسير ابن أبي حاتم - (10 / 240) ( 15720) فيه
ضعف

[13] - تفسير ابن أبي حاتم - (10 / 240) ( 15721)
صحيح

[14] - تفسير ابن أبي حاتم - (10 / 240) (15722) صحيح
[15] - تفسير ابن أبي حاتم - (10 / 240) (15723) صحيح

[16] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 2736)
[17] - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2535)

[18] - انظر
الوفا (2/ 14)، والشمائل لابن كثير (605)، والخصائص (2/ 331، 333).


[19] - قاله
الحافظ ابن حجر- انظر فتح الباري (13/ 261)، ومن قبله قاله الزهري رحمه اللّه-
انظر الفتح (12/ 418)، وابن الأثير- انظر جامع الأصول (8/ 531).

[20] - قاله
ابن منظور في لسان العرب (2/ 537).


[21] - غاية السول في تفضيل الرسول (ص 47).
[22] - صحيح مسلم- المكنز - (1195 )

[23] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (2 / 149)(4160)
صحيح

[24] - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية -
(15 / 492) (3799 ) صحيح


[25] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (2 / 697) (6981)
حسن


فواتح
الكلم: قال ابن منظور: «... وفي الحديث: أوتيت مفاتيح الكلم، وفي رواية: مفاتح،
هما جمع مفتاح ومفتح، وهما في الأصل مما يتوصل به إلى استخراج المغلقات التي يتعذر
الوصول إليها ... ومن كان في يده مفاتيح شي ء مخزون سهل عليه الوصول إليه، لسان
العرب (2/ 537).- خواتمه: حسن الوقف ورعاية الفواصل.


[26] - انظر كتاب «جامع العلوم والحكم» لابن رجب
الحنبلي (ص 3).


[27] - صحيح البخارى- المكنز - (1 )
[28] - جامع العلوم والحكم (ص 5).
[29] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (7 / 165) (21354)
21681- صحيح


[30] - صحيح مسلم- المكنز - (205 )
[31] - صحيح
ابن حبان - (2 / 498) (722) صحيح


[32] - الشفا للقاضي عياض (1/ 173- 176) بتصرف.
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

تابع

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين مارس 15, 2010 12:21 pm

10- نصر بالرعب :


اختصّ نبيّناr ، بأنّ اللّه عزّ وجلّ نصره بالرّعب،
وهو الفزع والخوف، فكان سبحانه يلقيه في قلوب أعداء رسوله
r ، فإذا كان بينه وبينهم مسيرة شهر [2]»
أو شهرين هابوه وفزعوا منه، فلا يقدمون على لقائه[3].



قال الحافظ ابن حجر- رحمه اللّه-: وهذه
الخصوصيّة حاصلة له على الإطلاق حتّى لو كان وحده بغير عسكر، وهل هي حاصلة لأمّته
من بعده؟ فيه احتمال[4].



وممّا ورد في السّنّة مؤيّدا
لهذا المعنى:



عن جَابِرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ
النَّبِىَّ -
r- قَالَ «
أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِى نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ
مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، فَأَيُّمَا
رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِى أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ ، وَأُحِلَّتْ لِىَ
الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ ،
وَكَانَ النَّبِىُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً ، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ
عَامَّةً » [5].



وعَنْ أَبِى أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِىَّ
-

r - قَالَ :« فُضِّلْتُ بِأَرْبَعٍ :
جُعِلَتِ الأَرْضُ لأُمَّتِى مَسْجِدًا وَطُهُورًا ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ
أُمَّتِى أَتَى الصَّلاَةَ فَلَمْ يَجِدْ مَاءً وَجَدَ الأَرْضَ مَسْجِدًا
وَطَهُورًا ، وَأُرْسَلْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مِنْ
مَسِيرَةِ شَهْرٍ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَىَّ ، وَأُحِلَّتْ لأُمَّتِى الْغَنَائِمُ ».[6].



وعَنِ السَّائِبِ بن يَزِيدَ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
r :"فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ
بِخَمْسٍ: بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَادَّخَرْتُ شَفَاعَتِي لأُمَّتِي،
وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ شَهْرًا أَمَامِي , وَشَهْرًا خَلْفِي، وَجُعِلَتْ لِيَ
الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ
لأَحَدٍ قَبْلِي".[7].



وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ -

r - قَالَ « فُضِّلْتُ عَلَى
الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ
وَأُحِلَّتْ لِىَ الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا
وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِىَ النَّبِيُّونَ »[8].



وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ
r عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ قَامَ مِنَ
اللَّيْلِ يُصَلِّي، فَاجْتَمَعَ وَرَاءَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ
يَحْرُسُونَهُ حَتَّى إِذَا صَلَّى، وَانْصَرَفَ إِلَيْهِمْ قَالَ: " لَقَدْ
أُعْطِيتُ اللَّيْلَةَ خَمْسًا مَا أُعْطِيَهُنَّ أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي:
أُرْسِلْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي إِنَّمَا يُرْسَلُ
النَّبِيُّ إِلَى قَوْمِهِ، وَنُصِرْتُ عَلَى الْعَدُوِّ بِالرُّعْبِ وَلَوْ
كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ مُلِئَ مِنِّي رُعْبًا، وَأُحِلَّتْ
لِيَ الْغَنَائِمُ ، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعَظِّمُونَ أَكْلَهَا، كَانُوا
يُحْرِقُونَهَا، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، أَيْنَمَا
أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ تَمَسَّحْتُ وَصَلَّيْتُ، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي
يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ، إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي كَنَائِسِهِمْ
وَبِيَعِهِمْ، وَالْخَامِسَةُ هِيَ مَا هِيَ، قِيلَ لِي: سَلْ، فَإِنَّ مَنْ
قَبْلَكَ سَأَلَ، فَأَخَّرْتُ مَسْأَلَتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ
لَكُمْ، وَلِمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ " [9]



================



11- مفاتيح خزائن الأرض بيده :


أكرم اللّه عبده ورسوله محمّداr
واختصّه على غيره من الأنبياء بأن أعطاه مفاتيح
خزائن الأرض وهي ما سهّل اللّه تعالى له ولأمّته من بعده من افتتاح البلاد
المتعذّرات والحصول على كنوزها وذخائرها ومغانمها واستخراج الممتنعات من الأرض
كمعادن الذّهب والفضّة وغيرها»[11]



ويحتمل أعمّ من ذلك. واللّه أعلم[12].


وممّا يؤيّد هذه الخصوصيّة:


عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه -
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -
r- قَالَ «
بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ ، فَبَيْنَا أَنَا
نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ ، فَوُضِعَتْ فِى يَدِى » .
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ -
r- وَأَنْتُمْ
تَنْتَثِلُونَهَا [13].



وعَنِ الزُّبَيْدِيِّ ، أَخْبَرَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبُو
سَلَمَةَ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ
r
يَقُولُ : بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ ،
وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ ، وَبَيَنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ
خَزَائِنِ
الأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدي قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَدْ ذَهَبَ رَسُولُ
اللَّهِ
r وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا. "[14]



وعَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى
رَسُولِ اللهِ
rقَالَ
: قَالَ نَبِيُّ اللهِ
rوَأَنَا
مَعَهُ فِي بَعْضِ بُيُوتِهِ : يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ ، إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ
أَسْتَغْفِرَ لأَهْلِ الْبَقِيعِ فَانْطَلَقَ ، فَقَالَ لِي : يَا أَبَا
مُوَيْهِبَةَ ، إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ ، وَالْخُلْدَ
فِيهَا ، ثُمَّ الْجَنَّةَ ، وَخُيِّرَتْ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي
عَزَّ وَجَلَّ وَالْجَنَّةِ ، فَقُلْتُ : بِأَبِي وَأُمِّي خُذْ مَفَاتِيحَ
الأَرْضِ وَالْخُلْدَ فِيهَا ، ثُمَّ الْجَنَّةَ ، فَقَالَ : لا وَاللَّهِ يَا
أَبَا مُوَيْهِبَةَ ، لَقَدِ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ، ثُمَّ
اسْتَغْفَرَ لأَهْلِ الْبَقِيعِ وَانْصَرَفَ[15]



وعَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ
هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -
r- قَالَ « نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ » وَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ -
r- « بَيْنَا
أَنَا نَائِمٌ إِذْ أُوتِيتُ خَزَائِنَ الأَرْضِ ، فَوُضِعَ فِى يَدَىَّ
سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ،فَكَبُرَا عَلَىَّ وَأَهَمَّانِى ، فَأُوحِىَ إِلَىَّ أَنِ
انْفُخْهُمَا ، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا ، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ
اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ » .[16].



وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ
النَّبِىَّ -
r- خَرَجَ يَوْمًا
فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلاَتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى
الْمِنْبَرِ فَقَالَ « إِنِّى فَرَطٌ لَكُمْ ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ ،
وَإِنِّى وَاللَّهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِى الآنَ ، وَإِنِّى أُعْطِيتُ
مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ - أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ - وَإِنِّى وَاللَّهِ
مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِى ، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ
أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا » [17]



وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، أَنَّ
النَّبِيَّ
r صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ ، ثُمَّ
انْصَرَفَ وَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ،
ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ ، وَإِنِّي
عَلَيْكُمْ لِشَهِيدٌ ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ
تُشْرِكُوا بَعْدِي ، وَلَكِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ اللَّيْلَةَ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ
الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ ، وَأَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَتَنَافَسُوا فِيهَا ثُمَّ
دَخَلَ ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ جَلَّ
وَعَلاَ."[18]



12- ذنوب مغفورة :


اختصّ اللّه تعالى عبده ورسوله محمّداr
تشريفا له وتكريما بأن غفر له ما تقدّم من ذنبه
وما تأخّر وأخبره بهذه المغفرة وهو حيّ صحيح يمشي على الأرض.



قال العزّ بن عبد السّلام: «من خصائصه
أنّه أخبره اللّه بالمغفرة ولم ينقل أنّه أخبر أحدا من الأنبياء بمثل ذلك، بل
الظّاهر أنّه لم يخبرهم بدليل قولهم في الموقف: نفسي نفسي[20].



وقال ابن كثير في قوله تعالى: إِنَّا
فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ
ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا
مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) [الفتح : 1 - 3]



هذا من خصائصهr الّتي لا يشاركه فيها غيره، وليس في
حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وهذا فيه
تشريف عظيم لرسول اللّه
r ...»[21].


إنا فتحنا لك -أيها الرسول- فتحًا
مبينًا، يظهر الله فيه دينك، وينصرك على عدوك، وهو هدنة "الحديبية" التي
أمن الناس بسببها بعضهم بعضًا، فاتسعت دائرة الدعوة لدين الله، وتمكن من يريد الوقوف
على حقيقة الإسلام مِن معرفته، فدخل الناس تلك المدة في دين الله أفواجًا؛ ولذلك
سمَّاه الله فتحًا مبينًا، أي ظاهرًا جليًّا.



فتحنا لك ذلك الفتح، ويسَّرناه لك؛
ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؛ بسبب ما حصل من هذا الفتح من الطاعات
الكثيرة وبما تحملته من المشقات، ويتم نعمته عليك بإظهار دينك ونصرك على أعدائك،
ويرشدك طريقًا مستقيمًا من الدين لا عوج فيه، وينصرك الله نصرًا قويًّا لا يَضْعُف
فيه الإسلام.[22]



وبهذا المعنى وردت الآيات
والأحاديث:



قال تعالى: { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ
صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3)
وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ
الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ
(Cool } [الشرح : 1 - 8].



ألم نوسع -أيها النبي- لك صدرك لشرائع الدين،
والدعوة إلى الله، والاتصاف بمكارم الأخلاق، وحططنا عنك بذلك حِمْلك الذي أثقل
ظهرك، وجعلناك -بما أنعمنا عليك من المكارم- في منزلة رفيعة عالية؟[23]



عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ
النَّبِيِّ
r، قَالَ:
يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُلْهَمُونَ ذَلِكَ ،
فَيَقُولُونَ : لَوِ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا ، عَزَّ وَجَلَّ ،
فَأَرَاحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ ،
فَيَقُولُونَ : يَا آدَمُ ، أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ ، خَلَقَكَ اللهُ ، عَزَّ
وَجَلَّ ، بِيَدِهِ ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلاَئِكَتَهُ ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ
كُلِّ شَيْءٍ ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّنَا ، عَزَّ وَجَلَّ ، يُرِيحُنَا مِنْ
مَكَانِنَا هَذَا ، فَيَقُولُ لَهُمْ آدَمُ : لَسْتُ هُنَاكُمْ ، وَيَذْكُرُ
ذَنْبَهُ الَّذِي أَصَابَ ، فَيَسْتَحِي رَبَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، وَيَقُولُ :
وَلَكَنِ ائْتُوا نُوحًا ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ
الأَرْضِ ، فَيَأْتُونَ نُوحًا ، فَيَقُولُ : لَسْتُ هُنَاكُمْ ، وَيَذْكُرُ
لَهُمْ خَطِيئَتَهُ ، وَسُؤَالَهُ رَبَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ
عِلْمٌ ، فَيَسْتَحِي رَبَّهُ بِذَلِكَ ، وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ ، خَلِيلَ
الرَّحْمَانِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، فَيَأْتُونَ ، فَيَقُولُ : لَسْتُ هُنَاكُمْ ،
وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، عَبْدًا كَلَّمَهُ اللهُ ،
وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ ، فَيَأْتُونَ مُوسَى ، فَيَقُولُ : لَسْتُ هُنَاكُمْ ،
وَيَذْكُرُ لَهُمُ النَّفْسَ الَّتِي قَتَلَ بِغَيْرِ نَفْسٍ ، فَيَسْتَحِي
رَبَّهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَكَنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللهِ وَرَسُولَهُ
وَكَلِمَتَهُ وَرُوحَهُ ، فَيَأْتُونَ عِيسَى ، فَيَقُولُ : لَسْتُ هُنَاكُمْ ،
وَلَكَنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا عَبْدًا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ
ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، فَيَأْتُونِي - قَالَ الْحَسَنُ هَذَا الْحَرْفَ :
فَأَقُومُ فَأَمْشِى بَيْنَ سِمَاطَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - قَالَ أَنَسٌ : حَتَّى
أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي ، عَزَّ وَجَلَّ ، فَيُؤْذَنَ لِي ، فَإِذَا رَأَيْتُ
رَبِّي وَقَعْتُ ، أَوْ خَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي ، عَزَّ وَجَلَّ ، فَيَدَعُنِي
مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي ، قَالَ : ثُمَّ يُقَالُ : ارْفَعْ مُحَمَّدُ ،
قُلْ تُسْمَعْ ، وَسَلْ تُعْطَهْ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي ،
فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ، ثُمَّ أَشْفَعُ ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا
، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ الثَّانِيَةَ ، فَإِذَا
رَأَيْتُ رَبِّي ، عَزَّ وَجَلَّ ، وَقَعْتُ ، أَوْ خَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي ،
فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي ، ثُمَّ يُقَالُ : ارْفَعْ مُحَمَّدُ
، قُلْ تُسْمَعْ ، وَسَلْ تُعْطَهْ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي ،
فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ، ثُمَّ أَشْفَعُ ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا
، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ الثَّالِثَةَ ، فَإِذَا
رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ ، أَوْ خَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي ، عَزَّ وَجَلَّ ،
فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي ، ثُمَّ يُقَالُ : ارْفَعْ مُحَمَّدُ ،
وَقُلْ تُسْمَعْ ، وَسَلْ تُعْطَهْ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي ،
فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ ، ثُمَّ أَشْفَعُ ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا
، فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ، ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ ، فَأَقُولُ : يَا
رَبِّ ، مَا بَقِيَ إِلاَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ."[24].



وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه
- قَالَ أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ -
r- بِلَحْمٍ ،
فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً
ثُمَّ قَالَ « أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهَلْ تَدْرُونَ
مِمَّ ذَلِكَ يُجْمَعُ النَّاسُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِى صَعِيدٍ وَاحِدٍ ،
يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِى ، وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ ،
فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لاَ يُطِيقُونَ وَلاَ
يَحْتَمِلُونَ فَيَقُولُ النَّاسُ أَلاَ تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ أَلاَ
تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ
لِبَعْضٍ عَلَيْكُمْ بِآدَمَ فَيَأْتُونَ آدَمَ عليه السلام فَيَقُولُونَ لَهُ
أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ . وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ
، وَأَمَرَ الْمَلاَئِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلاَ
تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ
آدَمُ إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ
مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنَّهُ نَهَانِى عَنِ
الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ ، نَفْسِى نَفْسِى نَفْسِى ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى ،
اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ يَا نُوحُ إِنَّكَ
أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ
عَبْدًا شَكُورًا اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ
فِيهِ فَيَقُولُ إِنَّ رَبِّى عَزَّ وَجَلَّ قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ
يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنَّهُ قَدْ
كَانَتْ لِى دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِى نَفْسِى نَفْسِى نَفْسِى
اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى ، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ ، فَيَأْتُونَ
إِبْرَاهِيمَ ، فَيَقُولُونَ يَا إِبْرَاهِيمُ ، أَنْتَ نَبِىُّ اللَّهِ
وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلاَ تَرَى إِلَى
مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا
لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنِّى
قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ - فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِى
الْحَدِيثِ - نَفْسِى نَفْسِى نَفْسِى ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى اذْهَبُوا إِلَى
مُوسَى ، فَيَأْتُونَ مُوسَى ، فَيَقُولُونَ يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ،
فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلاَمِهِ عَلَى النَّاسِ ، اشْفَعْ لَنَا
إِلَى رَبِّكَ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ إِنَّ رَبِّى قَدْ
غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ
بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنِّى قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا ،
نَفْسِى نَفْسِى نَفْسِى ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى ، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ،
فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ
أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ
صَبِيًّا اشْفَعْ لَنَا أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ عِيسَى
إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ،
وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ - وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا - نَفْسِى نَفْسِى
نَفْسِى ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ -
r- فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا -r- فَيَقُولُونَ
يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ ، وَقَدْ غَفَرَ
اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى
رَبِّكَ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَأَنْطَلِقُ فَآتِى تَحْتَ الْعَرْشِ
، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّى عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَىَّ مِنْ
مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ
قَبْلِى ثُمَّ يُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ ، سَلْ تُعْطَهْ ،
وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَرْفَعُ رَأْسِى ، فَأَقُولُ أُمَّتِى يَا رَبِّ ،
أُمَّتِى يَا رَبِّ فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لاَ
حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ
شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ ، ثُمَّ قَالَ وَالَّذِى
نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ
كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى » [25] .



وعَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها -
أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ -
r- كَانَ يَقُومُ
مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِمَ تَصْنَعُ
هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ
ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ « أَفَلاَ أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا
» . فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ
قَامَ ، فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ [26].



وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ
النَّبِيَّ
rقَالَ
: فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي ،
غُفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَمَا تَأَخَّرَ ، وَأُحِلَّتْ لِي
الْغَنَائِمُ ، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي ، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي
خَيْرَ الأُمَمِ ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَأُعْطِيتُ
الْكَوْثَرَ ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّ
صَاحِبَكُمْ لَصَاحِبُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، تَحْتَهُ آدَمُ
فَمَنْ دُونَهُ ".[27]



وعن حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قالَ:
غَابَ عَنَّا رَسُولُ اللهِ
r يَوْمًا ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى
ظَنَنَّا أَنْ لَنْ يَخْرُجَ ، فَلَمَّا خَرَجَ سَجَدَ سَجْدَةً فَظَنَنَّا أَنَّ
نَفْسَهُ قَدْ قُبِضَتْ فِيهَا ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ : إِنَّ رَبِّي
اسْتَشَارَنِي فِي أُمَّتِي مَاذَا أَفْعَلُ بِهِمْ ، فَقُلْتُ : مَا شِئْتَ أَيْ
رَبِّ ، هُمْ خَلْقُكَ وَعِبَادُكَ ، فَاسْتَشَارَنِي الثَّانِيَةَ ، فَقُلْتُ
لَهُ كَذَلِكَ ، فَقَالَ : لاَ أُحْزِنُكَ فِي أُمَّتِكَ يَا مُحَمَّدُ ،
وَبَشَّرَنِي أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي مَعِي
سَبْعُونَ أَلْفًا مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا ، لَيْسَ عَلَيْهِمْ
حِسَابٌ ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ : ادْعُ تُجَبْ ، وَسَلْ تُعْطَ ،
فَقُلْتُ لِرَسُولِهِ : أَوَمُعْطِيَّ رَبِّي سُؤْلِي ، فَقَالَ : مَا أَرْسَلَنِي
إِلَيْكَ إِلاَّ لِيُعْطِيَكَ ، وَلَقَدْ أَعْطَانِي رَبِّي ، وَلاَ فَخْرَ
وَغَفَرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَمَا تَأَخَّرَ ، وَأَنَا أَمْشِي
حَيًّا صَحِيحًا ، وَأَعْطَانِي أَنْ لاَ تَجُوعَ أُمَّتِي ، وَلاَ تُغْلَبَ ،
وَأَعْطَانِي الْكَوْثَرَ فَهُوَ نَهْرٌ مِنَ الْجَنَّةِ يَسِيلُ فِي حَوْضِي ،
وَأَعْطَانِي الْعِزَّ وَالنَّصْرَ ، وَالرُّعْبَ يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْ أُمَّتِي
شَهْرًا ، وَأَعْطَانِي أَنِّي أَوَّلُ الأَنْبِيَاءِ أَدْخُلُ الْجَنَّةَ ،
وَطَيَّبَ لِي وَلأُمَّتِي الْغَنِيمَةَ ، وَأَحَلَّ لَنَا كَثِيرًا مِمَّا
شَدَّدَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا ، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ."[28]



================










[1] - انظر
الفصول لابن كثير (ص 281، 282)، وخصائص أفضل المخلوقين لابن الملقن (ص 399)،
والخصائص الكبرى للسيوطي (2/ 331).







[2] - ورد
التقييد بمسيرة شهر في الصحيحين وبمسيرة شهرين في غيرهما ولا تعارض بينهما لأن
الإخبار بالقليل لا ينافي الكثير- انظر السراج المنير شرح الجامع الصغير (3/ 23،
24).







[3] - قاله ابن الأثير الجزري- انظر جامع الأصول (8/
531) بتصرف يسيير.







[4] - انظر
فتح الباري (1/ 521).







[5] - صحيح البخارى- المكنز - (335 )






[6] - السنن الكبرى للبيهقي- المكنز - (1 / 212)
(1059) صحيح







[7] - المعجم الكبير للطبراني - (6 / 284) (6534 )
ووصحيح الجامع (4221) صحيح لغيره



قَالَ
أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِي هَذَا ذِكْرُ تَفْضِيلِهِ
r عَلَى النَّبِيِّينَ وَفِيهِمْ إِبْرَاهِيمُ
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ "شرح مشكل الآثار - (3 / 55)







[8] - صحيح مسلم- المكنز - (1195 )


مفاتيح
الكلم : المفاتيح : كل ما يتوصل به إلى استخراج المغلقات التي يتعذر الوصول إليها
، فأخبر عليه السلام أنه أوتي مفاتيح الكلم ،وهو ماسهل الله عليه من الوصول إلى
غوامض المعاني ،وبدائع الحكم التي أغلقت على غيره وتعذرت.



مفاتيح
خزائن الأرض :أراد به ما سهل الله تعالى له ولأمته من استخراج الممتنعات وافتتاح
البلاد المتعذرات ، ومن كان في يده مفاتيح شيء سهل الله عليه الوصول إليه.







[9] - شرح مشكل الآثار - (11 / 350) (4489 ) صحيح






[10] - انظر
الخصائص للسيوطي (2/ 331).







[11] - وبنحوه قال الخطابي- انظر فتح الباري (2/ 442)،
وابن الأثير- انظر جامع الأصول (8/ 532).







[12] - نقله
الحافظ ابن حجر عن بعض العلماء- انظر الفتح (12/ 442).







[13] - صحيح البخارى- المكنز - (2977 ) وصحيح مسلم-
المكنز - (1196) - وأنتم تنتثلونها: بوزن
تفتعلونها- من النثل بالنون والمثلاثة- تقول: نثلت البئر إذا استخرجت ترابها. ونثل
كنانته نثلا: استخرج ما فيها من النبل. والمقصود بها في الحديث (وأنتم تنتثلونها):
يعني الأموال وما فتح عليهم من زهرة الدنيا- انظر فتح الباري (6/ 149، 150)، ولسان
العرب (11/ 645).







[14] - مسند الشاميين 360 - (3 / 17) (1712) صحيح






[15] - الآحاد والمثاني - (1 / 376) (467) حسن






[16] - صحيح البخارى- المكنز - (7036 )


صاحب صنعاء: الأسود العنسي، وصاحب اليمامة:
مسيلمة الكذاب.



(
أن انفخهما ) [ يقال ] : نفحت الشيء : إذا رميته ، وهو من نفحت الدابة برجلها : أي
رمحت ورفست ، وإن كانت بالخاء المعجمة. فيريد : أنه رماهما ، وهو قريب من
الأول.جامع الأصول في أحاديث الرسول - (2 / 538)







[17] - صحيح البخارى- المكنز - (1344 ) وصحيح مسلم-
المكنز - (6116)







[18] - صحيح ابن حبان - (7 / 474) (3199) صحيح


قَالَ
أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : خَصَّ الْمُصْطَفَى
r الشُّهَدَاءَ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي
الْمَعْرَكَةِ ، بِتَرْكِ الصَّلاَةِ عَلَيْهِمْ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ سَائِرِ
الْمَوْتَى ، فَإِنَّ سَائِرَ الْمَوْتَى يُغَسَّلُونَ ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ ،
وَمَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ مِنَ الشُّهَدَاءِ لاَ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ ،
وَيُدْفَنُ بِدَمِهِ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ ، فَأَمَّا خَبَرُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ
أَنَّ النَّبِيَّ
r
خَرَجَ فَصَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ لَيْسَ يُضَادُّ خَبَرَ
جَابِرٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، إِذِ الْمُصْطَفَى
r خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ ، فَدَعَا لِشُهَدَاءِ
أُحُدٍ كَمَا كَانَ يَدْعُو لِلْمَوْتَى فِي الصَّلاَةِ عَلَيْهِمْ ، وَالْعَرَبُ
تُسَمِّي الدُّعَاءَ صَلاَةً ، فَصَارَ خُرُوجُهُ
r إِلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ ، وَزِيَارَتُهُ
إِيَّاهُمْ وَدُعَاؤُهُ لَهُمْ سُنَّةً لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أُمَّتِهِ أَنْ
يَزُورُوا شُهَدَاءَ أُحُدٍ يَدْعُونَ لَهُمْ كَمَا يَدْعُونَ لِلْمَيِّتِ فِي
الصَّلاَةِ عَلَيْهِ ، وَفِي خَبَرِ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ الَّذِي
ذَكَرْنَاهُ ، ثُمَّ دَخَلَ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى قَبَضَهُ
اللَّهُ جَلَّ وَعَلاَ ، أَبْيَنُ الْبَيَانِ بِأَنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ كَانَتْ
دُعَاءً لَهُمْ ، وَزِيَادَةً قَصَدَ بِهَا إِيَّاهُمْ لَمَّا قَرُبَ خُرُوجُهُ
مِنَ الدُّنْيَا
r
وَلَوْ كَانَتِ الصَّلاَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا عُقْبَةُ بْنُ
عَامِرٍ كَالصَّلاَةِ عَلَى الْمَوْتَى سَوَاءً لَلَزِمَ مَنْ قَالَ بِهَذَا
جَوَازُ الصَّلاَةِ عَلَى الْقَبْرِ وَلَوْ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ ، لأَنَّ
أُحُدًا كَانَتْ سَنَةَ ثَلاَثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَخُرُوجُهُ
r حَيْثُ صَلَّى عَلَيْهِمْ قُرْبَ خُرُوجِهِ مِنَ
الدُّنْيَا
r بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ بِسَبْعِ سِنِينَ ،
فَلَمَّا وَافَقْنَا مَنِ احْتَجَّ بِهَذَا الْخَبَرِ عَلَى أَنَّ الصَّلاَةَ
عَلَى الْقُبُورِ غَيْرُ جَائِزَةٍ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ ، صَحَّ أَنَّ تِلْكَ
الصَّلاَةَ كَانَتْ دُعَاءً لاَ الصَّلاَةَ عَلَى الْمَوْتَى ، سَوَاءً ضِدَّ
قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ يَرْوُونَ مَا لاَ يَعْقِلُونَ ،
وَيَتَكَلَّمُونَ بِمَا لاَ يَفْهَمُونَ ، وَيَرَوُونَ الْمُتَضَادَّ مِنَ
الأَخْبَارِ.







[19] - انظر الخصائص الكبرى للسيوطي (2/ 336).






[20] - انظر بدآية السول (ص 35).






[21] - انظر تفسير ابن كثير (4/ 198).






[22] - التفسير الميسر - (9 / 198)






[23] - التفسير الميسر - (11 / 3)






[24] - المسند الجامع - (3 / 100) (16429) وصحيح
البخارى- المكنز - (7410 )







[25] - صحيح البخارى- المكنز - (4712 ) -نهس : قبض
على اللحم وانتزعه بمقدم الأسنان







[26] - صحيح البخارى- المكنز - (4837 )






[27] - كشف الأستار - (3 / 147) (2442) صحيح






[28] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (7 / 718)(23336)
23725- حسن
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

تابع

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين مارس 15, 2010 12:26 pm

13- كتاب خالد محفوظ :


أعطى اللّه- تبارك وتعالى- كلّ نبيّ من
الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام من الآيات والمعجزات الدّالّة على صدقه وصحّة ما
جاء به عن ربّه ما فيه كفاية وحجّة لقومه الّذين بعث إليهم، وهذه المعجزات كانت
وقتيّة انقرض زمانها في حياتهم ولم يبق منها إلّا الخبر عنها.



وأمّا نبيّناr فكانت معجزته العظمى الّتي اختصّ بها
دون غيره هي القرآن العظيم. الحجّة المستمرّة الدّائمة القائمة في زمانه وبعده إلى
يوم القيامة. كتاب خالد لا ينضب معينه ولا تنقضي عجائبه ولا تنتهي فوائده محفوظ
بحفظ اللّه من التّغيير والتّبديل والتّحريف.



قال العزّ بن عبد السّلام- رحمه اللّه-:
«ومن خصائصه أنّ معجزة كلّ نبيّ تصرّمت وانقرضت ومعجزة سيّد الأوّلين والآخرين وهي
القرآن العظيم باقية إلى يوم الدّين»[2].



وقال: ... ومنها حفظ كتابه، فلو اجتمع
الأوّلون والآخرون على أن يزيدوا فيه كلمة أو ينقصوا منه لعجزوا عن ذلك، ولا يخفى
ما وقع من التّبديل في التّوراة والإنجيل» [3]



ومن أدلّة هذه الخصوصيّة:


قول اللّه تعالى: {إِنَّا نَحْنُ
نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (9) سورة الحجر.



وننظر نحن اليوم من وراء القرون إلى وعد
اللّه الحق بحفظ هذا الذكر فنرى فيه المعجزة الشاهدة بربانية هذا الكتاب - إلى
جانب غيرها من الشواهد الكثيرة - ونرى أن الأحوال والظروف والملابسات والعوامل
التي تقلبت على هذا الكتاب في خلال هذه القرون ما كان يمكن أن تتركه مصونا محفوظا
لا تتبدل فيه كلمة ، ولا تحرف فيه جملة ، لولا أن هنالك قدرة خارجة عن إرادة البشر
، أكبر من الأحوال والظروف والملابسات والعوامل ، تحفظ هذا الكتاب من التغيير
والتبديل ، وتصونه من العبث والتحريف.



لقد جاء على هذا القرآن زمان في أيام
الفتن الأولى كثرت فيه الفرق ، وكثر فيه النزاع ، وطمت فيه الفتن ، وتماوجت فيه
الأحداث. وراحت كل فرقة تبحث لها عن سند في هذا القرآن وفي حديث رسول اللّه -
r- ودخل في هذه الفتن وساقها أعداء هذا الدين الأصلاء من اليهود -
خاصة - ثم من «القوميين» دعاة «القومية» الذين تسمّوا بالشعوبيين! ولقد أدخلت هذه
الفرق على حديث رسول اللّه -
r- ما احتاج إلى
جهد عشرات العلماء الأتقياء الأذكياء عشرات من السنين لتحرير سنة رسول اللّه -
r- وغربلتها وتنقيتها من كل دخيل عليها من كيد أولئك الكائدين لهذا
الدين.



كما استطاعت هذه الفرق في تلك الفتن أن
تؤول معاني النصوص القرآنية ، وأن تحاول أن تلوي هذه النصوص لتشهد لها بما تريد
تقريره من الأحكام والاتجاهات ..



ولكنها عجزت جميعا - وفي أشد أوقات
الفتن حلوكة واضطرابا - أن تحدث حدثا واحدا في نصوص هذا الكتاب المحفوظ وبقيت
نصوصه كما أنزلها اللّه حجة باقية على كل محرف وكل مؤول وحجة باقية كذلك على
ربانية هذا الذكر المحفوظ.



ثم جاء على المسلمين زمان - ما نزال نعانيه
- ضعفوا فيه عن حماية أنفسهم ، وعن حماية عقيدتهم ، وعن حماية نظامهم ، وعن حماية
أرضهم ، وعن حماية أعراضهم وأموالهم وأخلاقهم. وحتى عن حماية عقولهم وإدراكهم!
وغيّر عليهم أعداؤهم الغالبون كل معروف عندهم ، وأحلوا مكانه كل منكر فيهم .. كل
منكر من العقائد والتصورات ، ومن القيم والموازين ، ومن الأخلاق والعادات. ومن
الأنظمة والقوانين .. وزينوا لهم الانحلال والفساد والتوقح والتعري من كل خصائص
«الإنسان» وردوهم إلى حياة كحياة الحيوان .. وأحيانا إلى حياة يشمئز منها الحيوان
.. ووضعوا لهم ذلك الشر كله تحت عنوانات براقة من «التقدم» و«التطور» و«العلمانية»
و«العلمية» و«الانطلاق» و«التحرر» و«تحطيم الأغلال» و«الثورية» و«التجديد» ... إلى
آخر تلك الشعارات والعناوين .. وأصبح «المسلمون» بالأسماء وحدها مسلمين. ليس لهم
من هذا الدين قليل ولا كثير.وباتوا غثاء كغثاء السيل لا يمنع ولا يدفع ، ولا يصلح
لشيء إلا أن يكون وقودا للنار .. وهو وقود هزيل! ..



ولكن أعداء هذا الدين - بعد هذا كله -
لم يستطيعوا تبديل نصوص هذا الكتاب ولا تحريفها. ولم يكونوا في هذا من الزاهدين.
فلقد كانوا أحرص الناس على بلوغ هذا الهدف لو كان يبلغ ، وعلى نيل هذه الأمنية لو
كانت تنال! ولقد بذل أعداء هذا الدين - وفي مقدمتهم اليهود - رصيدهم من تجارب
أربعة آلاف سنة أو تزيد في الكيد لدين اللّه. وقدروا على أشياء كثيرة .. قدروا على
الدس في سنة رسول اللّه -
r- وعلى تاريخ
الأمة المسلمة. وقدروا على تزوير الأحداث ودس الأشخاص في جسم المجتمع المسلم
ليؤدوا الأدوار التي يعجزون عن أدائها وهم سافرون. وقدروا على تحطيم الدول
والمجتمعات والأنظمة والقوانين.



وقدروا على تقديم عملائهم الخونة في
صورة الأبطال الأمجاد ليقوموا لهم بأعمال الهدم والتدمير في أجسام المجتمعات
الإسلامية على مدار القرون ، وبخاصة في العصر الحديث ..ولكنهم لم يقدروا على شيء
واحد - والظروف الظاهرية كلها مهيأة له - .. لم يقدروا على إحداث شيء في هذا
الكتاب المحفوظ ، الذي لا حماية له من أهله المنتسبين إليه وهم بعد أن نبذوه وراء
ظهورهم غثاء كغثاء السيل لا يدفع ولا يمنع فدل هذا مرة أخرى على ربانية هذا الكتاب
، وشهدت هذه المعجزة الباهرة بأنه حقا تنزيل من عزيز حكيم.



لقد كان هذا الوعد على عهد رسول اللّه -r- مجرد وعد. أما هو اليوم - من وراء كل تلك الأحداث الضخام ومن
وراء كل تلك القرون الطوال. فهو المعجزة الشاهدة بربانية هذا الكتاب ، والتي لا
يماري فيها إلا عنيد جهول : «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ، وَإِنَّا لَهُ
لَحافِظُونَ» .. وصدق اللّه العظيم ..[4]



وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ
الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ
حَمِيدٍ (42) }[فصلت : 41 ، 42].



وَالذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ
القُرْآنِيَةِ ، والقْرآنُ كِتَابٌ عَزِيزٌ قَوِيٌّ مَنِيعُ الجَانِبِ ،
سَيُلاَقُونَ جَزَاءَ كُفْرِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ ، وَهُمْ لاَ يَخْفَوْنَ
عَلَى اللهِ .



وَالقُرْآنُ الكِتَابُ العَزِيزُ ،
لَيْسَ لِلْبَاطِلِ إِلَيهِ سَبِيلٌ لأَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ رَبِّ
العَالِمِينَ ، وَمَا كَانَ مُنَزَّلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ فَلاَ تَصِلُ إِلَيهِ
أَيْدِي المُبْطِلِينَ { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ } واللهُ تَعَالَى حَكِيمٌ فِي قَوْلِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ
وَفِعْلِهِ ، مَحْمُودٌ فِي جَمِيعِ مَا يَأْمُُرُ بِهِ ، وَمَا يَنْهَى عَنْهُ .[5]



وقوله تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ
الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ
بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} (88) سورة الإسراء.



وَقُلْ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ
مُتَحَدِّياً لَهُمْ : القُرْآنُ كَلاَمُ اللهِ ، وَلاَ يَمْلِكُ البَشَرُ
مُحَاكَاتَهُ ، وَلاَ يَمْلِكُ الإنْسَ وَالجِنُّ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ ،
وَلَوْ تَظَاهَرُوا وَتَعَاوَنُوا فِي ذَلِكَ . فَالقُرْآنُ لَيْسَ أَلْفَاظاً
وَعِبَارَاتٍ يَسْتَطِيعُ المَخْلُوقُونَ مُحَاكَاتَهَا ، وَإِنَّمَا هُوَ
كَسَائِرِ مَا يُبْدِعُهُ اللهُ ، يَعْجَزُ المَخْلُوقُونَ عَنْ صُنْعِهِ ،
وَمُحَاكَاتِهِ .[6]



فهذا القرآن ليس ألفاظا وعبارات يحاول
الإنس والجن أن يحاكوها. إنما هو كسائر ما يبدعه اللّه يعجز المخلوقون أن يصنعوه.
هو كالروح من أمر اللّه لا يدرك الخلق سره الشامل الكامل ، وإن أدركوا بعض أوصافه
وخصائصه وآثاره.



والقرآن بعد ذلك منهج حياة كامل. منهج
ملحوظ فيه نواميس الفطرة التي تصرف النفس البشرية في كل أطوارها وأحوالها ، والتي
تصرف الجماعات الإنسانية في كل ظروفها وأطوارها. ومن ثم فهو يعالج النفس المفردة ،
ويعالج الجماعة المتشابكة ، بالقوانين الملائمة للفطرة المتغلغلة في وشائجها ودروبها
ومنحنياتها الكثيرة.



يعالجها علاجا متكاملا متناسق الخطوات
في كل جانب ، في الوقت الواحد ، فلا يغيب عن حسابه احتمال من الاحتمالات الكثيرة
ولا ملابسة من الملابسات المتعارضة في حياة الفرد وحياة الجماعة. لأن مشرع هذه
القوانين هو العليم بالفطرة في كل أحوالها وملابساتها المتشابكة.



أما النظم البشرية فهي متأثرة بقصور
الإنسان وملابسات حياته. ومن ثم فهي تقصر عن الإحاطة بجميع الاحتمالات في الوقت
الواحد وقد تعالج ظاهرة فردية أو اجتماعية بدواء يؤدي بدوره إلى بروز ظاهرة أخرى
تحتاج إلى علاج جديد! إن إعجاز القرآن أبعد مدى من إعجاز نظمه ومعانيه ، وعجز
الإنس والجن عن الإتيان بمثله هو عجز كذلك عن إبداع منهج كمنهجه يحيط بما يحيط به.
«وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى
أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً. وَقالُوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى
تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ
وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ -
كَما زَعَمْتَ - عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ
قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ.
وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ ...».



وهكذا قصر إدراكهم عن التطلع إلى آفاق
الإعجاز القرآنية ، فراحوا يطلبون تلك الخوارق المادية ، ويتعنتون في اقتراحاتهم
الدالة على الطفولة العقلية ، أو يتبجحون في حق الذات الإلهية بلا أدب ولا تحرج ..



لم ينفعهم تصريف القرآن للأمثال
والتنويع فيها لعرض حقائقه في أساليب شتى تناسب شتى العقول والمشاعر ، وشتى
الأجيال والأطوار. «فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً» وعلقوا إيمانهم
بالرسول -
r- بأن يفجر لهم من
الأرض ينبوعا! أو بأن تكون له جنة من نخيل وعنب يفجر الأنهار خلالها تفجيرا! أو أن
يأخذهم بعذاب من السماء ، فيسقطها عليهم قطعا كما أنذرهم أن يكون ذلك يوم القيامة!
أو أن يأتي باللّه والملائكة قبيلا يناصره ويدفع عنه كما يفعلون هم في قبائلهم! أو
أن يكون له بيت من المعادن الثمينة. أو أن يرقى في السماء. ولا يكفي أن يعرج إليها
وهم ينظرونه ، بل لا بد أن يعود إليهم ومعه كتاب محبر يقرأونه! وتبدو طفولة
الإدراك والتصور ، كما يبدو التعنت في هذه المقترحات الساذجة. وهم يسوون بين البيت
المزخرف والعروج إلى السماء! أو بين تفجير الينبوع من الأرض ومجيء اللّه - سبحانه
- والملائكة قبيلا! والذي يجمع في تصورهم بين هذه المقترحات كلها هو أنها خوارق.
فإذا جاءهم بها نظروا في الإيمان له والتصديق به! وغفلوا عن الخارقة الباقية في
القرآن ، وهم يعجزون عن الإتيان بمثله في نظمه ومعناه ومنهجه ، ولكنهم لا يلتمسون
هذا الإعجاز بحواسهم فيطلبون ما تدركه الحواس! والخارقة ليست من صنع الرسول ، ولا
هي من شأنه ، إنما هي من أمر اللّه سبحانه وفق تقديره وحكمته. وليس من شأن الرسول
أن يطلبها إذا لم يعطه اللّه إياها. فأدب الرسالة وإدراك حكمة اللّه في تدبيره
يمنعان الرسول أن يقترح على ربه ما لم يصرح له به .. «قُلْ : سُبْحانَ رَبِّي هَلْ
كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا» يقف عند حدود بشريته ، ويعمل وفق تكاليف رسالته ،
لا يقترح على اللّه ولا يتزيد فيما كلفه إياه.[7]



عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ
النَّبِىُّ -
r- « مَا مِنَ
الأَنْبِيَاءِ نَبِىٌّ إِلاَّ أُعْطِىَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ ،
وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِى أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَىَّ فَأَرْجُو
أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ » [8].



ووجه الدّلالة في الحديث يبيّنه الحافظ
ابن حجر بقوله: رتّب
r هذا الكلام (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا
يوم القيامة) على ما تقدّم من معجزة القرآن المستمرّة لكثرة فائدته وعموم نفعه،
لاشتماله على الدّعوة والحجّة والإخبار بما سيكون، فعمّ نفعه من حضر ومن غاب ومن
وجد ومن سيوجد، فحسن ترتيب الرّجوى المذكورة على ذلك وهذه الرّجوى قد تحقّقت،
فإنّه أكثر الأنبياء تبعا»[9].



وعَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ :
وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا
مِنْ خَلْفِهِ قَالَ : حَفِظَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ , فَلَا يَزِيدُ فِيهِ
بَاطِلًا وَلَا يُنْقِصُ مِنْهُ حَقًّا ، ثُمَّ قَرَأَ : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ قَالَ : هَذِهِ نَظِيرَتُهَا "[10]



وعن الْحَسَنِ بْنِ فَهْمٍ قَالَ :
سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ يَقُولُ : " كَانَ لِلْمَأْمُونِ وَهُوَ
أَمِيرٌ إِذْ ذَاكَ مَجْلِسُ نَظَرٍ ، فَدَخَلَ فِي مَجْلِسِ النَّاسِ رَجُلٌ
يَهُودِيٌّ حَسَنُ الثَّوْبِ حَسَنُ الْوَجْهِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ قَالَ
فَتَكَلَّمَ فَأَحْسَنَ الْكَلَامَ الْعِبَارَةَ قَالَ : فَلَمَّا أَنْ تَقَوَّضَ
الْمَجْلِسُ ، دَعَاهُ الْمَأْمُونُ فَقَالَ لَهُ : إِسْرَائِيلِيٌّ ؟ قَالَ :
نَعَمْ قَالَ لَهُ : أَسْلِمْ حَتَّى أَفْعَلَ بِكَ وَأَصْنَعَ ، وَوَعَدَهُ
فَقَالَ : دِينِي وَدِينُ آبَائِي ، فَانْصَرَفَ ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَنَةٍ
جَاءَنَا مُسْلِمًا قَالَ : فَتَكَلَّمَ عَلَى الْفِقْهِ ، فَأَحْسَنَ الْكَلَامَ
. فَلَمَّا أَنْ تَقَوَّضَ الْمَجْلِسُ دَعَاهُ الْمَأْمُونُ فَقَالَ لَهُ :
أَلَسْتَ صَاحِبَنَا بِالْأَمْسِ ؟ قَالَ لَهُ : بَلَى ، قَالَ : فَمَا كَانَ
سَبَبُ إِسْلَامِكَ ؟ قَالَ : انْصَرَفْتُ مِنْ حَضْرَتِكَ فَأَحْبَبْتُ أَنْ
أَمْتَحِنَ هَذِهِ الْأَدْيَانَ ، وَأَنَا مَعَ مَا تَرَانِي حَسَنُ الْخَطِّ ,
فَعَمَدْتُ إِلَى التَّوْرَاةِ . فَكَتَبْتُ ثَلَاثَ نُسَخٍ فَزِدْتُ فِيهَا
وَنَقَصْتُ ، وَأَدْخَلْتُهَا الْكَنِيسَةَ فَاشْتُرِيَتْ مِنِّي ، وَعَمَدْتُ
إِلَى الْإِنْجِيلِ , فَكَتَبْتُ ثَلَاثَ نَسْخٍ فَزِدْتُ فِيهَا وَنَقَصْتُ ,
وَأَدْخَلْتُهَا الْبَيْعَةَ فَاشْتُرِيَتْ مِنِّي ، وَعَمَدْتُ إِلَى الْقُرْآنِ
فَعَمِلْتُ ثَلَاثَ نَسْخٍ ، وَزِدْتُ فِيهَا وَنَقَصْتُ , وَأَدْخَلْتُهَا إِلَى
الْوَرَّاقِينَ ، فَتَصَفَّحُوهَا ، فَلَمَّا أَنْ وَجَدُوا فِيهَا الزِّيَادَةَ
وَالنُّقْصَانَ ، رَمَوْا بِهَا فَلَمْ يَشْتَرُوهَا فَعَلِمْتُ أَنَّ هَذَا
كِتَابٌ مَحْفُوظٌ ، فَكَانَ هَذَا سَبَبُ إِسْلَامِي " قَالَ يَحْيَى بْنُ
أَكْثَمَ : " فَحَجَجْتُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ ، فَلَقِيتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ
, فَذَكَرْتُ لَهُ الْحَدِيثَ فَقَالَ لِي : مِصْدَاقُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ
عَزَّ وَجَلَّ , قَالَ : قُلْتُ : فِي أَيِّ مَوْضِعٍ ؟ قَالَ : فِي قَوْلِ
اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ
كِتَابِ اللَّهِ فَجَعَلَ حِفْظَهُ إِلَيْهِمْ فَضَاعَ , وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ فَحَفِظَهُ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا فَلَمْ يَضِعْ " قُلْتُ : وَفِي الْكِتَابِ
ثُمَّ فِي أَخْبَارِ السَّلَفِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأُمَمَ السَّالِفَةَ
كَانُوا إِذَا غَيَّرُوا شَيْئًا مِنْ أَدْيَانِهِمْ غَيَّرُوهُ أَوَّلًا مِنْ
كُتُبِهِمْ وَاعْتَقَدُوا خِلَافَهُ بِقُلُوبِهِمْ ، ثُمَّ أَتْبَعُوا
أَهْوَاءَهُمْ ، أَقْوَالَهُمْ وَأَفْعَالَهُمْ . وَفِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْ
حَفِظَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ كِتَابَهُ ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ
r
، وَثَبَّتَهُمْ عَلَى عَقَائِدِهِمْ ، حَتَّى
لَا يُغَيِّرُوا شَيْئًا مِنْهَا ، وَإِنْ كَانَ فِعْلًا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ
بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَفْلَةٍ خِلَافَهَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى حِفْظِ دِينِهِ
، وَعَلَى مَا هَدَانَا لِمَعْرِفَتِهِ , وَنَسْأَلُهُ الثَّبَاتَ إِلَى
الْمَمَاتِ ، وَالْمَغْفِرَةَ يَوْمَ تُحْشَرُ الْأَمْوَاتُ , إِلَهٌ سُمَيْعُ
الدُّعَاءِ ، فَعَّالٌ لِمَا يَشَاءُ ، وَالصَّلَاةُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ
وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ "[11]



================
[1] - انظر الفصول: (ص 287)، وخصائص أفضل المخلوقين
(ص 398)، والخصائص الكبرى (2/ 315- 318).

[2] - غاية السول
في تفضيل الرسول (ص 39).

[3] - نفس المرجع السابق (ص 70).
[4] - فى
ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2127)

[5] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 4138)
[6] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 2118)
[7] - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2249)
[8] - صحيح البخارى- المكنز - (4981 ) وصحيح مسلم-
المكنز - (402 )

[9] - فتح
الباري (8/ 623) بتصرف يسير.

[10] - دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ(3086
) صحيح

[11] - دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ
(3087)
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

تابع

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين مارس 15, 2010 12:40 pm

14- الإسراء والمعراج :


وممّا اختصّ به رسول اللّهr
عن غيره من الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام
معجزة الإسراء والمعراج.



فقد أسري بهr ببدنه وروحه يقظة من المسجد الحرام
بمكّة المكرّمة إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس بإيلياء في جنح اللّيل، ثمّ عرج
به إلى سدرة المنتهى ثمّ إلى حيث شاء اللّه عزّ وجلّ ورجع مكّة من ليلته.



وأكرمr في هذه الآية العظيمة بكرامات كثيرة،
منها: تكليمه ربّه عزّ وجلّ، وفرض الصّلوات عليه، وما رأى من آيات ربّه الكبرى،
وإمامته للأنبياء في بيت المقدس. فدلّ ذلك على أنّه هو الإمام الأعظم والرّئيس
المقدّم صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين».



وقد ثبت الإسراء بالقرآن، كما ثبت
المعراج بالمتواتر من الحديث، وإليه أشار القرآن. قال اللّه تعالى{سُبْحَانَ
الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى
الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (1) سورة الإسراء.



يمجِّد الله نفسه ويعظم شأنه، لقدرته
على ما لا يقدر عليه أحد سواه، لا إله غيره، ولا رب سواه، فهو الذي أسرى بعبده
محمد
rزمنًا
من الليل بجسده وروحه، يقظة لا منامًا، من المسجد الحرام بـ "مكة" إلى
المسجد الأقصى بـ "بيت المقدس" الذي بارك الله حوله في الزروع والثمار
وغير ذلك، وجعله محلا لكثير من الأنبياء؛ ليشاهد عجائب قدرة الله وأدلة وحدانيته.
إن الله سبحانه وتعالى هو السميع لجميع الأصوات، البصير بكل مُبْصَر، فيعطي كُلا
ما يستحقه في الدنيا والآخرة.[2]



وقال تعالى: { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ
الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5)
ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا
فَتَدَلَّى (Cool فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى
عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ
عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ
الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ
مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ
رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)} [النجم : 3 - 18]



أقسم الله تعالى بالنجوم إذا غابت، ما
حاد محمد
rعن
طريق الهداية والحق، وما خرج عن الرشاد، بل هو في غاية الاستقامة والاعتدال
والسداد، وليس نطقه صادرًا عن هوى نفسه. ما القرآن وما السنة إلا وحي من الله إلى
نبيه محمد
r .


علَّم محمدًاrمَلَك
شديد القوة، ذو منظر حسن، وهو جبريل عليه السلام، الذي ظهر واستوى على صورته
الحقيقية للرسول
rفي
الأفق الأعلى، وهو أفق الشمس عند مطلعها، ثم دنا جبريل من الرسول
r
، فزاد في القرب، فكان دنوُّه مقدار قوسين أو
أقرب من ذلك. فأوحى الله سبحانه وتعالى إلى عبده محمد
rما
أوحى بواسطة جبريل عليه السلام. ما كذب قلب محمد
rما
رآه بصره.



أتُكذِّبون محمدًاr ، فتجادلونه على ما يراه ويشاهده من
آيات ربه؟ ولقد رأى محمد
rجبريل
على صورته الحقيقية مرة أخرى عند سدرة المنتهى- شجرة نَبْق- وهي في السماء
السابعة، ينتهي إليها ما يُعْرَج به من الأرض، وينتهي إليها ما يُهْبَط به من
فوقها، عندها جنة المأوى التي وُعِد بها المتقون. إذ يغشى السدرة من أمر الله شيء
عظيم، لا يعلم وصفه إلا الله عز وجل. وكان النبي
rعلى
صفة عظيمة من الثبات والطاعة، فما مال بصره يمينًا ولا شمالا ولا جاوز ما أُمِر
برؤيته. لقد رأى محمد
rليلة
المعراج من آيات ربه الكبرى الدالة على قدرة الله وعظمته من الجنة والنار وغير
ذلك.[3]



وعَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ، أَنَّ
نَبِيَّ اللهِ
r حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ
بِهِ ، قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ وَرُبَّمَا قَالَ : فِي الْحِجْرِ
إِذْ أَتَانِي آتٍ ، فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ فَقُلْتُ
لِلْجَارُودِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِي : مَا يَعْنِي بِهِ ؟ قَالَ : مِنْ ثُغْرَةِ
نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي ، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ
ذَهَبٍ مَمْلُوءًا إِيمَانًا وَحِكْمَةً ، فَغُسِلَ قَلْبِي ، ثُمَّ حُشِيَ ،
ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَبْيَضَ ، فَقَالَ
لَهُ الْجَارُودُ : هُوَ الْبُرَاقُ يَا أَبَا حَمْزَةَ ؟ قَالَ أَنَسٌ : نَعَمْ ،
يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ ، فَانْطَلَقَ بِي
جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا ، فَاسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ : مَنْ
هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ ، قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ
r
، قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ :
نَعَمْ ، قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، فَفُتِحَ.فَلَمَّا
خَلَصْتُ إِذَا فِيهَا آدَمُ ، فَقَالَ : هَذَا أَبُوكَ آدَمُ ، فَسَلَّمَ
عَلَيْهِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ السَّلاَمَ ثُمَّ قَالَ : مَرْحَبًا
بِالاِبْنِ الصَّالِحِ ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى
السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ ، فَاسْتَفْتَحَ ، قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ :
جِبْرِيلُ ، قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ ، قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ
إِلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ،
فَفُتِحَ ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يَحْيَى وَعِيسَى وَهُمَا ابْنَا خَالَةٍ ،
قَالَ : هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا ، فَسَلَّمْتُ ، فَرَدَّا
ثُمَّ قَالاَ : مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ
صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ ، قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟
قَالَ : جِبْرِيلُ ، قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ
r
، قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ :
نَعَمْ , قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، فَفُتِحَ ,
فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ ، قَالَ : هَذَا يُوسُفُ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ،
فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ : مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ ، وَالنَّبِيِّ
الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ ،
فَاسْتَفْتَحَ ، قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ. قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟
قَالَ : مُحَمَّدٌ
r ، قِيلَ : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ
؟ قَالَ نَعَمْ ، قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، فَفُتِحَ
، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا إِدْرِيسُ ، قَالَ هَذَا إِدْرِيسُ ، فَسَلَّمَ
عَلَيْهِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ : مَرْحَبًا بِالأَخِ
الصَّالِحِ ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ
الْخَامِسَةَ ، فَاسْتَفْتَحَ ، قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ قِيلَ :
وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ
r ، قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟
قَالَ : نَعَمْ ، قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، فَفُتِحَ
, فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا هَارُونُ ، قَالَ : هَذَا هَارُونُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ
، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ السَّلاَمَ ثُمَّ قَالَ : مَرْحَبًا بِالأَخِ
الصَّالِحِ ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ
السَّادِسَةَ ، فَاسْتَفْتَحَ ، قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ ، قِيلَ :
وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ
r ، قِيلَ : أَوَ قَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ
؟ قَالَ : نَعَمْ ، قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ،
فَفُتِحَ , فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا مُوسَى ، قَالَ : هَذَا مُوسَى ، فَسَلَّمَ
عَلَيْهِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ السَّلاَمَ ، ثُمَّ قَالَ : مَرْحَبًا
بِالأَخِ الصَّالِحِ ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ، فَلَمَّا تَجَاوَزْتُ بَكَى ،
قِيلَ لَهُ : مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ : أَبْكِي لأَنَّ غُلاَمًا بُعِثَ بَعْدِي
يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي.
ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّابِعَةَ ، فَاسْتَفْتَحَ ، قِيلَ :
مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ
r
، قِيلَ : وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ :
نَعَمْ ، قِيلَ : مَرْحَبًا بِهِ ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، فَفُتِحَ ،
فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا إِبْرَاهِيمُ ، قَالَ : هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ ،
فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرَدَّ السَّلاَمَ ثُمَّ قَالَ :
مَرْحَبًا بِالاِبْنِ الصَّالِحِ ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ رُفِعْتُ إِلَى
سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، فَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلاَلِ هَجَرَ ، وَإِذَا
وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ ، قَالَ : هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى ،
وَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ ، نَهْرَانِ بَاطِنَانِ ، وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ ،
فَقُلْتُ : مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : أَمَّا الْبَاطِنَانِ ، فَنَهَرَانِ
فِي الْجَنَّةِ ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ ، فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ. ثُمَّ رُفِعَ
لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ. قَالَ قَتَادَةُ : وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ
r ، أَنَّهُ رَأَى الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ
، وَيَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، ثُمَّ لاَ يَعُودُونَ
فِيهِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ : ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ
، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ ، وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ ،
فَقَالَ : هَذِهِ الْفِطْرَةُ ، أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ. ثُمَّ فُرِضَتْ
عَلَيَّ الصَّلاَةُ خَمْسِينَ صَلاَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ ، فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ
عَلَى مُوسَى ، فَقَالَ : بِمَ أُمِرْتَ ؟ قَالَ : أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلاَةً
كُلَّ يَوْمٍ ، قَالَ : إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ
يَوْمٍ ، وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ ، وَعَالَجْتُ بَنِي
إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ
لِأُمَّتِكَ ، فَرَجَعْتُ ، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ،
فَقَالَ مِثْلَهُ ، فَرَجَعْتُ ، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا ، فَرَجَعْتُ إِلَى
مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ ، فَرَجَعْتُ ، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا ، فَرَجَعْتُ
إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ ، فَرَجَعْتُ ، فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ
كُلَّ يَوْمٍ ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ، فَقَالَ مِثْلَهُ ، فَرَجَعْتُ ،
فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ، فَقَالَ
: بِمَ أُمِرْتَ ؟ قَالَ : أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ ، قَالَ :
إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ ، وَإِنِّي قَدْ
جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ
الْمُعَالَجَةِ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ ،
قَالَ : قُلْتُ : سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ ، لَكِنِّي أَرْضَى
وَأُسَلِّمُ ، فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَانِي مُنَادٍ : أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي ،
وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي.[4]



وعَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ:
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -
r- قَالَ:
"فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِى وَأَنَا بِمَكَّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ
السَّلام فَفَرَجَ صَدْرِى، ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ
بِطَسْتٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهَا فِى صَدْرِى ثُمَّ
أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِى فَعَرَجَ بِى إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا جَاءَ
السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَافْتَتَحَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ،
قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِى مُحَمَّدٌ، قَالَ: أُرْسِلَ
إِلَيْهِ، قَالَ: نَعَمْ، فَافْتَحْ فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا
إِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، فَإِذَا
نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ تَبَسَّمَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى،
قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِىِّ الصَّالِحِ وَالابْنِ الصَّالِحِ، قَالَ: قُلْتُ
لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلام: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ وَهَذِهِ
الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُة بَنِيهِ فَأَهْلُ الْيَمِينِ
هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِى عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ،
وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى،
قَالَ: ثُمَّ عَرَجَ بِى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَم حَتَّى جَاءَ السَّمَاءَ
الثَّانِيَةَ فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ
خَازِنُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَفَتَحَ لَهُ."[5]



ودليل إمامته بالأنبياء
عليهم الصلاة والسلام:



عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ -
r - « لَقَدْ رَأَيْتُنِى فِى الْحِجْرِ
وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِى عَنْ مَسْرَاىَ فَسَأَلَتْنِى عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ
الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا. فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ
قَالَ فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِى أَنْظُرُ إِلَيْهِ مَا يَسْأَلُونِى عَنْ شَىْءٍ
إِلاَّ أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ وَقَدْ رَأَيْتُنِى فِى جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ
فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّى فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ
رِجَالِ شَنُوءَةَ وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - قَائِمٌ
يُصَلِّى أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِىُّ
وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - قَائِمٌ يُصَلِّى أَشْبَهُ النَّاسِ
بِهِ صَاحِبُكُمْ - يَعْنِى نَفْسَهُ - فَحَانَتِ الصَّلاَةُ فَأَمَمْتُهُمْ
فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلاَةِ قَالَ قَائِلٌ يَا مُحَمَّدُ هَذَا مَالِكٌ
صَاحِبُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِى
بِالسَّلاَمِ ».[6]



================


15- الرسول محمد rمعصوم من الناس


قال
تعالى : {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ
النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) [المائدة/67]



يَأْمُرُ
اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ مُحَمَّداً
rبِأَنْ
يُبَلِّغَ النَّاسَ جَمِيعَ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَيْهِ لَيُبَلِّغَهُمْ
إيَّاهُ ، وَقَدِ امْتَثَلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لأَمْرِ رَبِّهِ .



وَيَقُولُ
تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ
r: فَإِذَا لَمْ تَقُمْ بِمَا أُمِرْتَ بِهِ لاَ تَكُونُ قَدْ
بَلْغَتَ رِسَالَةَ رَبِّكَ . ثُمَّ يَقُولُ اللهُ لِرَسُولِهِ : لاَ تَخَفْ مِنْ
أنْ يَصِلَ إلَيْكَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ بِأَذًى ، فَأَنْتَ فِي حِفْظِ اللهِ
وَرِعَايَتِهِ ، وَهُوَ يَمْنَعُكَ مِنْهُمْ ، وَيَحْفَظُكَ وَيُؤَيِّدُكَ
بِنَصْرِهِ . وَاللهُ هُوَ الذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ،
وَهُوَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ إلَى الطَّرِيقِ السَّوِيِّ .



" إنه
الأمر الجازم الحاسم للرسول -
r- أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه كاملا ، وألا يجعل لأي اعتبار من
الاعتبارات حسابا وهو يصدع بكلمة الحق .. هذا ، وإلا فما بلغ وما أدّى وما قام
بواجب الرسالة .. واللّه يتولى حمايته وعصمته من الناس ، ومن كان اللّه له عاصما
فما ذا يملك له العباد المهازيل! إن كلمة الحق في العقيدة لا ينبغي أن تجمجم! إنها
يجب أن تبلغ كاملة فاصلة وليقل من شاء من المعارضين لها كيف شاء وليفعل من شاء من
أعدائها ما يفعل فإن كلمة الحق في العقيدة لا تملق الأهواء ولا تراعي مواقع
الرغبات إنما تراعي أن تصدع حتى تصل إلى القلوب في قوة وفي نفاذ ..



وكلمة
الحق في العقيدة حين تصدع تصل إلى مكامن القلوب التي يكمن فيها الاستعداد للهدى ..
وحين تجمجم لا تلين لها القلوب التي لا استعداد فيها للإيمان وهي القلوب التي قد
يطمع صاحب الدعوة في أن تستجيب له لو داهنها في بعض الحقيقة! «إِنَّ اللَّهَ لا
يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» ..



وإذن
فلتكن كلمة الحق حاسمة فاصلة كاملة شاملة .. والهدى والضلال إنما مناطهما استعداد
القلوب وتفتحها ، لا المداهنة ولا الملاطفة على حساب كلمة الحق أو في كلمة الحق!
إن القوة والحسم في إلقاء كلمة الحق في العقيدة ، لا يعني الخشونة والفظاظة فقد
أمر اللّه رسوله -
r- أن يدعوا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة - وليس هنالك
تعارض ولا اختلاف بين التوجيهات القرآنية المتعددة - والحكمة والموعظة الحسنة لا
تجافيان الحسم والفصل في بيان كلمة الحق. فالوسيلة والطريقة إلى التبليغ شيء غير
مادة التبليغ وموضوعه. والمطلوب هو عدم المداهنة في بيان كلمة الحق كاملة في
العقيدة ، وعدم اللقاء في منتصف الطرق في الحقيقة ذاتها. فالحقيقة الاعتقادية ليس
فيها أنصاف حلول ..



ومنذ
الأيام الأولى للدعوة كان الرسول -
r- يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة في طريقة التبليغ ، وكان يفاصل
مفاصلة كاملة في العقيدة ، فكان مأمورا أن يقول : «يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ : لا
أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ..» فيصفهم بصفتهم ويفاصلهم في الأمر ، ولا يقبل أنصاف
الحلول التي يعرضونها عليه ، ولا يدهن فيدهنون ، كما يودون! ولا يقول لهم : إنه لا
يطلب إليهم إلا تعديلات خفيفة فيما هم عليه ، بل يقول لهم : إنهم على الباطل المحض
، وإنه على الحق الكامل .. فيصدع بكلمة الحق عالية كاملة فاصلة ، في أسلوب لا
خشونة فيه ولا فظاظة ..



وهذا
النداء ، وهذا التكليف ، في هذه السورة :«يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما
أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ - وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ
- وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ .. إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ
الْكافِرِينَ» ..



يبدو
من السياق - قبل هذا النداء وبعده - أن المقصود به مباشرة هو مواجهة أهل الكتاب
بحقيقة ما هم عليه ، وبحقيقة صفتهم التي يستحقونها بما هم عليه .. ومواجهتهم بأنهم
ليسوا على شيء .. ليسوا على شيء من الدين ولا العقيدة ولا الإيمان .. ذلك أنهم لا
يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ومن ثم فلا شيء مما يدعونه
لأنفسهم من أنهم أهل كتاب وأصحاب عقيدة وأتباع دين :«قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ
لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ
إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ..».



وحينما
كلف الرسول -
r- أن يواجههم بأنهم ليسوا على شيء من الدين والعقيدة والإيمان ..


بل
ليسوا على شيء أصلا يرتكن عليه! حينما كلف الرسول -
r- بمواجهتهم هذه المواجهة الحاسمة الفاصلة ، كانوا يتلون كتبهم
وكانوا يتخذون لأنفسهم صفة اليهودية أو النصرانية وكانوا يقولون :



إنهم
مؤمنون .. ولكن التبليغ الذي كلف رسول اللّه -
r- أن يواجههم به ، لم يعترف لهم بشيء أصلا مما كانوا يزعمون
لأنفسهم ، لأن «الدين» ، ليس كلمات تقال باللسان وليس كتبا تقرأ وترتل وليس صفة
تورث وتدعى. إنما الدين منهج حياة. منهج يشمل العقيدة المستسرة في الضمير ،
والعبادة الممثلة في الشعائر ، والعبادة التي تتمثل في إقامة نظام الحياة كلها على
أساس هذا المنهج .. ولما لم يكن أهل الكتاب يقيمون الدين على قواعده هذه ، فقد كلف
«الرسول» -
r- أن يواجههم بأنهم ليسوا على دين وليسوا على شيء أصلا من هذا
القبيل! وإقامة التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ، مقتضاها الأول الدخول
في دين اللّه الذي جاء به محمد -
r- فقد أخذ اللّه عليهم الميثاق أن يؤمنوا بكل رسول ويعزروه
وينصروه. وصفة محمد وقومه عندهم في التوراة وعندهم في الإنجيل - كما أخبر اللّه
وهو أصدق القائلين - فهم لا يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم :
(سواء كان المقصود بقوله : «وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ» هو القرآن -
كما يقول بعض المفسرين - أو هو الكتب الأخرى التي أنزلت لهم كزبور داود) .. نقول
إنهم لا يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم إلا أن يدخلوا في الدين
الجديد ، الذي يصدق ما بين يديهم ويهيمن عليه .. فهم ليسوا على شي ء - بشهادة
اللّه سبحانه - حتى يدخلوا في الدين الأخير .. والرسول -
r- قد كلف أن يواجههم بهذا القرار الإلهي في شأنهم وأن يبلغهم حقيقة
صفتهم وموقفهم وإلا فما بلغ رسالة ربه ..



ويا
له من تهديد! وكان اللّه - سبحانه - يعلم أن مواجهتهم بهذه الحقيقة الحاسمة ،
وبهذه الكلمة الفاصلة ، ستؤدي إلى أن تزيد كثيرا منهم طغيانا وكفرا ، وعنادا
ولجاجا .. ولكن هذا لم يمنع من أمر الرسول -
r- أن يواجههم بها وألا يأسى على ما يصيبهم من الكفر والطغيان
والضلال والشرود بسبب مواجهتهم بها لأن حكمته - سبحانه - تقتضي أن يصدع بكلمة الحق
وأن تترتب عليها آثارها في نفوس الخلق. فيهتدي من يهتدي عن بينة ، ويضل من يضل عن
بينة ، ويهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة :«وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً
مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً ، فَلا تَأْسَ
عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» ..



وكان
اللّه - سبحانه - يرسم للداعية بهذه التوجيهات منهج الدعوة ويطلعه على حكمة اللّه
في هذا المنهج ويسلي قلبه عما يصيب الذين لا يهتدون ، إذا هاجتهم كلمة الحق
فازدادوا طغيانا وكفرا فهم يستحقون هذا المصير البائس لأن قلوبهم لا تطيق كلمة
الحق ولا خير في أعماقها ولا صدق. فمن حكمة اللّه أن تواجه بكلمة الحق ليظهر ما
كمن فيها وما بطن ولتجهر بالطغيان والكفر ولتستحق جزاء الطغاة والكافرين! ونعود
إلى قضية الولاء والتناصر والتعاون بين المسلمين وأهل الكتاب - على ضوء هذا
التبليغ الذي كلفه رسول اللّه -
r- وعلى ضوء نتائجه التي قدر اللّه أن تكون في زيادة الكثيرين منهم
طغيانا وكفرا .. فماذا نجد ..؟



نجد
أن اللّه - سبحانه - يقرر أن أهل الكتاب ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة
والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم .. وحتى يدخلوا في الدين الأخير تبعا لهذه
الإقامة كما هو بديهي من دعوتهم إلى الإيمان باللّه والنبي. في المواضع الأخرى
المتعددة .. فهم إذن لم يعودوا على «دين اللّه» ولم يعودوا أهل «دين» يقبله اللّه.



ونجد
أن مواجهتهم بهذه الحقيقة قد علم اللّه أنها ستزيد الكثيرين منهم طغيانا وكفرا ..
ومع هذا فقد أمر رسوله أن يواجههم بها دون مواربة. ودون أسى على ما سيصيب الكثيرين
منها! فإذا نحن اعتبرنا كلمة اللّه في هذه القضية هي كلمة الفصل - كما هو الحق
والواقع - لم يبق هنالك موضع لاعتبار أهل الكتاب .. أهل دين .. يستطيع «المسلم» أن
يتناصر معهم فيه للوقوف في وجه الإلحاد والملحدين كما ينادي بعض المخدوعين وبعض
الخادعين! فأهل الكتاب لم يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم حتى
يعتبرهم المسلم «على شي ء» وليس للمسلم أن يقرر غير ما قرره اللّه : «وَما كانَ
لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ
لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ» .. وكلمة اللّه باقية لا تغيرها الملابسات
والظروف! وإذا نحن اعتبرنا كلمة اللّه هي كلمة الفصل - كما هو الحق والواقع - لم
يكن لنا أن نحسب حسابا لأثر المواجهة لأهل الكتاب بهذه الحقيقة ، في هياجهم علينا
، وفي اشتداد حربهم لنا ، ولم يكن لنا أن نحاول كسب مودتهم بالاعتراف لهم بأنهم
على دين نرضاه منهم ونقرهم عليه ، ونتناصر نحن وإياهم لدفع الإلحاد عنه - كما ندفع
الإلحاد عن ديننا الذي هو الدين الوحيد الذي يقبله اللّه من الناس ..



إن
اللّه - سبحانه - لا يوجهنا هذا التوجيه. ولا يقبل منا هذا الاعتراف. ولا يغفر لنا
هذا التناصر. ولا التصور الذي ينبعث التناصر منه. لأننا حينئذ نقرر لأنفسنا غير ما
يقرر ونختار في أمرنا غير ما يختار ونعترف بعقائد محرفة أنها «دين» إلهي ، يجتمع
معنا في آصرة الدين الإلهي .. واللّه يقول : إنهم ليسوا على شي ء ، حتى يقيموا
التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم .. وهم لا يفعلون! والذين يقولون : إنهم
مسلمون - ولا يقيمون ما أنزل إليهم من ربهم - هم كأهل الكتاب هؤلاء. ليسوا على شيء
كذلك. فهذه كلمة اللّه عن أهل أي كتاب لا يقيمونه في نفوسهم وفي حياتهم سواء.
والذي يريد أن يكون مسلما يجب عليه - بعد إقامة كتاب اللّه في نفسه وفي حياته - أن
يواجه الذين لا يقيمونه بأنهم ليسوا على شيء حتى يقيموه. وأن دعواهم أنهم على دين
، يردها عليهم رب الدين. فالمفاصلة في هذا الأمر واجبة ودعوتهم إلى «الإسلام» من
جديد هي واجب «المسلم» الذي أقام كتاب اللّه في نفسه وفي حياته.



فدعوى
الإسلام باللسان أو بالوراثة دعوى لا تفيد إسلاما ، ولا تحقق إيمانا ، ولا تعطي
صاحبها صفة التدين بدين اللّه ، في أي ملة ، وفي أي زمان! وبعد أن يستجيب هؤلاء أو
أولئك ويقيموا كتاب اللّه في حياتهم يملك «المسلم» أن يتناصر معهم في دفع غائلة
الإلحاد والملحدين ، عن «الدين» وعن «المتدينين» .. فأما قبل ذلك فهو عبث وهو
تمييع ، يقوم به خادع أو مخدوع! إن دين اللّه ليس راية ولا شعارا ولا وراثة! إن
دين اللّه حقيقة تتمثل في الضمير وفي الحياة سواء. تتمثل في عقيدة تعمر القلب ،
وشعائر تقام للتعبد ، ونظام يصرف الحياة .. ولا يقوم دين اللّه إلا في هذا الكل المتكامل
ولا يكون الناس على دين اللّه إلا وهذا الكل المتكامل متمثل في نفوسهم وفي حياتهم
.. وكل اعتبار غير هذا الاعتبار تمييع للعقيدة ، وخداع للضمير لا يقدم عليه «مسلم»
نظيف الضمير! وعلى «المسلم» أن يجهر بهذه الحقيقة ويفاصل الناس كلهم على أساسها
ولا عليه مما ينشأ عن هذه المفاصلة. واللّه هو العاصم. واللّه لا يهدي القوم
الكافرين ..



وصاحب
الدعوة لا يكون قد بلغ عن اللّه ولا يكون قد أقام الحجة للّه على الناس ، إلا إذا
أبلغهم حقيقة الدعوة كاملة ووصف لهم ما هم عليه كما هو في حقيقته ، بلا مجاملة ولا
مداهنة .. فهو قد يؤذيهم إن لم يبين لهم أنهم ليسوا على شي ء ، وأن ما هم عليه
باطل كله من أساسه ، وأنه هو يدعوهم إلى شيء آخر تماما غير ما هم عليه .. يدعوهم
إلى نقلة بعيدة ، ورحلة طويلة ، وتغيير أساسي في تصوراتهم وفي أوضاعهم وفي نظامهم
وفي أخلاقهم .. فالناس يجب أن يعرفوا من الداعية أين هم من الحق الذي يدعوهم إليه
.. «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ»
..



وحين
يجمجم صاحب الدعوة ويتمتم ولا يبين عن الفارق الأساسي بين واقع الناس من الباطل
وبين ما يدعوهم إليه من الحق ، وعن الفاصل الحاسم بين حقه وباطلهم .. حين يفعل
صاحب الدعوة هذا - مراعاة للظروف والملابسات ، وحذرا من مواجهة واقع الناس الذي
يملأ عليهم حياتهم وأفكارهم وتصوراتهم - فإنه يكون قد خدعهم وآذاهم ، لأنه لم
يعرّفهم حقيقة المطلوب منهم كله ، وذلك فوق أنه يكون لم يبلغ ما كلفه اللّه
تبليغه! إن التلطف في دعوة الناس إلى اللّه ، ينبغي أن يكون في الأسلوب الذي يبلغ
به الداعية ، لا في الحقيقة التي يبلغهم إياها .. إن الحقيقة يجب أن تبلغ إليهم
كاملة. أما الأسلوب فيتبع المقتضيات القائمة ، ويرتكز على قاعدة الحكمة والموعظة
الحسنة ..



ولقد
ينظر بعضنا اليوم - مثلا - فيرى أن أهل الكتاب هم أصحاب الكثرة العددية وأصحاب
القوة المادية.



وينظر
فيرى أصحاب الوثنيات المختلفة يعدون بمئات الملايين في الأرض ، وهم أصحاب كلمة
مسموعة ، في الشئون الدولية. وينظر فيرى أصحاب المذاهب المادية أصحاب أعداد ضخمة
وأصحاب قوة مدمرة.



وينظر
فيرى الذين يقولون : إنهم مسلمون ليسوا على شيء لأنهم لا يقيمون كتاب اللّه المنزل
إليهم .. فيتعاظمه الأمر ، ويستكثر أن يواجه هذه البشرية الضالة كلها بكلمة الحق
الفاصلة ، ويرى عدم الجدوى في أن يبلغ الجميع أنهم ليسوا على شي ء! وأن يبين لهم
«الدين» الحق! وليس هذا هو الطريق .. إن الجاهلية هي الجاهلية - ولو عمت أهل الأرض
جميعا - وواقع الناس كله ليس بشيء ما لم يقم على دين اللّه الحق ، وواجب صاحب
الدعوة هو واجبه لا تغيره كثرة الضلّال ولا ضخامة الباطل .. فالباطل ركام .. وكما
بدأت الدعوة الأولى بتبليغ أهل الأرض قاطبة : أنهم ليسوا على شيء ..



كذلك
ينبغي أن تستأنف .. وقد استدار الزمان كهيئة يوم بعث اللّه رسوله
rوناداه : «يا أَيُّهَا
الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ - وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ
فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ - وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ. إِنَّ اللَّهَ
لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ. قُلْ : يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى
شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ
مِنْ رَبِّكُمْ».



وينتهي
هذا المقطع بالبيان الأخير عن «الدين» الذي يقبله اللّه من الناس ، أيا كان وصفهم
وعنوانهم وما كانوا عليه قبل بعثة النبي الأخير والذي يلتقي عليه المتفرقون في
الملل والنحل فيما غبر من التاريخ : «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ، وَالَّذِينَ
هادُوا ، وَالصَّابِئُونَ ، وَالنَّصارى .. مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً .. فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» ..



والذين
آمنوا هم المسلمون. والذين هادوا هم اليهود. والصابئون هم في الغالب تلك الفئة
التي تركت عبادة الأوثان قبل بعثة الرسول -
r- وعبدت اللّه وحده على غير نحلة معينة ، ومنهم من العرب أفراد
معدودون. والنصارى هم أتباع المسيح - عليه السّلام.



والآية
تقرر أنه أيا كانت النحلة ، فإن من آمنوا باللّه واليوم الآخر وعملوا صالحا -
ومفهوم ضمنا في هذا الموضع ، وتصريحا في مواضع أخرى أنهم فعلوا ذلك على حسب ما جاء
به الرسول الأخير - فقد نجوا :



«فَلا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» .. ولا عليهم مما كانوا فيه قبل ذلك ولا
مما يحملون من أسماء وعنوانات ..فالمهم هو العنوان الأخير ..



وهذا
الذي نقرر أنه مفهوم من الآية ضمنا يعتبر من «المعلوم من الدين بالضرورة». فمن
بديهيات هذه العقيدة ، أن محمدا -
r- هو خاتم النبيين ، وأنه أرسل إلى البشر كافة ، وأن الناس جميعا -
على اختلاف مللهم ونحلهم وأديانهم واعتقاداتهم وأجناسهم وأوطانهم - مدعوون إلى
الإيمان بما جاء به ، وفق ما جاء به في عمومه وفي تفصيلاته. وأن من لا يؤمن به
رسولا ، ولا يؤمن بما جاء به إجمالا وتفصيلا ، فهو ضال لا يقبل اللّه منه ما كان
عليه من دين قبل هذا الدين ، ولا يدخل في مضمون قوله تعالى : «فَلا خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ».



وهذه
هي الحقيقة الأساسية «المعلومة من الدين بالضرورة» التي لا يجوز للمسلم الحق أن
يجمجم فيها أو يتمتم أمام ضخامة الواقع الجاهلي الذي تعيش فيه البشرية. والتي لا
يجوز للمسلم أن يغفلها في إقامة علاقاته بأهل الأرض قاطبة من أصحاب الملل والنحل.
فلا يحمله ضغط الواقع الجاهلي على اعتبار أحد من أصحاب هذه الملل والنحل على «دين»
يرضاه اللّه ويصلح أن يتناصر معه فيه ويتولاه!



إنما
اللّه هو الولي «وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا
فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ» مهما تكن ظواهر الأمور .. ومن آمن
باللّه واليوم الآخر وعمل صالحا - على أساس هذا الدين الذي هو وحده الدين - فلا
خوف عليهم ولا هم يحزنون .. لا خوف عليهم في الدنيا ولا في الآخرة .. لا خوف عليهم
من قوى الباطل والجاهلية المتراكمة. ولا خوف عليهم من أنفسهم المؤمنة العاملة
الصالحة .. ولا هم يحزنون ..."[7]



================



16-
الرسول
rيرفض الدعاء على قومه


عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِى عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ - رضى الله عنها -
زَوْجَ النَّبِىِّ -
r- حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِىِّ - r- هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ
قَالَ « لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ
مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِى عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ
بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ ، فَلَمْ يُجِبْنِى إِلَى مَا أَرَدْتُ ، فَانْطَلَقْتُ
وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِى ، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلاَّ وَأَنَا بِقَرْنِ
الثَّعَالِبِ ، فَرَفَعْتُ رَأْسِى ، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِى
، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِى فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ
سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ
مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ ، فَنَادَانِى مَلَكُ
الْجِبَالِ ، فَسَلَّمَ عَلَىَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ ، فَقَالَ ذَلِكَ
فِيمَا شِئْتَ ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمِ الأَخْشَبَيْنِ ، فَقَالَ
النَّبِىُّ -
r- بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ
يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا »[8]



وعَنِ
ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ ، أَنَّ عَائِشَةَ ، قَالَتْ لِرَسُولِ
اللهِ
r: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ عَلَيْكَ مِنْ يَوْمِ
أُحُدٍ ؟ قَالَ : لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمَكِ ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ
مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ
بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ ، فَانْطَلَقْتُ
وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي ، فَإِذَا أَنَا
بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ
السَّلاَمُ ، فَنَادَانِي ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ
لَكَ ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكُ الْجِبَالِ
لِتَأْمُرَ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. قَالَ : فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ
عَلَيَّ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ
لَكَ ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ
لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ
، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
r: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ
يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا.[9]



وقَالَ
عَبْدُ اللَّهِ كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى النَّبِىِّ -
r- يَحْكِى نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ
فَأَدْمَوْهُ ، وَهْوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ ، وَيَقُولُ « اللَّهُمَّ
اغْفِرْ لِقَوْمِى فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ » [10].



وعَنْ
سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ
r: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ.


قَالَ
أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يَعْنِي هَذَا الدُّعَاءُ أَنَّهُ ، قَالَ
يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا شُجَّ وَجْهُهُ ، قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي
ذَنْبَهُمْ بِي مِنَ الشَّجِّ لِوَجْهِي ، لاَ أَنَّهُ دُعَاءٌ لِلْكُفَّارِ
بِالْمَغْفِرَةِ ، وَلَوْ دَعَا لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ لَأَسْلَمُوا فِي ذَلِكَ
الْوَقْتِ لاَ مَحَالَةَ.[11]



وعَنْ
أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ
rكُسِرَتْ
رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَشُجَّ وَجْهُهُ حَتَّى سَالَ الدَّمُ عَلَى
وَجْهِهِ ، فَقَالَ : كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ
rوَهُوَ
يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ ، فَنَزَلَتْ : {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ
أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} .[12]



وعَنْ
أَنَسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ
rكَانَ
يَوْمُ أُحُدٍ يَسْلُتُ الدَّمُ عَنْ وَجْهِ ، وَهُوَ يَقُولُ : كَيْفَ يُفْلِحُ
قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ ، وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ
إِلَى اللهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} .[13]



وعَنْ
عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ
rحَكَى نَبِيًّا مِنَ
الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ حَتَّى أَدْمَوْا وَجْهَهُ فَجَعَلَ يَمْسَحُ
الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ ، وَيَقُولُ : رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ
يَعْلَمُونَ.[14]



================
[1] - انظر الشفا للقاضي عياض (1/ 343)، والفصول
لابن كثير (ص 287)، والخصائص الكبرى للسيوطي (1/ 252).

[2] - التفسير الميسر - (4 / 496)
[3] - التفسير الميسر - (9 / 350)
[4] - صحيح ابن حبان - (1 / 236)(48) وصحيح البخارى-
المكنز - ( 3887 )

ثغرة
النحر : الثغرة : النقرة التي بين الترقوتين.

القص
: رأس الصدر، وقيل : وسطه.

سدرة
المنتهى : السدر :شجر معروف، وأما سدرة المنتهى فهي شجرة في أقصى الجنة، إليها
ينتهي علم الأولين والآخرين.


نبقها
مثل قلال هجر : النبق : معروف، أراد : ثمرة سدرة المنتهى، والقلال جمع قلة، وهي
الحب يسع مزادة من الماء، ونسبت إلى هجر لأنها تعرف بها.جامع الأصول في أحاديث
الرسول - (11 / 296)

[5] - غاية المقصد فى زوائد المسند 1 - (1 / 54)
(105 ) صحيح

[6] - صحيح
مسلم- المكنز - (448 )

جعد
: منقبض الشعر غير منبسطه -الضرب : الخفيف اللحم الممشوق المستدق -الكربة : الغم
والهم

[7] - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 938)
[8] - صحيح
البخارى(3231 ) و صحيح مسلم (4754 )

[9] - صحيح ابن حبان - (ج 14 / ص 516) (6561) صحيح
[10] - صحيح البخارى(3477 ) ومسلم (4747 )
[11] - صحيح ابن حبان - (ج 3 / ص 254) (973) صحيح
[12] - صحيح ابن حبان - (ج 14 / ص 536) (6574) صحيح
[13] - صحيح ابن حبان - (ج 14 / ص 536) (6575) صحيح
[14] - صحيح ابن حبان - (ج 14 / ص 538) (6576) صحيح
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

تابع

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين مارس 15, 2010 12:48 pm

17- من استغفر له الرسول غفر الله له


قال
تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ
وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا
(64)[النساء/64]



مِنْ
سُنَّةِ اللهِ فِي رُسُلِهِ أنَّهُ لاَ يُرْسِلُهُمْ إلاَّ لِيُطَاعُوا بِإِذْنِ
اللهِ ، فَمَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِمْ ، أَوْ رَغِبَ عَنْ حُكْمِهِمْ ، خَرَجَ
عَنْ حُكْمِ اللهِ وَسُنَّتِهِ ، وَارْتَكَبَ إثْماً عَظِيماً . وَلًوْ أنَّ
هَؤُلاءِ القَوْمَ ، حِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ، وَرَغِبُوا عَنْ حُكْمِ رَسُولِ
اللهِ إلى حُكْمِ الطَّاغُوتِ ، جَاؤُوا الرَّسُولَ ، عَقِبَ الذَّنْبِ
مُبَاشَرَةً ، فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ ، وَأَظْهَرُوا نَدَمَهُمْ
عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُمْ لِلرَّسُولِ لِيَصْفَحَ عَنْهُمْ ، لاعْتِدَائِهِمْ
عَلَى حَقْهِ ، وَلِيَدْعُوَ لَهُمْ بِالمَغْفِرَةِ ، وَلَوْ أنَّ الرَّسُولَ
دَعَا لَهُمْ بِالمَغْفِرَةِ ، لَتَقَبَّلَ اللهُ تَوْبَتَهُمْ ، وَلَغَمَرَهُمْ
بِفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ ، وَلَشَمِلَهُمْ بِعَفْوِهِ ، فَرَحْمَةُ اللهِ
وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ( وَسَمَّى اللهُ تَعَالَى تَرْكَ طَاعَةِ الرَّسُولِ
ظُلْماً لِلنَّفْسِ أَيْ إِفْسَاداً لَهَا ) .[1]



" وهذه
حقيقة لها وزنها .. إن الرسول ليس مجرد «واعظ» يلقي كلمته ويمضي. لتذهب في الهواء
- بلا سلطان - كما يقول المخادعون عن طبيعة الدين وطبيعة الرسل أو كما يفهم الذين
لا يفهمون مدلول «الدين».



إن
الدين منهج حياة. منهج حياة واقعية. بتشكيلاتها وتنظيماتها ، وأوضاعها ، وقيمها ،
وأخلاقها وآدابها.وعباداتها وشعائرها كذلك. وهذا كله يقضي أن يكون للرسالة سلطان.
سلطان يحقق المنهج ، وتخضع له النفوس خضوع طاعة وتنفيذ ..



واللّه
أرسل رسله ليطاعوا - بإذنه وفي حدود شرعه - في تحقيق منهج الدين. منهج اللّه الذي
أراده لتصريف هذه الحياة. وما من رسول إلا أرسله اللّه ، ليطاع ، بإذن اللّه.
فتكون طاعته طاعة للّه .. ولم يرسل الرسل لمجرد التأثر الوجداني ، والشعائر
التعبدية .. فهذا وهم في فهم الدين لا يستقيم مع حكمة اللّه من إرسال الرسل. وهي
إقامة منهج معين للحياة ، في واقع الحياة .. وإلا فما أهون دنيا كل وظيفة الرسول
فيها أن يقف واعظا. لا يعنيه إلا أن يقول كلمته ويمضي. يستهتر بها المستهترون ،
ويبتذلها المبتذلون!!!



ومن
هنا كان تاريخ الإسلام كما كان .. كان دعوة وبلاغا. ونظاما وحكما. وخلاقة بعد ذلك
عن رسول اللّه -
r- تقوم بقوة الشريعة والنظام ، على تنفيذ الشريعة والنظام. لتحقيق
الطاعة الدائمة للرسول. وتحقيق إرادة اللّه من إرسال الرسول. وليست هنالك صورة
أخرى يقال لها : الإسلام. أو يقال لها : الدين. إلا أن تكون طاعة للرسول ، محققة
في وضع وفي تنظيم. ثم تختلف أشكال هذا الوضع ما تختلف ويبقى أصلها الثابت.
وحقيقتها التي لا توجد بغيرها .. استسلام لمنهج اللّه ، وتحقيق لمنهج رسول اللّه.
وتحاكم إلى شريعة اللّه. وطاعة للرسول فيما بلغ عن اللّه ، وإفراد للّه - سبحانه -
بالألوهية (شهادة أن لا إله إلا اللّه) ومن ثم إفراده بالحاكمية التي تجعل التشريع
ابتداء حقا للّه ، لا يشاركه فيه سواه. وعدم احتكام إلى الطاغوت. في كثير ولا
قليل. والرجوع إلى اللّه والرسول ، فيما لم يرد فيه نص من القضايا المستجدة ،
والأحوال الطارئة حين تختلف فيه العقول ..وأمام الذين «ظلموا أنفسهم» بميلهم عن
هذا المنهج ، الفرصة التي دعا اللّه المنافقين إليها على عهد رسول اللّه ،
r- ورغبهم فيها ..


«وَلَوْ
أَنَّهُمْ - إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ - جاؤُكَ ، فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ ،
وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ، لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً»
..واللّه تواب في كل وقت على من يتوب. واللّه رحيم في كل وقت على من يؤوب. وهو -
سبحانه - يصف نفسه بصفته. ويعد العائدين إليه ، المستغفرين من الذنب ، قبول التوبة
وإفاضة الرحمة .. والذين يتناولهم هذا النص ابتداء ، كان لديهم فرصة استغفار
الرسول -
r- وقد انقضت فرصتها. وبقي باب اللّه مفتوحا لا يغلق. ووعده قائما
لا ينقض. فمن أراد فليقدم. ومن عزم فليتقدم .. "[2]



================



18-
الرسول
rدعوة إبراهيم عليه السلام


قال
تعالى : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ
وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
(127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً
مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ
التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ
يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)[البقرة/127-129]



وَاذْكُرْ
لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ حِينَما كَانَ يَرْفَعُ إِبراهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ
القَوَاعِدَ وَالآسَاسَ مِنَ الكَعْبَةِ ، وَيَدْعُوَانِ رَبَّهُمَا أَنْ
يَتَقَبَّلَ مِنْهُمَا عَمَلَهُمَا ، لأَنَّهُمَا يَقُومَانِ بِعَمَلٍ صَالِحٍ ،
فَهُو تَعَالَى الذِي يَسْمَعُ الدُّعَاءَ ، وَهُوَ الذِي يَعْلَمُ النِّيَاتِ .
فَمَصْدَرُ شَرَفِ الكَعْبَةِ أَنَّها بُنِيَتْ عَلَى اسْمِ اللهِ ، وَلِعبَادَةِ
اللهِ فِي تِلْكَ الأَرْضِ ، التِي تَطْغَى عَلَيهَا الوَثَنِيَّةُ ، لاَ
لأَحْجَارِهَا وَلاَ لِمَوْقِِهَا .



رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُخْلِصَيْنِ لَكَ فِي
العِبَادَةِ ، مُسْتَسْلِمَيْنِ لأَمْرِكَ وَقَضَائِكَ ، خَاضِعَيْنِ لِطَاعَتِكَ
، لاَ نُشْرِكُ مَعَكَ فِي العِبَادَةِ أَحَداً ، وَاجْعَلْ مَنْ ذُرِّيتِنا
أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ تَعْبُدُكَ ، وَلاَ تُشْرِكُ بِكَ شَيْئاً ،
لِيَسْتَمِرَّ الإسْلاَمُ بِقُوّةِ الأُمَّةِ ، وَتَعَاوُنِ الجَمَاعَةِ ،
وَعَلِّمْنا مَنَاسِكَ حَجِّنَا ، وَوَفِّقْنَا لِنَتُوبَ إِليكَ ، وَنَرْجِعَ
إِليكَ مِنَ كُلِّ عَمَلٍ يَشْغَلُنا عَنْكَ ، وَأَنْتَ يَا رَبِّ الكَثِيرُ
التَّوْبِ ، الرَّحيمُ بِالتَّائِبينَ .



وَأَتَمَّ
إِبراهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ ، عَلَيْهِما السَّلامُ ، دَعْوَتَهُمَا لأَهْلِ
الحَرَمِ أَنْ يَبْعَثَ اللهُ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ ( أَيْ مِنْ ذُرِّيَّةِ
إِبراهِيمَ ) يَتْلُو عَلَيهِمْ آياتِ اللهِ ، وَيُعَلِّمُهُمُ القُرآنَ (
الكِتَابَ ) وَيُعَلّمُهُمْ أَسْرَارَ الشَّرِيعَةِ وَمَقَاصِدَهَا بِسِيرَتِهِ
فِي المُسْلِمِينَ ، فَيَكُونُ قُدْوَةً لَهُمْ ( السُّنَّةُ ) وَيُفَقِّهُهُمْ
فِي الدِّينِ ( يُعَلِّمُهُمُ الحِكْمَةَ ( أَيْ إِنَّ الرَّسُولَ يُعَلِّمُهُمُ
الخَيْرَ فَيَفْعَلُونَهُ ، وَيُبَصِّرُهُمْ بِالشَّرِّ فَيَجْتَنِبُونَهُ ،
وَيُخْبِرُهُمْ بِرِضَا اللهِ عَنْهُمْ إِذَا أَطَاعُوهُ ، لِيسْتَكْثِرُوا مِنْ
طَاعَتِهِ ، وَيَجْتَنِبُوا مَا يُسْخِطُهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ ) .



وَخَتَمَا
دَعْوَتَهُمَا بِقُوْلِهِما : إِنَّكَ يَا رَبِّ أَنْتَ العَزيزُ الذِي لاَ
يُعْجِزُهُ شَيءٌ ، القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ ، الحَكِيمُ فِي أَفْعَالِهِ
وَأَقْوالِهِ وَشَرْعِهِ فَيَضَعُ الأَشْيَاءَ فِي مَحَالِّهَا لِعِلْمِهِ
وَحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ .[3]



"
إنَّ نغمة الدعاء ، وموسيقى الدعاء ، وجو الدعاء .. كلها حاضرة كأنها تقع اللحظة
حية شاخصة متحركة ..وتلك إحدى خصائص التعبير القرآني الجميل. رد المشهد الغائب
الذاهب ، حاضرا يسمع ويرى ، ويتحرك ويشخص ، وتفيض منه الحياة .. إنها خصيصة
«التصوير الفني» بمعناه الصادق ، اللائق بالكتاب الخالد.



وماذا في ثنايا الدعاء؟ إنه أدب النبوة ، وإيمان
النبوة ، وشعور النبوة بقيمة العقيدة في هذا الوجود.



وهو
الأدب والإيمان والشعور الذي يريد القرآن أن يعلمه لورثة الأنبياء ، وأن يعمقه في
قلوبهم ومشاعرهم بهذا الإيحاء : «رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا. إِنَّكَ أَنْتَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» ..



إنه
طلب القبول .. هذه هي الغاية .. فهو عمل خالص للّه. الاتجاه به في قنوت وخشوع إلى
اللّه. والغاية المرتجاة من ورائه هي الرضى والقبول .. والرجاء في قبوله متعلق بأن
اللّه سميع للدعاء. عليم بما وراءه من النية والشعور.



«رَبَّنا
وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ.
وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ».إنه
رجاء العون من ربهما في الهداية إلى الإسلام والشعور بأن قلبيهما بين أصبعين من
أصابع الرحمن وأن الهدى هداه ، وأنه لا حول لهما ولا قوة إلا باللّه ، فهما يتجهان
ويرغبان ، واللّه المستعان.ثم هو طابع الأمة المسلمة .. التضامن .. تضامن الأجيال
في العقيدة : «وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ» ..



وهي
دعوة تكشف عن اهتمامات القلب المؤمن. إن أمر العقيدة هو شغله الشاغل ، وهو همه
الأول. وشعور إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - بقيمة النعمة التي أسبغها اللّه
عليهما .. نعمة الإيمان .. تدفعهما إلى الحرص عليها في عقبهما ، وإلى دعاء اللّه
ربهما ألا يحرم ذريتهما هذا الإنعام الذي لا يكافئه إنعام .. لقد دعوا اللّه ربهما
أن يرزق ذريتهما من الثمرات ولم ينسيا أن يدعواه ليرزقهم من الإيمان وأن يريهم
جميعا مناسكهم ، ويبين لهم عباداتهم ، وأن يتوب عليهم. بما أنه هو التواب الرحيم. ثم
ألا يتركهم بلا هداية في أجيالهم البعيدة : «رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا
مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
وَيُزَكِّيهِمْ. إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» ..



وكانت
الاستجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل هي بعثة هذا الرسول الكريم بعد قرون وقرون. بعثة
رسول من ذرية إبراهيم وإسماعيل ، يتلو عليهم آيات ، اللّه ، ويعلمهم الكتاب
والحكمة ويطهرهم من الأرجاس والأدناس.



إن
الدعوة المستجابة تستجاب ، ولكنها تتحقق في أوانها الذي يقدره اللّه بحكمته. غير
أن الناس يستعجلون! وغير الواصلين يملون ويقنطون! وبعد فإن لهذا الدعاء دلالته
ووزنه فيما كان يشجر بين اليهود والجماعة المسلمة من نزاع عنيف متعدد الأطراف.



إن
إبراهيم وإسماعيل اللذين عهد اللّه إليهما برفع قواعد البيت وتطهيره للطائفين
والعاكفين والمصلين ، وهما أصل سادني البيت من قريش .. إنهما يقولان باللسان
الصريح : «رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ» .. «وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا
أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ» .. كما يقولان باللسان الصريح : «رَبَّنا وَابْعَثْ
فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ ، وَيُعَلِّمُهُمُ
الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ» .. وهما بهذا وذاك يقرران وراثة الأمة
المسلمة لإمامة إبراهيم ، ووراثتها للبيت الحرام سواء. وإذن فهو بيتها الذي تتجه
إليه ، وهي أولى به من المشركين. وهو أولى بها من قبلة اليهود والمسيحيين! وإذن
فمن كان يربط ديانته بإبراهيم من اليهود والنصارى ، ويدعي دعاواه العريضة في الهدى
والجنة بسبب تلك الوراثة ، ومن كان يربط نسبه بإسماعيل من قريش .. فليسمع : إن
إبراهيم حين طلب الوراثة لبنيه والإمامة ، قال له ربه : «لا يَنالُ عَهْدِي
الظَّالِمِينَ» .. ولما أن دعا هو لأهل البلد بالرزق والبركة خص بدعوته : «مَنْ
آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» .. وحين قام هو وإسماعيل بأمر
ربهما في بناء البيت وتطهيره كانت دعوتهما : أن يكونا مسلمين للّه ، وأن يجعل
اللّه من ذريتهما أمة مسلمة ، وأن يبعث في أهل بيته رسولا منهم ..



فاستجاب
اللّه لهما ، وأرسل من أهل البيت محمد بن عبد اللّه ، وحقق على يديه الأمة المسلمة
القائمة بأمر اللّه.الوارثة لدين اللّه.



وعند
هذا المقطع من قصة إبراهيم ، يلتقط السياق دلالته وإيحاءه ، ليواجه بهما الذين
ينازعون الأمة المسلمة الإمامة وينازعون الرسول -
r- النبوة والرسالة ويجادلون في حقيقة دين اللّه الأصيلة الصحيحة :
«وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ؟ وَلَقَدِ
اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا ، وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ.
إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ. قالَ : أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ.
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ : يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ
اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» ..



هذه
هي ملة إبراهيم .. الإسلام الخالص الصريح .. لا يرغب عنها وينصرف إلا ظالم لنفسه ،
سفيه عليها ، مستهتر بها .. إبراهيم الذي اصطفاه ربه في الدنيا إماما ، وشهد له في
الآخرة بإصلاح .. اصطفاه «إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ» .. فلم يتلكأ ، ولم
يرتب ، ولم ينحرف ، واستجاب فور تلقي الأمر.



«قالَ
: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» ..هذه هي ملة إبراهيم .. الإسلام الخالص
الصريح .. ولم يكتف إبراهيم بنفسه إنما تركها في عقبه ، وجعلها وصيته في ذريته ،
ووصى بها إبراهيم بنيه كما وصى بها يعقوب بنيه. ويعقوب هو إسرائيل الذي ينتسبون
إليه ، ثم لا يلبون وصيته ، ووصية جده وجدهم إبراهيم! ولقد ذكر كل من إبراهيم
ويعقوب بنيه بنعمة اللّه عليهم في اختياره الدين لهم : «يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ
اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ» ..



فهو
من اختيار اللّه. فلا اختيار لهم بعده ولا اتجاه. وأقل ما توجبه رعاية اللّه لهم ،
وفضل اللّه عليهم ، هو الشكر على نعمة اختياره واصطفائه ، والحرص على ما اختاره لهم
، والاجتهاد في ألا يتركوا هذه الأرض إلا وهذه الأمانة محفوظة فيهم : «فَلا
تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» ..



وها
هي ذي الفرصة سانحة ، فقد جاءهم الرسول الذي يدعوهم إلى الإسلام ، وهو ثمرة الدعوة
التي دعاها أبوهم إبراهيم ..[4]



وعَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ ، صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ
r، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِr، يَقُولُ : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ، وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ ،
وَأَبِي مُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ أَنَا دَعْوَةُ
أَبِي إِبْرَاهِيمَ ، وَبِشَارَةُ عِيسَى ، وَرُؤْيَا أُمِّي آمِنَةَ الَّتِي
رَأَتْ ، وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ ، وَأَنَّ أُمَّ رَسُولِ
اللَّهِ
rرَأَتْ
حِينَ وَضَعَتْهُ لَهُ نُورًا أَضَاءَتْ لَهَا قُصُورُ الشَّامِ ، ثُمَّ تَلا :
يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا
وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا "[5]



وعَنْ
أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَ بُدُوُّ أَمْرِكَ؟
فَقَالَ:"دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى بن مَرْيَمَ، وَرَأَتْ
أُمِّي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ".[6]



================



19-
من صفات الرسول
rبالتوراة


قال
تعالى : {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي
يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ
الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ
وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
(157) [الأعراف/157]



وَيُتَابِعُ
اللهُ تَعَالَى وَصْفَ الذِينَ يَشْمَلُهُمْ بِرَحْمَتِهِ الوَاسِعَةِ فَيَقُولُ :
إِنَّهُمْ الذِينَ يَتَّبِعُونَ مُحَمَّداً النَّبيِّ الأُمِّيَّ ، الذِي لاَ
يَكْتُبُ وَلاَ يَقْرَأُ ، وَقَدْ جَاءَ وَصْفُهُ وَالبِشَارَةُ بِهِ فِي
التَّورَاةِ وَالإِنْجِيلِ ، وَهُوَ يَأْمُرُهُمْ بِفِعْلِ الخَيْرَاتِ ،
وَبِالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ فِعْلِ المُنْكَرِ ، وَيُحِلُّ
لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ، وَيَضَعُ عَنْهُمُ التَّكَالِيفَ
الشَّاقَّةَ ، كَاشْتِرَاطِ قَتْلِ النَّفْسِ فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ ،
وَالقِصَاصِ فِي القَتْلِ العَمْدِ أَوِ الخَطَإِ ، مِنْ غَيْرَ شَرْعٍ لِلدِّيَةِ
، وَقَطْعِ الأَعْضَاءِ الخَاطِئَةِ ، وَقَطْعِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ مِنَ
الثَّوْبِ ، وَتَحْرِيمِ السَّبْتِ . . . فَقَدْ جَاءَ مُحَمَّدٌ بِمَا هُوَ
يُسْرٌ وِسَمَاحَةٌ .



[ وَقَالَ رَسُولُ اللهُ rيُوصِي
أَمِيرِينِ أَرْسَلَهُمَا فِي بَعْثَينِ إِلى اليَمَنِ : " بَشِّرَا وَلاَ
تُنَفِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا ، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا " ] .



وَوَسَّعَ
اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ
rأُمُورَهَا
، وَسَهَّلَهَا لَهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
r: " رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا
اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ " فَالذِينَ آمَنُوا بِالرَّسُولِ النَّبِيِّ
الأُميِّ ، حِينَ بُعِثَ ، مِنْ قَومِ مُوسَى وَعِيسَى ، وَمِنْ كُلِّ أُمَّةٍ ،
وَعَزَّرُوهُ بِأَنْ مَنَعُوهُ وَحَمَوْهُ مِنْ كُلِّ مَنْ يُعَادِيهِ ، مَعَ
التَّعْظِيمِ وَالإِجْلاَلِ ، وَنَصَرُوهُ بِاللِّسَانِ وَاليَدِ ، وَاتَّبَعُوا
النُّورَ الأَعْظَمَ الذِي أُنْزِلَ مَعَ رِسَالَتِهِ ، وَهُوَ القُرآنُ . .
فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ، الفَائِزُونَ بالرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ .[7]



"
إنه لنبأ عظيم ، يشهد بأن بني إسرائيل قد جاءهم الخبر اليقين بالنبي الأمي ، على
يدي نبيهم موسى ونبيهم عيسى - عليهما السلام - منذ أمد بعيد. جاءهم الخبر اليقين
ببعثه ، وبصفاته ، وبمنهج رسالته ، وبخصائص ملته. فهو «النبي الأمي» ، وهو يأمر
الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، وهو يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ،
وهو يضع عمن يؤمنون به من بني إسرائيل الأثقال والأغلال التي علم اللّه أنها ستفرض
عليهم بسبب معصيتهم ، فيرفعها عنهم النبي الأمي حين يؤمنون به. وأتباع هذا النبي
يتقون ربهم ، ويخرجون زكاة أموالهم ، ويؤمنون بآيات اللّه .. وجاءهم الخبر اليقين
بأن الذين يؤمنون بهذا النبي الأمي ويعظمونه ويوقرونه ، وينصرونه ويؤيدونه ،
ويتبعون النور الهادي الذي معه «أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» ..



وبذلك
البلاغ المبكر لبني إسرائيل - على يد نبيهم موسى عليه السلام - كشف اللّه سبحانه
عن مستقبل دينه ، وعن حامل رايته ، وعن طريق أتباعه ، وعن مستقر رحمته .. فلم يبق
عذر لأتباع سائر الديانات السابقة ، بعد ذلك البلاغ المبكر بالخبر اليقين.



وهذا
الخبر اليقين من رب العالمين لموسى عليه السلام - وهو والسبعون المختارون من قومه
في ميقات ربه - يكشف كذلك عن مدى جريمة بني إسرائيل في استقبالهم لهذا النبي الأمي
وللدين الذي جاء به. وفيه التخفيف عنهم والتيسير ، إلى جانب ما فيه من البشارة
بالفلاح للمؤمنين! إنها الجريمة عن علم وعن بينة! والجريمة التي لم يألوا فيها
جهدا .. فقد سجل التاريخ أن بني إسرائيل كانوا هم ألأم خلق وقف لهذا النبي وللدين
الذي جاء به .. اليهود أولا والصليبيون أخيرا .. وأن الحرب التي شنوها على هذا
النبي ودينه وأهل دينه كانت حربا خبيثة ما كرة لئيمة قاسية وأنهم أصروا عليها
ودأبوا وما يزالون يصرون ويدأبون! والذي يراجع - فقط - ما حكاه القرآن الكريم من
حرب أهل الكتاب للإسلام والمسلمين - وقد سبق منه في سورة البقرة وآل عمران والنساء
والمائدة ما سبق - يطلع على المدى الواسع المتطاول الذي أداروا فيه المعركة مع هذا
الدين في عناد لئيم! والذي يراجع التاريخ بعد ذلك - منذ اليوم الذي استعلن فيه
الإسلام بالمدينة ، وقامت له دولة - إلى اللحظة الحاضرة ، يدرك كذلك مدى الإصرار
العنيد على الوقوف لهذا الدين وإرادة محوه من الوجود! ولقد استخدمت الصهيونية
والصليبية في العصر الحديث من ألوان الحرب والكيد والمكر أضعاف ما استخدمته طوال
القرون الماضية .. وهي في هذه الفترة بالذات تعالج إزالة هذا الدين بجملته وتحسب
أنها تدخل معه في المعركة الأخيرة الفاصلة ..



لذلك
تستخدم جميع الأساليب التي جربتها في القرون الماضية كلها - بالإضافة إلى ما
استحدثته منها - جملة واحدة! ذلك في الوقت الذي يقوم ممن ينتسبون إلى الإسلام ناس
يدعون في غرارة ساذجة إلى التعاون بين أهل الإسلام وأهل بقية الأديان للوقوف في
وجه تيار المادية والإلحاد! أهل بقية الأديان الذين يذبحون من ينتسبون إلى الإسلام
في كل مكان ويشنون عليهم حربا تتسم بكل بشاعة الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش في
الأندلس - سواء عن طريق أجهزتهم المباشرة في المستعمرات في آسيا وإفريقية أو عن
طريق الأوضاع التي يقيمونها ويسندونها في البلاد (المستقلة!) لتحل محل الإسلام
عقائد ومذاهب علمانية! تنكر «الغيبية» لأنها «علمية»! و«تطوّر» الأخلاق لتصبح هي
أخلاق البهائم التي ينزو بعضها على بعض في «حرية!» ، و«تطوّر» كذلك الفقه الإسلامي
، وتقيم له مؤتمرات المستشرقين لتطويره. كيما يحل الربا والاختلاط الجنسي وسائر
المحرمات الإسلامية!! إنها المعركة الوحشية الضارية يخوضها أهل الكتاب مع هذا
الدين ، الذي بشروا به وبنبيه منذ ذلك الأمد البعيد. ولكنهم تلقوه هذا التلقي
اللئيم الخبيث العنيد! وقبل أن يمضي السياق إلى مشهد جديد من مشاهد القصة ، يقف
عند هذا البلاغ المبكر ، يوجه الخطاب إلى النبي الأمي -
r- يأمره بإعلان الدعوة إلى الناس جميعا ، تصديقا لوعد اللّه القديم
:«قُلْ : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ،
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي
وَيُمِيتُ. فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ ، وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» ..



إنها
الرسالة الأخيرة ، فهي الرسالة الشاملة ، التي لا تختص بقوم ولا أرض ولا جيل ..
ولقد كانت الرسالات قبلها رسالات محلية قومية محدودة بفترة من الزمان - ما بين
عهدي رسولين - وكانت البشرية تخطو على هدى هذه الرسالات خطوات محدودة ، تأهيلا لها
للرسالة الأخيرة. وكانت كل رسالة تتضمن تعديلا وتحويرا في الشريعة يناسب تدرج
البشرية. حتى إذا جاءت الرسالة الأخيرة جاءت كاملة في أصولها ، قابلة للتطبيق
المتجدد في فروعها ، وجاءت للبشر جميعا ، لأنه ليست هنا لك رسالات بعدها للأقوام
والأجيال في كل مكان.



وجاءت
وفق الفطرة الإنسانية التي يلتقي عندها الناس جميعا. ومن ثم حملها النبي الأمي
الذي لم يدخل على فطرته الصافية - كما خرجت من يد اللّه - إلا تعليم اللّه. فلم
تشب هذه الفطرة شائبة من تعليم الأرض ومن أفكار الناس! ليحمل رسالة الفطرة إلى
فطرة الناس جميعا :«قُلْ : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ
إِلَيْكُمْ جَمِيعاً» ..



وهذه
الآية التي يؤمر فيها رسول اللّه -
r- أن يواجه برسالته الناس جميعا ، هي آية مكية في سورة مكية .. وهي
تجبه المزورين من أهل الكتاب ، الذين يزعمون أن محمدا -
r- لم يكن يدور في خلده وهو في مكة أن يمد بصره برسالته إلى غير
أهلها ، وأنه إنما بدأ يفكر في أن يتجاوز بها قريشا ، ثم يجاوز بها العرب إلى دعوة
أهل الكتاب ، ثم يجاوز بها الجزيرة العربية إلى ما وراءها ..كل أولئك بعد أن أغراه
النجاح الذي ساقته إليه الظروف! وإن هي إلا فرية من ذيول الحرب التي شنوها قديما
على هذا الدين وأهله. وما يزالون ماضين فيها! وليست البلية في أن يرصد أهل الكتاب
كيدهم كله لهذا الدين وأهله. وأن يكون «المستشرقون» الذين يكتبون مثل هذا الكذب هم
طليعة الهجوم على هذا الدين وأهله .. إنما البلية الكبرى أن كثيرا من السذج
الأغرار ممن يسمون أنفسهم بالمسلمين يتخذون من هؤلاء المزوّرين على نبيهم ودينهم ،
المحاربين لهم ولعقيدتهم ، أساتذة لهم ، يتلقون عنهم في هذا الدين نفسه ،
ويستشهدون بما يكتبونه عن تاريخ هذا الدين وحقائقه ، ثم يزعم هؤلاء السذج الأغرار
لأنفسهم أنهم «مثقفون!» ..



ونعود
إلى السياق القرآني بعد تكليف الرسول -
r- أن يعلن رسالته للناس جميعا. فنجد بقية التكليف هي تعريف الناس
جميعا بربهم الحق سبحانه :«الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، لا
إِلهَ إِلَّا هُوَ. يُحيِي وَيُمِيتُ» ..إنه -
r- رسول للناس جميعا من ربهم الذي يملك هذا الوجود كله - وهم من هذا
الوجود - والذي يتفرد بالألوهية وحده ، فالكل له عبيد. والذي تتجلى قدرته وألوهيته
في أنه الذي يحيي ويميت ..



والذي
يملك الوجود كله ، والذي له الألوهية على الخلائق وحده ، والذي يملك الحياة والموت
للناس جميعا. هو الذي يستحق أن يدين الناس بدينه ، الذي يبلغه إليهم رسوله .. فهو
تعريف للناس بحقيقة ربهم ، لتقوم على هذا التعريف عبوديتهم له ، وطاعتهم لرسوله
:«فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَكَلِماتِهِ ، وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» ..



وهذا
النداء الأخير في هذا التعقيب يتضمن لفتات دقيقة ينبغي أن نقف أمامها لحظات :



إنه
يتضمن ابتداء ذلك الأمر بالإيمان باللّه ورسوله .. وهو ما تتضمنه شهادة أن لا إله
إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، في صورة أخرى من صور هذا المضمون الذي لا يقوم
بدونه إيمان ولا إسلام .. ذلك أن هذا الأمر بالإيمان باللّه سبقه في الآية التعريف
بصفاته تعالى : «الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، لا إِلهَ إِلَّا
هُوَ ، يُحيِي وَيُمِيتُ» .. فالأمر بالإيمان هو أمر بالإيمان باللّه الذي هذه
صفاته الحقة. كما سبقه التعريف برسالة النبي -
r- إلى الناس جميعا.


ثم
يتضمن ثانية أن النبي الأمي - صلوات اللّه وسلامه عليه - يؤمن باللّه وكلماته ..
ومع أن هذه بديهية ، إلا أن هذه اللفتة لها مكانها ولها قيمتها. فالدعوة لا بد أن
يسبقها إيمان الداعي بحقيقة ما يدعو إليه ، ووضوحه في نفسه ، ويقينه منه. لذلك
يجيء وصف النبي المرسل إلى الناس جميعا بأنه «الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَكَلِماتِهِ» ..وهو نفس ما يدعو الناس إليه ونصه ..ثم يتضمن أخيرا لفتة إلى مقتضى
هذا الإيمان الذي يدعوهم إليه. وهو اتباعه فيما يأمر به ويشرعه ، واتباعه كذلك في
سنته وعمله. وهو ما يقرره قول اللّه سبحانه : «وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ» .. فليس هناك رجاء في أن يهتدي الناس بما يدعوهم إليه رسول اللّه -
r- إلا باتباعه فيه. ولا يكفي أن يؤمنوا به في قلوبهم ما لم يتبع الإيمان
الاتباع العملي .. وهو الإسلام ..إن هذا الدين يعلن عن طبيعته وعن حقيقته في كل
مناسبة .. إنه ليس مجرد عقيدة تستكن في الضمير ..



كما
أنه كذلك ليس مجرد شعائر تؤدى وطقوس .. إنما هو الاتباع الكامل لرسول اللّه -
r- فيما يبلغه عن ربه ، وفيما يشرعه ويسنه .. والرسول لم يأمر الناس
بالإيمان باللّه ورسوله فحسب. ولم يأمرهم كذلك بالشعائر التعبدية فحسب. ولكنه
أبلغهم شريعة اللّه في قوله وفعله. ولا رجاء في أن يهتدي الناس إلا إذا اتبعوه في
هذا كله .. فهذا هو دين اللّه .. وليس لهذا الدين من صورة أخرى إلا هذه الصورة التي
تشير إليها هذه اللفتة : «وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» بعد الأمر
بالإيمان باللّه ورسوله .. ولو كان الأمر في هذا الدين أمر اعتقاد وكفى ، لكان في
قوله : «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» الكفاية!"[8]



================


20-
وجوب مقاتلة من هم بإخراج الرسول



قال
تعالى : {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا
بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ
فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ
يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ
وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ
وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)
[التوبة/13-15]



يَحُضُّ
اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَلَى قِتَالِ المُشْرِكِينَ ، الذِينَ يَنْكُثُونَ
عَهْدَهُمْ ، وَقَدْ سَبَقَ لَهُمْ أَنْ هَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ
rمِنْ
مَكَّةَ ، وَهُمُ الذِينَ بَدَؤُوكُمْ بِالقِتَالِ أوَّلَ مَرَّةٍ ، إِذْ خَرَجُوا
إلَى بَدْرٍ لِنُصْرَةِ عِيرِهِمْ وَإِنْقَاذِهَا ، ثُمَّ يَطْلُبُ اللهُ تَعَالَى
إِلَى المُؤْمِنِينَ أَنْ لاَ يَخْشَوا الكُفْرَ وَأَهْلَهُ ، وَيَقُولُ لَهُمْ :
إِنَّ الذِي يَسْتَحِقُّ الخَشْيَةَ وَالخَوْفَ مِنْهُ هُوَ اللهُ ذُو السَطْوَةِ
وَالعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ . فَالمُؤْمِنُونَ لاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً غَيْرَ
اللهِ ، وَلاَ يَخَافُونَ سِوَاهُ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِي إِيمَانِهِمْ .



يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ
بِقِتَالِ الكُفَّارِ ، وَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّهُ تَعَالَى سَيُعَذِّبُهُمْ
بِأَيْدِي المُؤْمِنِينَ ، وَيُمَكِّنُ المُؤْمِنِينَ مِنْ رِقَابِهِمْ ، وَيُخْزِيهِمْ
وَيُذِلُّهُمْ بَالأَسْرِ وَالقَهْرِ وَالهَزِيمَةِ ، وَيَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ
عَلَيهِمْ ، وَيَشْفِي صُدُورَ قَوْمٍ اعْتَدَى الكَافِرُونَ عَلَيْهِم ، ( مِثْلِ
خُزَاعَة ، وَالمُسْتَضْعَفِينَ فِي مَكَّةَ الذِينَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا
اللِّحَاقَ بِإِخْوَانِهِم المُؤْمِنِينَ إلى دَارِ الهِجْرَةِ ) . وَيُذْهِبَ
اللهُ بِنَصْرِكُمْ عَلَى الكَافِرِينَ ، مَا فِي قُلُوبِ هَؤُلاَءِ المُؤْمِنِينَ
مِنْ غَيْظٍ عَلَى جَمَاعَةِ الكُفْرِ ، بِسَبَبِ غَدْرِهِمْ وَظُلْمِهِمْ
وَاعْتِدَائِهِمْ ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، مِنْ
غَيْرِ هَؤُلاَءِ ، وَيُوَّفِقَهُمْ لِلإِيمَانِ وَيَتَقَبَّلَهُ مِنْهُمْ ،
وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يُصْلِحُ عِبَادَهُ ، حَكِيمٌ فِي أَفْعَالِهِ
وَأَقْوَالِهِ .[9]



"
إن تاريخ المشركين مع المسلمين كله نكث للإيمان ، ونقض للعهود. وأقرب ما كان من
هذا نقضهم لعهدهم مع رسول اللّه -
r- في الحديبية. ولقد قبل -r- من شروطهم - بإلهام من ربه وهداية - ما حسبه بعض أفاضل أصحابه
قبولا للدنية! ووفى لهم بعهده أدق ما يكون الوفاء وأسماه.



ولكنهم
هم لم يفوا ، وخاسوا بالعهد بعد عامين اثنين ، عند أول فرصة سنحت .. كما أن
المشركين هم الذين هموا بإخراج الرسول -
r- من قبل في مكة وبيتوا أمرهم في النهاية على قتله قبل الهجرة.


وكان
هذا في بيت اللّه الحرام الذي يأمن فيه القاتل منهم على دمه وماله حتى لكان الواحد
يلقى قاتل أخيه أو أبيه في الحرم فلا يمسه بسوء. أما محمد رسول اللّه ، الداعي إلى
الهدى والإيمان وعبادة اللّه وحده ، فلم يرعوا معه هذه الخصلة وهموا بإخراجه ثم
تآمروا على حياته وبيتوا قتله في بيت اللّه الحرام ، بلا تحرج ولا تذمم مما
يتحرجون منه ويتذممون مع أصحاب الثارات! .. كذلك كانوا هم الذين هموا بقتال
المسلمين وحربهم في المدينة. فهم الذين أصروا - بقيادة أبي جهل - على ملاقاة
المسلمين بعد أن نجت القافلة التي خرجوا لها ثم قاتلوهم بادئين في أحد وفي الخندق.
ثم جمعوا لهم في حنين كذلك .. وكلها وقائع حاضرة أو ذكريات قريبة وكلها تنم عن
الإصرار الذي يصفه قول اللّه تعالى : «وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى
يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا» كما تنم عن طبيعة العلاقة بين
المعسكر الذي يعبد آلهة من دون اللّه تجاه المعسكر الذي لا يعبد إلا اللّه ..



وحين
يستعرض السياق هذا الشريط الطويل من الذكريات والمواقف والأحداث ، في هذه اللمسات
السريعة العميقة الإيقاع في قلوب المسلمين ، يخاطبهم : «أَتَخْشَوْنَهُمْ؟»
..فإنهم لا يقعدون عن قتال المشركين هؤلاء إلا أن تكون هي الخشية والخوف والتهيب!
ويعقب على السؤال بما هو أشد استجاشة للقلوب من السؤال : «فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ
تَخْشَوْهُ ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» ..



إن
المؤمن لا يخشى أحدا من العبيد. فالمؤمن لا يخشى إلا اللّه. فإذا كانوا يخشون
المشركين فاللّه أحق بالخشية ، وأولى بالمخافة وما يجوز أن يكون لغيره في قلوب
المؤمنين مكان! وإن مشاعر المؤمنين لتثور وهي تستجاش بتلك الذكريات والوقائع والأحداث
.. وهم يذكرون بتآمر المشركين على نبيهم
r.. وهم يستعرضون نكث المشركين لعهودهم معهم وتبييتهم لهم الغدر
كلما التمسوا منهم غرة ، أو وجدوا في موقفهم ثغرة. وهم يتذكرون مبادأة المشركين
لهم بالعداء والقتال بطرا وطغيانا .. وفي غمرة هذه الثورة يحرض المؤمنين على
القتال : «قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ ،
وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَيُذْهِبْ
غَيْظَ قُلُوبِهِمْ» ..



قاتلوهم
يجعلكم اللّه ستار قدرته ، وأداة مشيئته ، فيعذبهم بأيديكم ويخزهم بالهزيمة وهم
يتخايلون بالقوة ، وينصركم عليهم ويشف صدور جماعة من المؤمنين ممن آذاهم وشردهم
المشركون. يشفها من غيظها المكظوم ، بانتصار الحق كاملا ، وهزيمة الباطل ، وتشريد
المبطلين ..وليس هذا وحده ولكن خيرا آخر ينتظر وثوابا آخر ينال : «وَيَتُوبُ
اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ» ..



فانتصار
المسلمين قد يرد بعض المشركين إلى الإيمان ، ويفتح بصيرتهم على الهدى حين يرون
المسلمين ينصرون ، ويحسون أن قوة غير قوة البشر تؤيدهم ، ويرون آثار الإيمان في
مواقفهم - وهذا ما كان فعلا - وعندئذ ينال المسلمون المجاهدون أجر جهادهم ، وأجر
هداية الضالين بأيديهم وينال الإسلام قوة جديدة تضاف إلى قوته بهؤلاء المهتدين
التائبين : «وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ».عليم بالعواقب المخبوءة وراء المقدمات.
حكيم يقدر نتائج الأعمال والحركات.



إن
بروز قوة الإسلام وتقريرها ليستهوي قلوبا كثيرة تصد عن الإسلام الضعيف ، أو الإسلام
المجهول القوة والنفوذ. وإن الدعوة إلى الإسلام لتختصر نصف الطريق حين تكون
الجماعة المسلمة بادية القوة ، مرهوبة الجانب ، عزيزة الجناب.على أن اللّه سبحانه
وهو يربي الجماعة المسلمة بالمنهج القرآني الفريد لم يكن يعدها وهي في مكة قلة
قليلة مستضعفة مطاردة ، إلا وعدا واحدا : هو الجنة. ولم يكن يأمرها إلا أمرا واحدا
: هو الصبر .. فلما أن صبرت وطلبت الجنة وحدها دون الغلب ، آتاها اللّه النصر وجعل
يحرضها عليه ويشفي صدورها به. ذلك أن الغلب والنصر عندئذ لم يكن لها ولكن لدينه
وكلمته. وإن هي إلا ستار لقدرته ..[10]



================



21-
النبيُّ شاهد ومبشر ونذير



قال
تعالى :{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا
وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) }
[الأحزاب/45-47]



يَا أَيُّها الرَّسُولُ إِن اللهَ تَعَالى
بَعَثَكَ شَاهِداً عَلَى مَنْ أُرْسِلْتَ إِليهِمِ ، تُرَاقِبُ أحْوَالَهُم ،
وَتَرَى أَعْمَالَهُمْ ، وَتَشْهَدُ عَلَيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ ، وَأَرْسَلَكَ
مُبَشِّراً لَهُمْ بِالجَنَّةِ إِنْ صَدَّقُوكَ ، وَعَمِلُوا بِمَا جِئْتَهُمْ
بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، وَمُنْذِراً لَهُمْ بِعَذَابِ النَّارِ إِنْ هُمْ
كَذَّبُوكَ وَخَالَفُوا مَا أَمَرْتَهُمْ بِهِ ، وَنَهَيْتَهُمْ عَنْهُ .



وَإِنَّهُ
تَعَالَى بَعَثَكَ دَاعِياً الخَلْقَ إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لا إِلهَ
إِلاَّ هُوَ ، وَمُرَاقَبَتِهِ فِي السِّرِّ والعَلَنِ ، وَجَعَلَ أَمْرَكَ
ظَاهِراً كالشَّمْسِ في إِشْرَاقِها وَإِضَاءَتِها لاَ يَجْحَدُها إِلاَّ
مَكَابِرٌ .



( أَوْ إِن المَعْنى هُوَ : وَجَعَلْنَاكَ
سَرَاجاً مُنيراً لِيَسْتَضِيءَ بِكَ الضَّالُّونَ ، وَيَتقْتَبِسَ مِنْ نُورِكَ
المُهْتَدُونَ ) .



وَبَشِّرِ المُؤْمِنينَ بِأَنَّ لَهُمْ فَضَلاً
كَبِيراً مِنَ اللهِ عَلَى سَائِرِ الأُمَمِ ، وَسَيُلْقِي اللهُ عَلَى
عَاتِقِهِمْ مَهَمَّةَ نَشْرِ الإِيمَانِ فِي الأَرضِ ، وَإِخْراجِ النَّاسِ مِنَ
الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ .[11]



"
إنَّ وظيفة النبي -
r - فيهم أن يكون «شاهِداً» عليهم فليعملوا بما
يحسن هذه الشهادة التي لا تكذب ولا تزور ، ولا تبدل ، ولا تغير. وأن يكون
«مُبَشِّراً» لهم بما ينتظر العاملين من رحمة وغفران ، ومن فضل وتكريم. وأن يكون
«نَذِيراً» للغافلين بما ينتظر المسيئين من عذاب ونكال ، فلا يؤخذوا على غرة ، ولا
يعذبوا إلا بعد إنذار. «وَداعِياً إِلَى اللَّهِ» .. لا إلى دنيا ، ولا إلى مجد ،
ولا إلى عزة قومية ، ولا إلى عصبية جاهلية ، ولا إلى مغنم ، ولا إلى سلطان أو جاه.
ولكن داعيا إلى اللّه. في طريق واحد يصل إلى اللّه «بِإِذْنِهِ» ..



فما
هو بمبتدع ، ولا بمتطوع ، ولا بقائل من عنده شيئا. إنما هو إذن اللّه له وأمره لا
يتعداه. «وَسِراجاً مُنِيراً» ..



يجلو
الظلمات ، ويكشف الشبهات ، وينير الطريق ، نورا هادئا هاديا كالسراج المنير في
الظلمات.



وهكذا
كان رسول اللّه -
r - وما جاء به من النور. جاء بالتصور الواضح
البين النير لهذا الوجود ، ولعلاقة الوجود بالخالق ، ولمكان الكائن الإنساني من
هذا الوجود وخالقه ، وللقيم التي يقوم عليها الوجود كله ، ويقوم عليها وجود هذا
الإنسان فيه وللمنشأ والمصير ، والهدف والغاية ، والطريق والوسيلة.



في
قول فصل لا شبهة فيه ولا غموض. وفي أسلوب يخاطب الفطرة خطابا مباشرا وينفذ إليها
من أقرب السبل وأوسع الأبواب وأعمق المسالك والدروب!



ويكرر
ويفصل في وظيفة الرسول مسألة تبشير المؤمنين : «وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ
لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً» .. بعد ما أجملها في قوله : «يا أَيُّهَا
النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً» .. زيادة في
بيان فضل اللّه ومنته على المؤمنين ، الذين يشرع لهم على يدي هذا النبي ، ما يؤول
بهم إلى البشرى والفضل الكبير."
[12]


================










[1] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 557)






[2] - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (2 / 695)






[3] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 134)






[4] - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 114)






[5] - المستدرك للحاكم (3566) صحيح






[6] - المعجم الكبير للطبراني - (7 / 192) (7631 )
صحيح لغيره







[7] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1112)






[8] - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 1378)






[9] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1249)






[10] - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 1611)






[11] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 3459)






[12] - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 2872)
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

تابع

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين مارس 15, 2010 12:57 pm

22-
وجوب مناصرته



قال
تعالى :{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (Cool لِتُؤْمِنُوا
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً
وَأَصِيلًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ
اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ
وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا
(10)} [الفتح/8، 10]



إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحمَّدُ شَاهِداً
عَلَى الخَلْقِ فِيما أَجَابُوكَ بِه عَلَى دَعْوَتِكَ إِيَّاهُمْ للإِيمَانِ
باللهِ ، فَتُبَشِّر المُؤْمِنينَ الذِينَ استَجَابُوا للهِ وَلِرَسُولِهِ بِأنَّ
لَهُمُ الجَنَّةَ في الآخِرَةِ ، والثَّوابَ الحَسَنَ ، وَتُنْذِرَالمُكَذِّبينَ
المُعْرِضِينَ عَمَّا دَعَوْتَهُمْ إِليهِ ، بِعَذابٍ أليمٍ في نَارِ جَهَنَّمَ .



فآمِنُوا يَا أَيُّها النَّاسُ بِاللهِ
وَرَسُولِهِ ، وانْصُرُوا دِينَه وَعَظَّمُوهُ ، وَنَزِهُوهُ عَمَّا لا يَليِقُ
بِجَلاَلِهِ في الغُدَوِّ والعَشِيِّ .



حِينَما
وَصَلَ رَسُولُ اللهِ
rإِلى
الحُدَيْبِيَةِ مُعْتَمِراً ( وَالحُدَيْبِيَةُ قَرْيَةٌ عَلَى مَسِيرَةٍ
مَرْحَلَةٍ مِنْ مَكَّةَ ) ، مَعَ ألفٍ وَأَرْبَعِمِئَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، دَعَا
خُراشَ بْنَ أُميَّةَ الخزَاعِي فَبَعَثَهُ إِلى قُرَيشٍ ، بِمَكَّةَ لِيُبَلِّغَ
أَشْرَافَهُمْ عَنْهُ مَا جَاءَ لأَجْلِهِ ، فَعَقَرَتْ قُرَيشٌ الجَمَلَ ، وَأَرَادُوا
قَتْلَ خُراشٍ فَمَنَعَتْهُ الأَحَابِيشُ ، فَخَلُّوا سَبِيلَه ، فَعَادَ إِلى
رَسُولِ اللهِ ، وَأَخْبَرَه بِمَا جَرَى . وَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ
rأَنْ
يُرْسِلَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ، فاعْتَذَرَ بَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَقَارِبُ في
مَكَّةَ يَمْنَعُونَهُ ، وَدَلَّه عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، فَاسْتَدْعَاهُ
إِليهِ وَأَرْسَلَهُ إِلى أَبي سُفْيَانَ وأَشْرافِ قُرَيشٍ ، يُخْبِرْهُمْ
بِأَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَأْتِ لِحَربٍ ، وَإِنما جَاءَ زَائِراً لِلْبَيتِ ،
مُعْتَمِراً ، فَلَقِيَهُ أَبَانُ بَنُ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ ، حِينَ دَخَلَ
عُثْمانُ مَكَّةَ ، فَجَعَلَهُ في جِوَارِه حَتَّى فَرَغَ مِنْ إِبلاغِ
رِسَالَتِهِ ، ثُمَّ إِنَّ قُرَيشاً احْتَبَسَتْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ
عِنْدَهُمْ فشَاعَ بَينَ المٌسْلِمينَ أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ ، فَقَالَ
الرَّسُولُ : لاَ نَبْرَحُ حَتَّى نُنَاجِزَ القَوْمَ .



وَدَعَا
النَّاسَ إِلى البَيْعَةِ فَكَانت بَيْعَةُ الرِّضْوانِ تَحْتَ شَجرةٍ كَانَتْ
هُنَاكَ ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ عَلَى أَلاَّ يَفِرُّوا أَبداً . وَلَم
يَتَخَلَّفْ عَنِ البَيْعَةِ إِلا الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ ، وَهُوَ مُنَافِقٌ مِنَ
الأنْصَارِ . وَعَلِمَتْ قُرَيشٌ بِالبَيْعَةِ فَخَافَتْ وَأَرْسَلَتِ الرُّسُلَ
إِلى النَّبِيِّ يَسْأَلُونَهُ الصُّلْحَ وَالمُوادَعَةَ ، فَتَمَّ الصُّلْحُ
عَلَى أَنْ يَرْجِعَ الرَّسُولُ وَالمُسْلِمُونَ هذا العَامَ ، وَلاَ يَدْخُلُوا
مَكَّةَ ، وَأَنْ يَحُجَّ في العَامِ القَادمِ ، وَعَلى أَنْ يَقُومَ صُلْحٌ بَينَ
الرَّسُولِ وَقُريشٍ مُدَّتُهُ عَشْرُ سَنَواتٍ .



وَفِي
هذهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يَتَحَدَّثُ اللهُ تَعَالى عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ
التي تَمَّتْ تَحْتَ الشَّجَرةِ ، فَيقُولُ لِرَسُولِهِ
r: إِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ في الحُديبيَةِ مِنْ أَصْحابكَ
عَلَى أَلاَّ يَفرُّوا مِنَ المَعْرَكَةِ ، وَلا يُوَلُّوا الأَدْبَارَ ، إِنَّما
يُبَايُعونَ اللهَ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّاكَ ، واللهُ حَاضِرٌ مَعَهُم ، وَهُمْ
يَضَعُونَ أَيديَهم في يَدِكَ مُبَايِعِينَ ، يَسْمَعُ أَقْوالَهُم ، وَيَرَى
مَكانَهُمْ ، وَيَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَجَهْرَهُمْ ، فَهُوَ تَعَالى المُبَايُع
بِوَاسِطَةِ رَسُولِهِ ، وَيَدُهُ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ .



وفي
الحديث : " مَنْ سَلَّ سَيْفَهُ في سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ بَايعَ "
.فَمَنْ نَقَضَ البَيْعَةَ التِي عَقَدَهَا مَعَ النَّبِيِّ فإِنَّ ذَلِكَ إِنَّما
يَعُودُ عَلَيهِ ، وَلاَ يَضرُّ بالنَّكْثِ وَالإِخْلاَفِ إِلا نَفْسَهُ .أَمَّا
مَنْ أوفى بَعَهدِ البَيْعَةِ فإِنَّ لَهُ عِنْدَ اللهِ الأَجْرَ والمَثُوبَة في
الآخِرَةِ وَيُدْخِلُه الجَنَّةَ لِيبْقَى فِيها خَالِداً .[1]



"
فالرسول -
r- شاهد على هذه البشرية التي أرسل إليها ، يشهد أنه بلغها ما أمر
به ، وأنها استقبلته بما استقبلته ، وأنه كان منها المؤمنون ، ومنها الكافرون ،
ومنها المنافقون. وكان منها المصلحون ومنها المفسدون. فيؤدي الشهادة كما أدى
الرسالة. وهو مبشر بالخير والمغفرة والرضى وحسن الجزاء للمؤمنين الطائعين ، ونذير
بسوء المنقلب والغضب واللعنة والعقاب للكافرين والمنافقين والعصاة والمفسدين ..



هذه
وظيفة الرسول. ثم يلتفت بالخطاب إلى المؤمنين ، يكشف لهم عن الغاية المرجوة لهم من
الرسالة. إنها الإيمان باللّه ورسوله ، ثم النهوض بتكاليف الإيمان ، فينصرون اللّه
بنصرة منهجه وشريعته ، ويوقرونه في نفوسهم بالشعور بجلاله وينزهونه بالتسبيح
والتحميد طرفي النهار في البكور والأصيل ، وهي كناية عن اليوم كله ، لأن طرفي
النهار يضمان ما بينهما من آونة. والغرض هو اتصال القلب باللّه في كل آن. فهذه هي
ثمرة الإيمان المرجوة للمؤمنين من إرسال الرسول شاهدا ومبشرا ونذيرا.



وقد
جاء -
r- ليصلهم باللّه ، ويعقد بينهم وبينه بيعة ماضية لا تنقطع بغيبة
رسول اللّه -
r- عنهم. فهو حين يضع يده في أيديهم مبايعا ، فإنما يبايع عن اللّه
: «إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ. يَدُ اللَّهِ
فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» .. وهو تصوير رهيب جليل للبيعة بينهم وبين رسول اللّه -
r- والواحد منهم يشعر وهو يضع يده في يده ، أن يد اللّه فوق أيديهم.
فاللّه حاضر البيعة. واللّه صاحبها.



واللّه
آخذها. ويده فوق أيدي المتبايعين .. ومن؟ اللّه! يا للهول! ويا للروعة! ويا
للجلال! وإن هذه الصورة لتستأصل من النفس خاطر النكث بهذه البيعة - مهما غاب شخص
رسول اللّه -
r- فاللّه حاضر لا يغيب. واللّه آخذ في هذه البيعة ومعط ، وهو عليها
رقيب.



«فَمَنْ
نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ» .. فهو الخاسر في كل جانب. هو الخاسر في
الرجاع عن الصفقة الرابحة بينه وبين اللّه تعالى. وما من بيعة بين اللّه وعبد من
عباده إلا والعبد فيها هو الرابح من فضل اللّه ، واللّه هو الغني عن العالمين. وهو
الخاسر حين ينكث وينقض عهده مع اللّه فيتعرض لغضبه وعقابه على النكث الذي يكرهه
ويمقته ، فاللّه يحب الوفاء ويحب الأوفياء.



«وَمَنْ
أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً» ..هكذا على
إطلاقه : «أَجْراً عَظِيماً» .. لا يفصله ولا يحدده. فهو الأجر الذي يقول عنه
اللّه إنه عظيم.عظيم بحساب اللّه وميزانه ووصفه الذي لا يرتقي إلى تصوره أبناء
الأرض المقلون المحدودون الفانون! "[2]



================



23-
الرسول مجاهد في سبيل الله بنفسه وماله



قال
تعالى : {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا
بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89)[التوبة/88-89]



إذَا
تَخَلَّفَ الْمُنَافِقُونَ عَنِ الجِهَادِ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ
r، وَالمُؤْمِنِينَ جَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ ، وَهَؤُلاَءِ وَعَدَهُمُ اللهُ بِالخَيْرَاتِ : فِي الدُّنْيَا
بِتَحْقِيقِ النَّصْرِ ، وَمَحُوِ الْكُفْرِ ، وَإِعْلاَءِ كَلِمَةِ اللهِ ،
وَالتَّمَتُّعِ بِالمَغَانِمِ ، وَفِي الآخِرَةِ بِرِضَا اللهِ وَجَنَّاتِهِ .



وَقَدْ أَعَدَّ اللهُ تَعَالَى لِهَؤُلاَءِ
المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ،
جَزَاءً لَهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ وَإِخْلاَصِهِمْ فِي طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ
، جَنَّاتٍ تَجْرِي الأنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا ، وَهَذَا هُوَ الفَوْزُ
العَظِيمُ .[3]



وعَنِ
ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ
r: بُعِثْت بَيْنَ يَدَيَ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ
اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي
, وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي ، وَمَنْ
تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ.[4]



وعَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : قُلْتُ : مَا أَكْثَرُ مَا رَأَيْتَ
قُرَيْشًا أَصَابَتْ مِنْ رَسُولِ اللهِ
r، فِيمَا كَانَتْ تُظْهِرُ مِنْ عَدَاوَتِهِ ؟ قَالَ : قَدْ
حَضَرْتُهُمْ وَقَدِ اجْتَمَعَ أَشْرَافُهُمْ فِي الْحِجْرِ ، فَذَكَرُوا رَسُولَ
اللهِ
r، فَقَالُوا : مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ
هَذَا الرَّجُلِ قَطُّ ، سَفَّهَ أَحْلاَمَنَا ، وَشَتَمَ آبَاءَنَا ، وَعَابَ دِينَنَا
، وَفَرَّقَ جَمَاعَتَنَا ، وَسَبَّ آلِهَتَنَا ، لَقَدْ صَبَرْنَا مِنْهُ عَلَى
أَمْرٍ عَظِيمٍ ، أَوْ كَمَا قَالُوا ، فَبَيْنَا هُمْ فِي ذَلِكَ ، إِذْ طَلَعَ
رَسُولُ اللهِ
r، فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى اسْتَلَمَ الرُّكْنَ ، فَمَرَّ بِهِمْ
طَائِفًا بِالْبَيْتِ ، فَلَمَّا أَنْ مَرَّ بِهِمْ غَمَزُوهُ بِبَعْضِ الْقَوْلِ
، قَالَ : وَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ ، ثُمَّ مَضَى
r، فَلَمَّا مَرَّ بِهِمُ الثَّانِيَةَ غَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا ،
فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ ، ثُمَّ مَضَى
r، فَمَرَّ بِهِمُ الثَّالِثَةَ ، غَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا ، ثُمَّ
قَالَ : أَتَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ
بِيَدِهِ ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ. قَالَ : فَأَخَذَتِ الْقَوْمَ
كَلِمَتُهُ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلاَّ لَكَأَنَّمَا عَلَى رَأْسِهِ طَائِرٌ
وَاقِعٌ ، حَتَّى إِنَّ أَشَدَّهُمْ فِيهِ وَطْأَةً قَبْلَ ذَلِكَ يَتَوَقَّاهُ
بِأَحْسَنِ مَا يُجِيبُ مِنَ الْقَوْلِ ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ : انْصَرِفْ
يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، انْصَرِفْ رَاشِدًا ، فَوَاللَّهِ مَا كُنْتَ جَهُولاً.
فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ
rحَتَّى
إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ وَأَنَا مَعَهُمْ ، فَقَالَ
بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : ذَكَرْتُمْ مَا بَلَغَ مِنْكُمْ ، وَمَا بَلَغَكُمْ عَنْهُ
، حَتَّى إِذَا بَادَأَكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ تَرَكْتُمُوهُ ، وَبَيْنَا هُمْ فِي
ذَلِكَ ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ
r، فَوَثَبُوا إِلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، وَأَحَاطُوا بِهِ
، يَقُولُونَ لَهُ : أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ كَذَا وَكَذَا - لِمَا كَانَ
يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وَدِينِهِمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَنَا
الَّذِي أَقُولُ ذَلِكَ. قَالَ : فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً مِنْهُمْ أَخَذَ
بِمَجْمَعِ رِدَائِهِ ، وَقَالَ وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ دُونَهُ يَقُولُ وَهُوَ يَبْكِي : أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ
رَبِّيَ اللَّهُ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَأَشُدُّ مَا
رَأَيْتُ قُرَيْشًا بَلَغَتْ مِنْهُ قَطُّ.[5]



"
إن للذل ضريبة كما أن للكرامة ضريبة. وإن ضريبة الذل لأفدح في كثير من الأحايين.
وإن بعض النفوس الضعيفة ليخيل إليها أن للكرامة ضريبة باهظة لا تطاق ، فتختار الذل
والمهانة هربا من هذه التكاليف الثقال ، فتعيش عيشة تافهة رخيصة ، مفزعة قلقة ،
تخاف من ظلها ، وتفرق من صداها ، يحسبون كل صيحة عليهم ، ولتجدنهم أحرص الناس على
حياة .. هؤلاء الأذلاء يؤدون ضريبة أفدح من تكاليف الكرامة. إنهم يؤدون ضريبة الذل
كاملة. يؤدونها من نفوسهم ، ويؤدونها من أقدارهم ، ويؤدونها من سمعتهم ، ويؤدونها
من اطمئنانهم ، وكثيرا ما يؤدونها من دمائهم وأموالهم وهم لا يشعرون»



ومن
هؤلاء .. أولئك الذين «رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى
قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ» ..



«لكِنِ
الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ» .. وهم طراز آخر غير ذلك الطراز ..
«جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ» ..فنهضوا بتكاليف العقيدة ، وأدوا واجب
الإيمان وعملوا للعزة التي لا تنال بالقعود «وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ»
..خيرات الدنيا والآخرة ، في الدنيا لهم العزة ولهم الكرامة ولهم المغنم ولهم
الكلمة العالية. وفي الآخرة لهم الجزاء الأوفى ، ولهم رضوان اللّه الكريم
«وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» .. الفلاح في الدنيا بالعيش الكريم القويم
والفلاح في الآخرة بالأجر العظيم : «أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ
تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها» .. «ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ».[6]



================


24-
تحريم النجوى عند الرسول
r


قال
تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ
لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ
الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ
وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ
حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (Cool يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ
وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ
الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ
لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ
اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10)[المجادلة/8-10]



كَانَ
بَيْنَ النَّبِيِّ
rوَبَيْنَ
يَهُودِ المَدِينَةِ مُوَادَعَةٌ ، وَكَانَ اليَهُودُ إِذَا مَرَّ أَحَدٌ مِنَ
المُسْلِمِينَ يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ ، حَتَّى لَيَظُنَّ المُؤْمِنُ
أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَتَنَاجَوْنَ بِقَتْلِهِ ، أَوْ بِمَا يَكْرَهُ ، فَإِذَا
رَأَى المُؤْمِنُ ذَلِكَ خَشِيَهُمْ فَتَرَكَ طَرِيقَهُ عَلَيْهِمْ ، فَنَهَاهُمُ
رَسُولُ اللهِ
rعَنِ
النَّجْوَى فَلَمْ يَنْتَهُوا ، وَعَادُوا إِلى النَّجْوَى ، فَأَنْزَلَ اللهُ
تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ يُبَيِّنُ لِرَسُولِهِ مَا يَتَنَاجَوْنَ بِهِ ، فَقَالَ
لَهُ إِنَّهُمْ يَتنَاجَوْنَ بِمَا هُوَ إِثْمٌ فِي نَفْسِهِ ، وَبِمَا هُوَ
وَبَالٌ عَلَيْهِمْ ، وَبِمَا هُوَ تَعَد عَلَى هُوَ تَعَد عَلَى المُؤْمِنينَ ،
وَتَوَاصٍ بِمُخَالَفَةِ النَّبِيِّ .



وَدَخَلَ
نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ
rفَقَالُوا
: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا القَاسِمِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ : ( وَعَلَيْكُمُ )
. وَكَانَ هَذَا النَّفَرُ مِنَ اليَهُودِ يَقْصدُ بِقَوْلِهِ هَذَا الإسَاءَةَ
إِلَى الرَّسُولِ
r، والدُّعَاءَ عَلَيهِ ، فَفَضَحَهُمْ اللهُ ، وَكَشَفَ
أَسْتَارَهُمْ ، ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ ، انَّهُمْ
كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ، وَيُحَدِّثُونَ أَنْفُسَهُمْ بِأَنَّ مُحَمَّداً
لَوْ كَانَ نَبِيّاً حَقّاً لَعَذَّبَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا بِمَا يَقُولُونَ
، لأَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ .



وَرَدَّ
اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ : قَائِلاً إِنَّ جَهَنَّمَ كَافِيَةٌ لِعِقَابِهِمْ
وَعَذَابِهِمْ ، وَهِيَ بِئْسَ المَقَرُّ وَالمَصِيرُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ .
وَيُؤدِّبُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ لِئلاَّ يَكُونُوا
كَالكَفَرَةِ وَالمُنَافِقِينَ ، فَيَقُولُ لَهُمْ : إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فِي
أَنْدِيتكُمْ وَخَلواتِكُمْ ، فَلاَ تَفْعَلُوا كَمَا يَفْعَلُ أُولَئِكَ الكُفَّارُ
، مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ ، وَمَنْ وَالاَهُمْ عَلَى ضَلاَلِهِمْ مِنَ
المُنَافِقِينَ ، وَتَنَاجَوا بِمَا هُوَ خَيْرٌ ، وَاتَّقُوا اللهَ فِيمَا
تَفْعَلُونَ وَفِيمَا تَذُرُونَ ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيهِ تُحْشَرُونَ
يَوْمَ القِيَامَةِ ، وَأَنَّهُ سَيُحَاسِبُكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ . إِنَّما
التَّنَاجِي بِالإِثْمِ وَالعُدْوَانِ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ وَتَزْيِينِهِ
، والشَّيْطَانُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَحْزُنَ الذِينَ آمَنُوا بإِيهَامِهِمْ أَنَّ
هَذِهِ النَّجْوَى تَضُرُّهُمْ ، وَلَكِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَضُرُّ
المُؤْمِنِينَ شَيْئاً ، إِلاَّ بِإِرَادَةِ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ ، فَعَلَى
المُؤْمِنِينَ أَلاَّ يَهْتَمُّوا بِنَجْوَى الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ ،
وَلْيَتَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ . [7]



"والآية
توحي بأن خطة رسول اللّه -
r- مع المنافقين في أول الأمر كانت هي النصح لهم بالاستقامة
والإخلاص ، ونهيهم عن الدسائس والمؤامرات التي يدبرونها بالاتفاق مع اليهود في
المدينة وبوحيهم.



وأنهم
بعد هذا كانوا يلجون في خطتهم اللئيمة ، وفي دسائسهم الخفية ، وفي التدبير السيئ
للجماعة المسلمة ، وفي اختيار الطرق والوسائل التي يعصون بها أوامر الرسول -
r- ويفسدون عليه أمره وأمر المسلمين المخلصين.


كما
أنها توحي بأن بعضهم كان يلتوي في صيغة التحية فيحورها إلى معنى سيّئ خفي :
«وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ». كأن يقولوا - كما
كان اليهود يقولون - السام عليكم. وهم يوهمون أنهم يقولون : السلام عليكم. بمعنى
الموت لكم أو بمعنى تسامون في دينكم! أو أية صيغة أخرى ظاهرها بريء وباطنها لئيم!
وهم يقولون في أنفسهم : لو كان نبيا حقا لعاقبنا اللّه على قولنا هذا. أي في
تحيتهم ، أو في مجالسهم التي يتناجون فيها ويدبرون الدسائس والمؤامرات.



وظاهر
من سياق السورة من مطلعها أن اللّه قد أخبر الرسول -
r- بما كانوا يقولونه في أنفسهم ، وبمجالسهم ومؤامراتهم. فقد سبق في
السورة إعلان أن اللّه قد سمع للمرأة المجادلة وأنه ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو
رابعهم .. إلخ. مما يوحي بأنه أطلع رسوله على مؤامرات أولئك المنافقين وهو حاضر
مجالسهم! وبما يقولونه كذلك في أنفسهم.



ثم
رد عليهم بقوله تعالى : «حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ
الْمَصِيرُ».وكشف هذه المؤامرات الخفية ، وإفشاء نجواهم التي عادوا إليها بعد ما
نهوا عنها ، وكذلك فضح ما كانوا يقولونه في أنفسهم : «لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ
بِما نَقُولُ» .. هذا كله هو تصديق وتطبيق لحقيقة علم اللّه بما في السماوات وما
في الأرض ، وحضوره لكل نجوى ، وشهوده لكل اجتماع. وهو يوقع في نفوس المنافقين أن
أمرهم مفضوح ، كما يوحي للمؤمنين بالاطمئنان والوثوق.



وهنا
يلتفت إلى الذين آمنوا ، يخاطبهم بهذا النداء : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»
لينهاهم عن التناجي بما يتناجى به المنافقون من الإثم والعدوان ومعصية الرسول ،
ويذكرهم تقوى اللّه ، ويبين لهم أن النجوى على هذا النحو هي من إيحاء الشيطان
ليحزن الذين آمنوا ، فليست تليق بالمؤمنين : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا
تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ
، وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى ، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ
تُحْشَرُونَ. إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا
وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَعَلَى اللَّهِ
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» ..



ويبدو
أن بعض المسلمين ممن لم تنطبع نفوسهم بعد بحاسة التنظيم الإسلامي ، كانوا يتجمعون
عند ما تحزب الأمور ، ليتناجوا فيما بينهم ويتشاوروا بعيدا عن قيادتهم. الأمر الذي
لا تقره طبيعة الجماعة الإسلامية ، وروح التنظيم الإسلامي ، التي تقتضي عرض كل رأي
وكل فكرة وكل اقتراح على القيادة ابتداء ، وعدم التجمعات الجانبية في الجماعة. كما
يبدو أن بعض هذه التجمعات كان يدور فيها ما قد يؤدي إلى البلبلة ، وما يؤذي
الجماعة المسلمة - ولو لم يكن قصد الإيذاء قائما في نفوس المتناجين - ولكن مجرد
إثارتهم للمسائل الجارية وإبداء الآراء فيها على غير علم ، قد يؤدي إلى الإيذاء ،
وإلى عدم الطاعة.



وهنا
يناديهم اللّه بصفتهم التي تربطهم به ، وتجعل للنداء وقعه وتأثيره : «يا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا» .. لينهاهم عن التناجي - إذا تناجوا - بالإثم والعدوان ومعصية
الرسول. ويبين لهم ما يليق بهم من الموضوعات التي يتناجى بها المؤمنون :
«وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى » .. لتدبير وسائلهما وتحقيق مدلولهما. والبر
: الخير عامة. والتقوى : اليقظة والرقابة للّه سبحانه ، وهي لا توحي إلا بالخير.
ويذكرهم بمخافة اللّه الذي يحشرون إليه ، فيحاسبهم بما كسبوا. وهو شاهده ومحصيه.
مهما ستروه وأخفوه.



عَنْ
صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيِّ ، قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا آخِذٌ بِيَدِ
ابْنِ عُمَرَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي النَّجْوَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟
فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ :
إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَضَعَ
كَنَفَهُ عَلَيْهِ ، فَيَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ ، فَيَقُولُ : أَتَعْرِفُ ذَنْبَ
كَذَا وَكَذَا ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ يَا رَبِّ ، فَيَقُولُ : أَتَعْرِفُ ذَنْبَ
كَذَا وَكَذَا ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ يَا رَبِّ ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ
بِذُنُوبِهِ وَظَنَّ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدِ اسْتَوْجَبَ ، قَالَ : قَدْ
سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ مِنَ النَّاسِ ، وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ ،
وَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ ،
فَيَقُولُ الأَشْهَادُ : {هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ
لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود].[8].



ثم
ينفرهم من التناجي والمسارة والتدسس بالقول في خفية عن الجماعة المسلمة ، التي هم
منها ، ومصلحتهم مصلحتها ، وينبغي ألا يشعروا بالانفصال عنها في شأن من الشئون.
فيقول لهم : إن رؤية المسلمين للوسوسة والهمس والانعزال بالحديث تبث في قلوبهم
الحزن والتوجس ، وتخلق جوا من عدم الثقة وأن الشيطان يغري المتناجين ليحزنوا نفوس
إخوانهم ويدخلوا إليها الوساوس والهموم. ويطمئن المؤمنين بأن الشيطان لن يبلغ فيهم
ما يريد : «إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ،
وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً - إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ - وَعَلَى اللَّهِ
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» ..



فالمؤمنون
لا يتوكلون إلا على اللّه. فليس وراء ذلك توكل ، وليس من دون اللّه من يتوكل عليه
المؤمنون! وقد وردت الأحاديث النبوية الكريمة بالنهي عن التناجي في الحالات التي
توقع الريبة وتزعزع الثقة وتبعث التوجس : جاء في الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً
فَلاَ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ
أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ ». [9]وهو
أدب رفيع ، كما أنه تحفظ حكيم لإبعاد كل الريب والشكوك. فأما حيث تكون هناك مصلحة
في كتمان سر ، أو ستر عورة ، في شأن عام او خاص ، فلا مانع من التشاور في سر
وتكتم. وهذا يكون عادة بين القادة المسئولين عن الجماعة. ولا يجوز أن يكون تجمعا
جانبيا بعيدا عن علم الجماعة. فهذا هو الذي نهى عنه القرآن ونهى عنه الرسول. وهذا
هو الذي يفتت الجماعة أو يوقع في صفوفها الشك وفقدان الثقة.



وهذا
هو الذي يدبره الشيطان ليحزن الذين آمنوا. ووعد اللّه قاطع في أن الشيطان لن يبلغ
بهذه الوسيلة ما يريد في الجماعة المؤمنة ، لأن اللّه حارسها وكالئها وهو شاهد
حاضر في كل مناجاة ، وعالم بما يدور فيها من كيد ودس وتآمر. ولن يضر الشيطان
المؤمنين .. «إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» .. وهو استثناء تحفظي لتقرير طلاقة المشيئة
في كل موطن من مواطن الوعد والجزم ، لتبقى المشيئة حرة وراء الوعد والجزم ..



«وَعَلَى
اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» .. فهو الحارس الحامي ، وهو القوي العزيز
، وهو العليم الخبير. وهو الشاهد الحاضر الذي لا يغيب. ولا يكون في الكون إلا ما
يريد. وقد وعد بحراسة المؤمنين. فأي طمأنينة بعد هذا وأي يقين؟ "[10]



================










[1] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 4470)






[2] - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3320)






[3] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1324)






[4] - مصنف ابن أبي شيبة(ج 5 / ص 313) (19747) وصحيح
الجامع (2831) صحيح لغيره







[5] - صحيح ابن حبان - (ج 14 / ص 525) (6567) صحيح






[6] - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 1684)






[7] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 4990)






[8] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (2 / 396)(5436)
وصحيح ابن حبان - (16 / 355) (7356) صحيح







[9] - صحيح مسلم- المكنز - (5825 )






[10] - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3509)
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

تابع

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين مارس 15, 2010 1:03 pm

25-
الحث على تقديم صدقة قبل مناجاة الرسول



قال
تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ
فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ
تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ
اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا
اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13)[المجادلة/12-13]



يَأْمُرُ
اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ الذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَدِّثُوا رَسُولَ اللهِ
rفِيمَا
بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ ، ( أَيْ مُسَارَّةً ) ، أَنْ يُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ
ذَلِكَ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ، وَتُؤهِّلُهُمْ لِبُلَوغِ هَذَا
المُقَامِ ، وَفِي تَقدِيمِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ بَيْنَ يَدَيْ مُنَاجَاةِ
الرَّسُولِ
rثَوَابٌ
عَظِيمٌ عِنْدَ اللهِ ، وَتَزْكِيَةٌ لِلنُّفُوسِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ، مَنْ
يُرِيدُ مُنَاجَاةَ الرَّسُولِ ، مِمَّنْ يَمْلِكُونَ شَيْئاً يَسْتَطِيعُونَ
التَّصَدُّقَ بِهِ فَلاَ حَرَجَ عَلَيهِ إِذَا لَمْ يَتَصَدّقْ ، وَاللهُ غَفُورٌ
رَحِيمٌ



وَقَدْ
نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِلتَّخْفِيفِ عَنِ النَّبِيِّ
rمِنَ
السُّؤَالِ فَقَدْ سَأَلَهُ قَوْمٌ حَتَّى شَقُّوا عَلَيهِ ، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ
يُخَفِّفَ عَنْهُ .



أَبَخِلْتُمْ بِالمَالِ أَنْ تُنْفِقُوهُ فِي
سَبْيلِ اللهِ ، وَخِفْتُم الفَقْرَ إِنْ قَدَّمْتُمُ الصَّدَقَاتِ ، وَوَسْوَسَ
إِلَيْكُمُ الشَّيْطَانُ أَنَّ هَذَا الإِنْفَاقَ فِيهِ ضَيَاعٌ لِلْمَالِ؟ فَمَا
دُمْتُمْ لَمْ تُنْفِقُوا المَالَ ، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ فَقَدْ خَفَّفَ
اللهُ عَنْكُمْ ، وَرَخَّصَ لَكُمْ بِالمُنَاجَاةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِمِةِ
صَدَقَاتٍ ، فَتَدَارَكُوا ذَلِكَ بِالمُثَابَرَةِ عَلَى إِقَامَةِ الصَّلاَةِ
عَلَى وَجْهِهَا الأَكْمَلِ ، وَعَلَى دَفْعِ الزَّكَاةِ عَنْ أَمْوَالِكُمْ ،
وَأَطِيعُوا اللهَ فِيمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ هُوَ وَرَسُولُهُ ، وَانْتَهُوا
عَمَّا يَنْهَاكُمْ عَنْهُ ، وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا يَعْمَلُهُ العِبَادُ ،
وَسَيُحَاسِبُهُمْ عَلَيْهِ .[1]



وقال السعدي :" يأمر تعالى المؤمنين
بالصدقة، أمام مناجاة رسوله محمد
rتأديبا لهم
وتعليما، وتعظيما للرسول
r، فإن هذا التعظيم، خير للمؤمنين وأطهر أي: بذلك يكثر خيركم
وأجركم، وتحصل لكم الطهارة من الأدناس، التي من جملتها ترك احترام الرسول
rوالأدب معه
بكثرة المناجاة التي لا ثمرة تحتها، فإنه إذا أمر بالصدقة بين يدي مناجاته صار هذا
ميزانا لمن كان حريصا على الخير والعلم، فلا يبالي بالصدقة، ومن لم يكن له حرص ولا
رغبة في الخير، وإنما مقصوده مجرد كثرة الكلام، فينكف بذلك عن الذي يشق على
الرسول، هذا في الواجد للصدقة، وأما الذي لا يجد الصدقة، فإن الله لم يضيق عليه
الأمر، بل عفا عنه وسامحه، وأباح له المناجاة، بدون تقديم صدقة لا يقدر عليها.



ثم
لما رأى تبارك وتعالى شفقة المؤمنين، ومشقة الصدقات عليهم عند كل مناجاة، سهل
الأمر عليهم، ولم يؤاخذهم بترك الصدقة بين يدي المناجاة، وبقي التعظيم للرسول
والاحترام بحاله لم ينسخ، لأن هذا الحكم من باب المشروع لغيره، ليس مقصودا لنفسه،
وإنما المقصود هو الأدب مع الرسول والإكرام له، وأمرهم تعالى أن يقوموا بالمأمورات
الكبار المقصودة بنفسها، فقال: { فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا } أي: لم يهن عليكم تقديم
الصدقة، ولا يكفي هذا، فإنه ليس من شرط الأمر أن يكون هينا على العبد، ولهذا قيده
بقوله: { وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } أي: عفا لكم عن ذلك، { فَأَقِيمُوا
الصَّلاةَ } بأركانها وشروطها، وجميع حدودها ولوازمها، { وَآتُوا الزَّكَاةَ }
المفروضة [في أموالكم] إلى مستحقيها.



وهاتان
العبادتان هما أم العبادات البدنية والمالية، فمن قام بهما على الوجه الشرعي، فقد
قام بحقوق الله وحقوق عباده، [ولهذا قال بعده:] { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
} وهذا أشمل ما يكون من الأوامر.



ويدخل
في ذلك طاعة الله [وطاعة] رسوله، بامتثال أوامرهما واجتناب نواهيهما، وتصديق ما
أخبرا به، والوقوف عند حدود الله .



والعبرة
في ذلك على الإخلاص والإحسان، ولهذا قال: { وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }
فيعلم تعالى أعمالهم، وعلى أي: وجه صدرت، فيجازيهم على حسب علمه بما في صدورهم.[2]



================



26- يعلم بهجر القرآن


قال
تعالى :{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ
مَهْجُورًا (30) [الفرقان/30]



وَقَالَ
الرَّسُولُ مُشْتَكِياً إِلَى رَبِّهِ : يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمي اتَّخُذُوا هَذَا
القُرْآنَ مَهْجُوراً ، أَيْ أَنَّ قَوْمِي الّذِينَ بَعَثْتَني إِلَيْهِمْ
لأَدْعُوَهُمْ إِلى تَوْحِيدِكَ ، وَأَمَرْتَني بِإِبْلاَغِ القُرْآنِ إِلَيْهِم ،
قَدْ هَجرُوا كِتَابَكَ ، وَتَرَكُوا الإِيمانَ بِكَ ، وَلَمْ يَأَبَهُوا
بِوَعِيدِكَ ، بل أعْرَضُوا عنِ استماعِهِ واتِّبَاعِهِ .[3]



"
لقد هجروا القرآن الذي نزله اللّه على عبده لينذرهم. ويبصرهم. هجروه فلم يفتحوا له
أسماعهم إذ كانوا يتقون أن يجتذبهم فلا يملكون لقلوبهم عنه ردا. وهجروه فلم
يتدبروه ليدركوا الحق من خلاله ، ويجدوا الهدي على نوره. وهجروه فلم يجعلوه دستور
حياتهم ، وقد جاء ليكون منهاج حياة يقودها إلى أقوم طريق :«وَقالَ الرَّسُولُ : يا
رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً» ..وإن ربه ليعلم
ولكنه دعاء البث والإنابة ، يشهد به ربه على أنه لم يأل جهدا ، ولكن قومه لم
يستمعوا لهذا القرآن ولم يتدبروه.



فيسليه
ربه ويعزيه. فتلك هي السنة الجارية قبله في جميع الرسالات. فلكل نبي أعداء يهجرون الهدى
الذي يجيئهم به ، ويصدون عن سبيل اللّه. ولكن اللّه يهدي رسله إلى طريق النصر على
أعدائهم المجرمين :«وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ
الْمُجْرِمِينَ. وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً» ..



وللّه
الحكمة البالغة. فإن بروز المجرمين لحرب الأنبياء والدعوات يقوي عودها ويطبعها
بطابع الجد الذي يناسب طبيعتها. وكفاح أصحاب الدعوات للمجرمين الذين يتصدون لها -
مهما كلفهم من مشقة وكلف الدعوات من تعويق - هو الذي يميز الدعوات الحقة من
الدعاوى الزائفة وهو الذي يمحص القائمين عليها ، ويطرد الزائفين منهم فلا يبقى
بجوارها إلا العناصر المؤمنة القوية المتجردة ، التي لا تبتغي مغانم قريبة. ولا
تريد إلا الدعوة خالصة ، تبتغي بها وجه اللّه تعالى.



ولو
كانت الدعوات سهلة ميسورة ، تسلك طرقا ممهدة مفروشة بالأزهار ، ولا يبرز لها في
الطريق خصوم ومعارضون ، ولا يتعرض لها المكذبون والمعاندون ، لسهل على كل إنسان أن
يكون صاحب دعوة ، ولاختلطت دعوات الحق ودعاوى الباطل ، ووقعت البلبلة والفتنة.
ولكن بروز الخصوم والأعداء للدعوات ، هو الذي يجعل الكفاح لانتصارها حتما مقضيا ،
ويجعل الآلام والتضحيات لها وقودا. فلا يكافح ويناضل ، ويحتمل الآلام والتضحيات
إلا أصحاب دعوة الحق الجادون المؤمنون ، الذين يؤثرون دعوتهم على الراحة والمتاع ،
وأعراض الحياة الدنيا. بل على الحياة نفسها حين تقتضيهم دعوتهم أن يستشهدوا في
سبيلها. ولا يثبت على الكفاح المرير إلا أصلبهم عودا ، وأشدهم إيمانا ، وأكثرهم
تطلعا إلى ما عند اللّه واستهانة بما عند الناس ..



عندئذ
تتميز دعوة الحق من دعاوى الباطل. وعندئذ تمحص الصفوف فيتميز الأقوياء من الضعفاء.
وعندئذ تمضي دعوة الحق في طريقها برجالها الذين ثبتوا عليها ، واجتازوا امتحانها
وبلاءها. أولئك هم الأمناء عليها الذين يحتملون تكاليف النصر وتبعاته. وقد نالوا
هذا النصر بثمنه الغالي ، وأدوا ضريبته صادقين مؤثرين.



وقد
علمتهم التجارب والابتلاءات كيف يسيرون بدعوتهم بين الأشواك والصخور. وقد حفزت
الشدائد والمخاوف كل طاقاتهم ومقدراتهم ، فنما رصيدهم من القوة وذخيرتهم من
المعرفة. فيكون هذا كله رصيدا للدعوة التي يحملون رايتها على السراء والضراء.



والذي
يقع غالبا أن كثرة الناس تقف متفرجة على الصراع بين المجرمين وأصحاب الدعوات حتى
إذا تضخم رصيد التضحيات والآلام في صف أصحاب الدعوات ، وهم ثابتون على دعوتهم ،
ماضون في طريقهم ، قالت الكثرة المتفرجة أو شعرت أنه لا يمسك أصحاب الدعوة على
دعوتهم على الرغم من التضحيات والآلام ، إلا أن في هذه الدعوة ما هو أغلى مما
يضحون به وأثمن .. وعندئذ تتقدم الكثرة المتفرجة لترى ما هو هذا العنصر الغالي
الثمين الذي يرجح كل أعراض الحياة ، ويرجح الحياة ذاتها عند أصحاب الدعوة. وعندئذ
يدخل المتفرجون أفواجا في هذه العقيدة بعد طول التفرج بالصراع! من أجل هذا كله جعل
اللّه لكل نبي عدوا من المجرمين وجعل المجرمين يقفون في وجه دعوة الحق ، وحملة
الدعوة يكافحون المجرمين ، فيصيبهم ما يصيبهم وهم ماضون في الطريق ، والنهاية
مقدرة من قبل ، ومعروفة لا يخطئها الواثقون باللّه. إنها الهداية إلى الحق ،
والانتهاء إلى النصر : «وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً».



وبروز
المجرمين في طريق الأنبياء أمر طبيعي. فدعوة الحق إنما تجيء في أوانها لعلاج فساد
واقع في الجماعة أو في البشرية. فساد في القلوب ، وفساد في النظم ، وفساد في
الأوضاع. ووراء هذا الفساد يكمن المجرمون ، الذين ينشئون الفساد من ناحية ،
ويستغلونه من ناحية. والذين تتفق مشاربهم مع هذا الفساد ، وتتنفس شهواتهم في جوه
الوبيء. الذين يجدون فيه سندا للقيم الزائقة التي يستندون هم في وجودهم إليها ..
فطبيعي إذن أن يبرزوا للأنبياء وللدعوات دفاعا عن وجودهم ، واستبقاء للجو الذي
يملكون أن يتنفسوا فيه. وبعض الحشرات يختنق برائحة الأزهار العبقة ، ولا يستطيع
الحياة إلا في المقاذر ، وبعض الديدان يموت في الماء الطاهر الجاري ، ولا يستطيع
الحياة إلا في المستنقع الآسن. وكذلك المجرمون .. فطبيعي إذن أن يكونوا أعداء
لدعوة الحق ، يستميتون في كفاحها. وطبيعي أن تنتصر دعوة الحق في النهاية ، لأنها
تسير مع خط الحياة ، وتتجه إلى الأفق الكريم الوضيء الذي تتصل فيه باللّه ، والذي
تبلغ عنده الكمال المقدر لها كما أراد اللّه ..«وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً
وَنَصِيراً» .."[4]



================



27-
يردُّ السلام على من سلَّم عليه وهو في قبره والصلاة كذلك :



عَنْ
أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -
r - قَالَ « مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَىَّ
إِلاَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَىَّ رُوحِى حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ ».[5]



وعَنْ
أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r - « لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَلاَ
تَجْعَلُوا قَبْرِى عِيدًا وَصَلُّوا عَلَىَّ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِى
حَيْثُ كُنْتُمْ ».[6]



وعَنْ
أَبِى أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r - :« أَكْثِرُوا عَلَىَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِى
كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ فَإِنَّ صَلاَةَ أُمَّتِى تُعْرَضُ عَلَىَّ فِى كُلِّ
يَوْمِ جُمُعَةٍ ، فَمَنْ كَانَ أَكْثَرَهُمْ عَلَىَّ صَلاَةً كَانَ أَقْرَبَهُمْ
مِنِّى مَنْزِلَةً ».[7]



وعَنْ
أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ
r قَالَ: " أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ
فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ يُصَلِّي عَلَيَّ أَحَدٌ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ إِلَّا عُرِضَتْ عَلَيَّ صَلَاتُهُ " [8]



================



28-
الأرض لا تأكل جسده :



عَنْ
أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r - « إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ قُبِضَ وَفِيهِ النَّفْخَةُ وَفِيهِ
الصَّعْقَةُ فَأَكْثِرُوا عَلَىَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ
مَعْرُوضَةٌ عَلَىَّ ». قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ
صَلاَتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ يَقُولُونَ بَلِيتَ. فَقَالَ « إِنَّ اللَّهَ
عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ ».[9]



وعَنْ
أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ -
r - « إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ فَأَكْثِرُوا عَلَىَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ
مَعْرُوضَةٌ عَلَىَّ ». قَالَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ
صَلاَتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ قَالَ يَقُولُونَ بَلِيتَ. قَالَ « إِنَّ
اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ ».[10]



وعَنْ
شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r - « إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ النَّفْخَةُ وَفِيهِ الصَّعْقَةُ
فَأَكْثِرُوا عَلَىَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ
عَلَىَّ ». فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تُعْرَضُ صَلاَتُنَا
عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ - يَعْنِى بَلِيتَ -. فَقَالَ « إِنَّ اللَّهَ قَدْ
حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ ».[11]



وعَنْ
أَبِى الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r - « أَكْثِرُوا الصَّلاَةَ عَلَىَّ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ مَشْهُودٌ تَشْهَدُهُ الْمَلاَئِكَةُ وَإِنَّ أَحَدًا لَنْ
يُصَلِّىَ عَلَىَّ إِلاَّ عُرِضَتْ عَلَىَّ صَلاَتُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا ».
قَالَ قُلْتُ وَبَعْدَ الْمَوْتِ قَالَ « وَبَعْدَ الْمَوْتِ إِنَّ اللَّهَ
حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ ». فَنَبِىُّ
اللَّهِ حَىٌّ يُرْزَقُ.[12]



وَمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ أَنَّ
النَّبِيَّ
r قَالَ:« أَتَيْتُ - وَفِى رِوَايَةِ مَرَرْتُ -
عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِى عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ
يُصَلِّى فِى قَبْرِهِ ».
[13]


وعَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِىِّ سَمِعْتُ
أَنَسًا يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
r :« مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى وَهُوَ يُصَلِّى فِى
قَبْرِهِوفي رواية:مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِى »
[14] . "والصلاةُ
تستدعى بدناً حياً،فنبينا -
r - أولى بهذه الحياة،والاستغاثةُ به في حياتِهrثابتة بالدعاءِ،فكذلك
بعد انتقالِه ورفاقه" .
[15]


قال
البيهقي : " : والأنبياء عليهم السلام بعدما قبضوا ردت إليهم أرواحهم فهم
أحياء عند ربهم كالشهداء ، وقد رأى نبينا
rجماعة منهم
ليلة المعراج وأمر بالصلاة عليه والسلام عليه . وأخبر - وخبره صدق - أن صلاتنا
معروضة عليه وأن سلامنا يبلغه ، وأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ،
وقد أفردنا لإثبات حياتهم كتابا ، فنبينا
rكان مكتوبا
عند الله عز وجل قبل أن يخلق نبيا ورسولا ، وهو بعدما قبضه نبي الله ورسوله وصفيه
وخيرته من خلقه والذين يبلغون عنه أوامره ونواهيه خلفاؤه ، فرسالته باقية وشريعته
ظاهرة حتى يأتي أمر الله عز وجل ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما "[16]



================





29-
عرض أعمالنا عليه في قبره :



عَنْ
عَبْدِ اللهِ ، عَنِ النَّبِيِّ
r، قَالَ : إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيَّاحِينَ يُبَلِّغُونِي
عَنْ أُمَّتِي السَّلامَ قَالَ : وَقَالَ رَسُولُ اللهِ
r: حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُحَدِّثُونَ وَنُحَدِّثُ لَكُمْ ،
وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ ، فَمَا رَأَيْتُ مِنَ
خَيْرٍ حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ ، وَمَا رَأَيْتُ مِنَ شَرٍّ اسْتَغْفَرْتُ
اللَّهَ لَكُمْ.

[17]
.


وقد حاول الشيخ ناصر الألباني رحمه الله تضعيف
هذا الحديث بحجة أنه روي عن غير عبد العزيز بن أبى رواد المكي دون الزيادة
فاعتبرها شاذة أو منكرة
[18].


وجود العراقي سنده[19]،وقال
السيوطي صحيحٌ إسناده
[20] .


قلت:والصواب أنه حسن على الأقل
لأمور:



الأول- أن الأكثر على توثيق
عبد العزيز بن أبى رواد المكى.
[21]


الثاني - هنا عندنا حديثان
بسند واحد ليس إلا،فلا علاقة له بزيادة الثقات،إذ زيادة الثقات تكون عادة في
الحديث نفسه زيادة ونقصاً،وليس في حديثين مختلفين لفظاً ومعنى .



الثالث- أنه لم ينصَّ عالم
من علماء الجرح والتعديل على تضعيف هذه الرواية،فدلَّ على قبولها عندهم،بل نصوا على
تقويتها.



الرابع - هناك حديث صحيح مرسل
روي عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ
r
:" حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُحَدِّثُونَ وَيُحَدَّثُ لَكُمْ
وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ فَمَا كَانَ مِنْ حَسَنٍ
حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ وَمَا كَانَ مِنْ سَيِّئٍ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ
لَكُمْ" .
[22]


وَأَخْرَجَ اِبْن الْمُبَارَك فِي الزُّهْد
مِنْ طَرِيق عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ
الْمُسَيِّبِ يَقُولُ:" لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ إِلَّا يُعْرَضُ فِيهِ عَلَى
النَّبِيِّ
r أُمَّتُهُ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً،فَيَعْرِفُهُمْ
بِسِيمَاهُمْ،لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ،يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:فَكَيْفَ
إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ
شَهِيدًا " "
[23]


ويقويه أيضاً حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ -
r - قَالَ:« مَا مِنْ أَحَدٍ
يُسَلِّمُ عَلَىَّ إِلاَّ رَدَّ اللَّهُ عَلَىَّ رُوحِى حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ
السَّلاَمَ »
[24].


وبذلك
تسقط الشبهة في رد هذا الحديث،وبقي إشكال تشبث به البعض وهو حديث مروي عن ابن
عباسٍ فذكر حديثًا وفيه:«
أَلاَ وَإِنَّهُ
يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِى فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ، فَأَقُولُ
يَا رَبِّ أُصَيْحَابِى . فَيُقَالُ إِنَّكَ لاَ تَدْرِى مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ
. »
[25]. فقالوا:هذا
الحديث دليلٌ على أن النبي
r لا يعلم أعمال أمته بعده. حيث استشكل مع قوله r
" حَيَاتِي
خَيْرٌ لَكُمْ تُحَدِّثُونَ وَنُحَدِّثُ لَكُمْ ، وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ
تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ ، فَمَا رَأَيْتُ مِنَ خَيْرٍ حَمِدْتُ اللَّهَ
عَلَيْهِ ، وَمَا رَأَيْتُ مِنَ شَرٍّ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ لَكُمْ " ». قال
الزرقاني:"قد أجاب بعضهم:بأن مناداتهم لزيادة الحسرة والنكال،إذ بمناداته لهم
حصل عندهم رجاء النجاة،وقطع ما يرجى أشدّ في النكال والحسرة من قطع ما لا يرجى،ولا
ينافيه قولهم إنهم بدلوا بعدك لأنه أيضاً زيادة في تنكيلهم،وهي أجوبة إقناعية يرد
على ثالثها رواية:«
فَأَقُولُ يَا رَبِّ
أُصَيْحَابِى . فَيُقَالُ إِنَّكَ لاَ تَدْرِى مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ »" .

[26]



================



30- النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم


قال
تعالى : { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ
أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ
اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى
أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (6) }
[الأحزاب/6]



جَعَلَ
اللهُ الرَّسُولَ
rأَوْلى
بِالمُؤْمِنينِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَولاَيَتَهُ مُقَدَّمَةً عَلَى وِلاَيَتِهِمْ
عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، لأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لاَ يَأَمُرُهُمْ إِلاَّ بِمَا
فِيهِ خَيْرُهُمْ وَصَلاَحُهُمْ ، أَمَّا النَّفْسُ فَأَمَّارَةٌ بالسُّوءِ ،
وَقَدْ تَجْهَلُ بَعْضَ المَصَالِحِ . وَجَعَلَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ فِي مَقَامِ
الأُمّهَاتِ لِلْمُؤْمِنينَ فِي الحُرْمَةِ والاحتِرَامِ . وَكَانَ التَّوَارُثُ
فِي بَدْءِ الإِسْلامِ بِالحِلْفِ وَالمُؤَاخَاةِ بَينَ المُسلِيِمينَ ، فَكَانَ
المُتآخِيَانِ يَتَوَأرَثَانِ ( وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَينِ نَسَباً ) دُونَ
سَائِرِ الأَقْرِبَاءِ ، فَأَبْطَلَ اللهُ تَعَالى هذا التَّعَامُلَ فِي هذهِ
الآيةِ ، وَرَدَّ المِيرَاثَ إِلى أَقْرِبَاءِ النَّسَبِ ، فَجَعَلَ أُولِي
الأَرْحَامِ بِحَقِّ القَرَابَةِ ، أَولى بالمِيراثِ مِنَ المُؤمِنينَ بِحَقِّ
الدِّينِ ، والمُهَاجِرِينَ بِحَقِّ الهِجْرَةِ . واسْتَثْنَى اللهُ تَعَالَى مِنْ
هذا الحُكْمِ الوَصِيَّةَ ( المَعْرُوفَ ) ، التي يُريدُ أَحَدُهُمْ أَنْ يُوصِيَ
بِها إِلى أَحَدِ المُهَاجِرِينَ والمُؤْمِنينَ ( أَوْلِيَائِكُمْ ) فَإِنَّهُ فِي
هذِهِ الحَالِ يَسْتَحِقُّها دُونَ ذَوِي الحُقُوقِ فِي المِيراثِ مِنْ
أَقْرِبَاءِ النّضسَبِ . ثُمَّ قَالَ تَعَالى : إِنَّ جَعْلَ ذَوِي الأَرْحَامِ
بَعْضَهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في المِيراثِ هُوَ حُكْمٌ قَدَّرَهُ الله تَعَالَى ،
وَأَثْبَتَهُ فِي كِتَابِهِ الذِي لاَ يُبَدِّلُ وَلاَ يُغَيَّرُ .[27]



"
لقد هاجر المهاجرون من مكة إلى المدينة ، تاركين وراءهم كل شي ء ، فارين إلى اللّه
بدينهم ، مؤثرين عقيدتهم على وشائج القربى ، وذخائر المال ، وأسباب الحياة ،
وذكريات الطفولة والصبا ، ومودات الصحبة والرفقة ، ناجين بعقيدتهم وحدها ، متخلين
عن كل ما عداها. وكانوا بهذه الهجرة على هذا النحو ، وعلى هذا الانسلاخ من كل عزيز
على النفس ، بما في ذلك الأهل والزوج والولد - المثل الحي الواقع في الأرض على
تحقق العقيدة في صورتها الكاملة ، واستيلائها على القلب ، بحيث لا تبقى فيه بقية
لغير العقيدة. وعلى توحيد الشخصية الإنسانية لتصدق قول اللّه تعالى : «ما جَعَلَ
اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ» ..



كذلك
وقع في المدينة شيء من هذا في صورة أخرى. فقد دخل في الإسلام أفراد من بيوت ، وظل
آخرون فيها على الشرك. فانبتت العلاقة بينهم وبين قرابتهم. ووقع على أية حال تخلخل
في الروابط العائلية وتخلخل أوسع منه في الارتباطات الاجتماعية.



وكان
المجتمع الإسلامي لا يزال وليدا ، والدولة الإسلامية الناشئة أقرب إلى أن تكون
فكرة مسيطرة على النفس ، من أن تكون نظاما مستندا إلى أوضاع مقررة.



هنا
ارتفعت موجة من المد الشعوري للعقيدة الجديدة ، تغطي على كل العواطف والمشاعر ،
وكل الأوضاع والتقاليد ، وكل الصلات والروابط. لتجعل العقيدة وحدها هي الوشيجة
التي تربط القلوب ، وتربط - في الوقت ذاته - الوحدات التي انفصلت عن أصولها
الطبيعية في الأسرة والقبيلة فتقوم بينها مقام الدم والنسب ، والمصلحة والصداقة
والجنس واللغة وتمزج بين هذه الوحدات الداخلة في الإسلام ، فتجعل منها كتلة حقيقية
متماسكة متجانسة متعاونة متكافلة. لا بنصوص التشريع ، ولا بأوامر الدولة ولكن
بدافع داخلي ومد شعوري.



يتجاوز
كل ما ألفه البشر في حياتهم العادية. وقامت الجماعة الإسلامية على هذا الأساس ،
حيث لم يكن مستطاعا أن تقوم على تنظيم الدولة وقوة الأوضاع.



نزل
المهاجرون على إخوانهم الأنصار ، الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم فاستقبلوهم
في دورهم وفي قلوبهم ، وفي أموالهم. وتسابقوا إلى إيوائهم وتنافسوا فيهم حتى لم
ينزل مهاجري في دار أنصاري إلا بقرعة. إذ كان عدد المهاجرين أقل من عدد الراغبين
في إيوائهم من الأنصار. وشاركوهم كل شيء عن رضى نفس ، وطيب خاطر ، وفرح حقيقي مبرأ
من الشح الفطري ، كما هو مبرأ من الخيلاء والمراءاة! وآخى رسول اللّه -
r
- بين رجال من المهاجرين ورجال من الأنصار. وكان هذا الإخاء صلة
فريدة في تاريخ التكافل بين أصحاب العقائد. وقام هذا الإخاء مقام أخوة الدم ، فكان
يشمل التوارث والالتزامات الأخرى الناشئة عن وشيجة النسب كالديات وغيرها.



وارتفع
المد الشعوري في هذا إلى ذروة عالية وأخذ المسلمون هذه العلاقة الجديدة مأخذ الجد
- شأنهم فيها شأنهم في كل ما جاءهم به الإسلام - وقام هذا المد في إنشاء المجتمع
الإسلامي وحياطته مقام الدولة المتمكنة والتشريع المستقر والأوضاع المسلمة. بل بما
هو أكثر. وكان ضروريا لحفظ هذه الجماعة الوليدة وتماسكها في مثل تلك الظروف
الاستثنائية المتشابكة التي قامت فيها.



وإن
مثل هذا المد الشعوري لضروري لنشأة كل جماعة تواجه مثل تلك الظروف ، حتى توجد
الدولة المتمكنة والتشريع المستقر والأوضاع المسلمة ، التي توفر الضمانات
الاستثنائية لحياة تلك الجماعة ونموها وحمايتها.وذلك إلى أن تنشأ الأحوال والأوضاع
الطبيعية.



وإن
الإسلام - مع حفاوته بذلك المد الشعوري ، واستبقاء ينابيعه في القلب مفتوحة دائما
فوارة دائما ، مستعدة للفيضان. لحريص على أن يقيم بناءه على أساس الطاقة العادية ،
للنفس البشرية لا على أساس الفورات الاستثنائية ، التي تؤدي دورها في الفترات
الاستثنائية ثم تترك مكانها للمستوى الطبيعي ، وللنظام العادي ، متى انقضت فترة
الضرورة الخاصة.



ومن
ثم عاد القرآن الكريم - بمجرد استقرار الأحوال في المدينة شيئا ما بعد غزوة بدر ،
واستتباب الأمر للدولة الإسلامية ، وقيام أوضاع اجتماعية مستقرة بعض الاستقرار ،
ووجود أسباب معقولة للارتزاق ، وتوفر قدر من الكفاية للجميع على إثر السرايا التي
جاءت بعد غزوة بدر الكبرى ، وبخاصة ما غنمه المسلمون من أموال بني قينقاع بعد
إجلائهم .. عاد القرآن الكريم بمجرد توفر هذه الضمانات إلى إلغاء نظام المؤاخاة من
ناحية الالتزامات الناشئة من الدم والنسب ، مستبقيا إياه من ناحية العواطف
والمشاعر ، ليعود إلى العمل إذا دعت الضرورة. ورد الأمور إلى حالتها الطبيعية في
الجماعة الإسلامية. فرد الإرث والتكافل في الديات إلى قرابة الدم والنسب - كما هي
أصلا في كتاب اللّه القديم وناموسه الطبيعي : «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ
أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا
أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً. كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ
مَسْطُوراً» ..



وقرر
في الوقت ذاته الولاية العامة للنبي -
r - وهي ولاية تتقدم على قرابة الدم ، بل على
قرابة النفس! : «النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» .. وقرر
الأمومة الشعورية لأزواج النبي -
r - بالنسبة لجميع المؤمنين : «وَأَزْواجُهُ
أُمَّهاتُهُمْ» ..



وولاية
النبي -
r - ولاية عامة تشمل رسم منهاج الحياة بحذافيرها ،
وأمر المؤمنين فيها إلى الرسول - عليه صلوات اللّه وسلامه - ليس لهم أن يختاروا
إلا ما اختاره لهم بوحي من ربه : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به».



وتشمل
مشاعرهم فيكون شخصه -
r - أحب إليهم من أنفسهم. فلا يرغبون بأنفسهم عنه
ولا يكون في قلوبهم شخص أو شيء مقدم على ذاته! جاء في الصحيح عن عَبْدِ اللَّهِ
بْنِ هِشَامٍ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهْوَ آخِذٌ
بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ
أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ إِلاَّ مِنْ نَفْسِى . فَقَالَ النَّبِىُّ -
صلى الله عليه وسلم - « لاَ وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ
إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ » . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ فَإِنَّهُ الآنَ وَاللَّهِ
لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ نَفْسِى . فَقَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم
- « الآنَ يَا عُمَرُ »[28]
. .



وليست
هذه كلمة تقال ، ولكنها مرتقى عال ، لا يصل إليه القلب إلا بلمسة لدنية مباشرة
تفتحه على هذا الأفق السامي الوضيء الذي يخلص فيه من جاذبية الذات وحبها المتوشج
بالحنايا والشعاب. فإن الإنسان ليحب ذاته ويحب كل ما يتعلق بها حبا فوق ما يتصور ،
وفوق ما يدرك! وإنه ليخيل إليه أحيانا أنه طوّع مشاعره ، وراض نفسه ، وخفض من
غلوائه في حب ذاته ، ثم ما يكاد يمس في شخصيته بما يخدش اعتزازه بها ، حتى ينتفض
فجأة كما لو كانت قد لدغته أفعى! ويحس لهذه المسة لذعا لا يملك انفعاله معه ، فإن
ملكه كمن في مشاعره ، وغار في أعماقه! ولقد يروض نفسه على التضحية بحياته كلها
ولكنه يصعب عليه أن يروضها على تقبل المساس بشخصيته فيما يعده تصغيرا لها ، أو
عيبا لشيء من خصائصها ، أو نقدا لسمة من سماتها ، أو تنقصا لصفة من صفاتها. وذلك
رغم ما يزعمه صاحبها من عدم احتفاله أو تأثره! والتغلب على هذا الحب العميق للذات
ليس كلمة تقال باللسان ، إنما هو كما قلنا مرتقى عال لا يصل إليه القلب إلا بلمسة
لدنية أو بمحاولة طويلة ومرانة دائمة ، ويقظة مستمرة ورغبة مخلصة تستنزل عون اللّه
ومساعدته.



وهي
الجهاد الأكبر كما سماه رسول اللّه -
r - ويكفي أن عمر - وهو من هو - قد احتاج فيها إلى
لفتة من النبي -
r - كانت هي اللمسة التي فتحت هذا القلب الصافي.


وتشمل
الولاية العامة كذلك التزاماتهم. جاء في الصحيح عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله
عنه - أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ
وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (
النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ
مَاتَ وَتَرَكَ مَالاً فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا ، وَمَنْ تَرَكَ
دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِى فَأَنَا مَوْلاَهُ »[29]
.



والمعنى
أنه يؤدي عنه دينه إن مات وليس له مال يفي بدينه ويعول عياله من بعده إن كانوا
صغارا.وفيما عدا هذا فإن الحياة تقوم على أصولها الطبيعية التي لا تحتاج إلى مد
شعوري عال ، ولا إلى فورة شعورية استثنائية. مع الإبقاء على صلات المودة بين
الأولياء بعد إلغاء نظام الإخاء. فلا يمتنع أن يوصي الولي لوليه بعد مماته أو أن
يهبه في حياته .. «إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً» ..ويشد
هذه الإجراءات كلها إلى العروة الأولى ، ويقرر أن هذه إرادة اللّه التي سبق بها
كتابه الأزلي : «كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً» .. فتقر القلوب وتطمئن
وتستمسك بالأصل الكبير الذي يرجع إليه كل تشريع وكل تنظيم.



بذلك
تستوي الحياة على أصولها الطبيعية وتسير في يسر وهوادة ولا تظل معلقة مشدودة إلى
آفاق لا تبلغها عادة إلا في فترات استثنائية محدودة في حياة الجماعات والأفراد.



ثم
يستبقي الإسلام ذلك الينبوع الفياض على استعداد للتفجر والفيضان ، كلما اقتضت ذلك
ضرورة طارئة في حياة الجماعة المسلمة."
[30]





______________












[1] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 4994)






[2] - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 846)






[3] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 2767)






[4] -فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 2561)






[5] - سنن أبي داود - المكنز - (2043 ) صحيح


وإنما
أراد - والله أعلم - إلا وقد رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام .حياة الأنبياء
في قبورهم للبيهقي - (1 / 16)







[6] - سنن أبي داود - المكنز - (2044 ) صحيح






[7] - السنن الكبرى للبيهقي- المكنز - (3 / 249)
(6208) حسن



وَرُوِىَ ذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ عَنْ أَنَسٍ
بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ تَرْجِعُ كُلُّهَا إِلَى التَّحْرِيضِ عَلَى الصَّلاَةِ
عَلَى النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ
وَفِى بَعْضِ إِسْنَادِهَا ضَعْفٌ وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ وَبِاللَّهِ
التَّوْفِيقُ.







[8] - شعب الإيمان - (4 / 433) (2769 ) صحيح






[9] - سنن أبي داود - المكنز - (1049 ) صحيح -أَرَمَ
: بلى -أرمت : بليت







[10] - سنن أبي داود - المكنز - (1533 ) صحيح






[11] - سنن ابن ماجه- المكنز - (1138 ) صحيح






[12] - سنن ابن ماجه- المكنز - (1706 ) صحيح






[13] - صحيح مسلم برقم (6306 ).






[14] - صحيح مسلم برقم (6308 )






[15] - جلاء العينين في محاكمة الأحمدين ، (ج 1 / ص
119)







[16] - الاعتقاد للبيهقي - (1 / 315)






[17] - مسند البزار 1-14 - (ج 2 / ص 458) برقم(1925)
والإتحاف 9/176 و177 ومطالب (3853) وإتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة -
(ج 7 / ص 30) برقم(6412) وهو حديث حسن







[18]
السلسلة الضعيفة (ج 2 / ص 474) ، رقم(975)، الحويني، الفتاوى الحديثية ،(ج 2 / ص
16).







[19]- طرح التثريب، (ج 4 / ص 308)
و(3/297).







[20]-الخصائص، (2/491)






[21]- انظر تهذيب الكمال[ ج18 - ص 136 ] برقم(3447 ).






[22] - أخرجه
في بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث - (ج 2 / ص 884) برقم(953) وفي فضل الصلاة
على النبي لإسماعيل بن إسحاق - (ج 1 / ص 25) برقم (24و25) من طرق عنه وهو صحيح
مرسل مما يقوي بيقين حديث عبد المجيد
ويردُّ الوهم عنه







[23] - فتح
الباري لابن حجر - (ج 14 / ص 279) وعمدة القاري شرح صحيح البخاري - (ج 21 / ص
160و162 ) وتحفة الأحوذي - (ج 7 / ص 345) وسكتوا عليه . و
الزُّهْدُ
وَالرَّقَائِقُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ(1778) وفيه رجل من الأنصار لم يسمََّ .







[24] - سنن أبى داود(2043 ) وهو حديث صحيح لغيره .






[25] - صحيح البخارى(4625) ومسلم (7380 )






[26] - شرح الزرقاني على موطأ مالك، (ج 1 / ص 131)






[27] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 3420)






[28] - صحيح البخارى- المكنز - (6632 )






[29] - صحيح البخارى- المكنز - (2399 )






[30] - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 2827)
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

تابع

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين مارس 15, 2010 1:05 pm

النوع الثاني


ما اختصّ بهr لذاته في الآخرة





اختصّ رسول اللّهr بخصائص لذاته في الآخرة لم يعطها غيره
من الأنبياء عليهم السّلام. ممّا يدلّ على منزلته وعظيم قدره عند ربّه تبارك
وتعالى. ومن ذلك الوسيلة، والفضيلة، والحوض والكوثر، واللّواء ....وغير ذلك ممّا
سيأتي.



1- حوض
النبي
r


يكرم
الله عبده ورسوله محمدا
r في الموقف العظيم بإعطائه حوضا واسع الأرجاء
ماؤه أبيض من اللبن ، وأحلى من العسل ، وريحه أطيب من المسك ، وكيزانه كنجوم
السماء ، يأتيه هذا الماء الطيب من نهر الكوثر ، الذي أعطاه لرسوله
r
في الجنة ، ترد عليه أمة المصطفى
r ، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا.


وقد
اختلف أهل العلم في موضعه فذهب الغزالي والقرطبي إلى أنه يكون قبل المرور على
الصراط في عرصات يوم القيامة، واستدلوا على ذلك بأنه يؤخذ بعض وارديه إلى النار
فلو كان بعد الصراط لما استطاعوا الوصول إليه، واستظهر ابن حجر أن مذهب البخاري أن
الحوض يكون بعد الصراط لأن البخاري أورد أحاديث الحوض بعد أحاديث الشفاعة ،
وأحاديث نصب الصراط . وما ذهب إليه الغزالي والقرطبي أرجح .



عَنِ
ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ النَّبِىُّ
-
r - « حَوْضِى مَسِيرَةُ شَهْرٍ ، مَاؤُهُ
أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ ، وَكِيزَانُهُ
كَنُجُومِ السَّمَاءِ ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلاَ يَظْمَأُ أَبَدًا » متفق عليه[1]
.



وعَنِ
ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، قَالَ : قَالَ : ابْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : رَسُولُ اللهِ
r
: حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ ، زَوَايَاهُ سَوَاءً ، مَاؤُهُ
أَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ ، وَأَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ ، آنِيَتُهُ كَنُجُومِ
السَّمَاءِ ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لاَ يَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَدًا.[2]



وعَنْ
أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -
r - قَالَ « إِنَّ حَوْضِى أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ
مِنْ عَدَنٍ لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ
بِاللَّبَنِ وَلآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ وَإِنِّى لأَصُدُّ
النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ ».
قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ قَالَ « نَعَمْ لَكُمْ
سِيمَا لَيْسَتْ لأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ تَرِدُونَ عَلَىَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ
مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ »[3].



المحجل
: أبيض مواضع الوضوء من اليدين -الغر : جمع الأغر وهو أبيض الوجه



وعَنْ
قَتَادَةَ قَالَ قَالَ أَنَسٌ قَالَ نَبِىُّ اللَّهِ -
r - « تُرَى فِيهِ أَبَارِيقُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ »[4].



وعَنْ
ثَوْبَانَ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ -
r - قَالَ « إِنِّى لَبِعُقْرِ حَوْضِى أَذُودُ
النَّاسَ لأَهْلِ الْيَمَنِ أَضْرِبُ بِعَصَاىَ حَتَّى يَرْفَضَّ عَلَيْهِمْ ».
فَسُئِلَ عَنْ عَرْضِهِ فَقَالَ « مِنْ مَقَامِى إِلَى عَمَّانَ ». وَسُئِلَ عَنْ
شَرَابِهِ فَقَالَ « أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ
يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ
وَالآخَرُ مِنْ وَرِقٍ »[5].



يغت
: يدفق فيه دفقا دائما متتابعا -الورق : الفضة -الميزاب : أنبوبة تركب فى جانب
البيت من أعلاه لينصرف منها ماء المطر



وعَنْ
حَارِثَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ -
r - قَالَ « حَوْضُهُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ
وَالْمَدِينَةِ ». فَقَالَ لَهُ الْمُسْتَوْرِدُ أَلَمْ تَسْمَعْهُ قَالَ «
الأَوَانِى ». قَالَ لاَ. فَقَالَ الْمُسْتَوْرِدُ « تُرَى فِيهِ الآنِيَةُ مِثْلَ
الْكَوَاكِبِ »[6].



وعَنِ
ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r - « إِنَّ أَمَامَكُمْ حَوْضًا مَا بَيْنَ
نَاحِيَتَيْهِ كَمَا بَيْنَ جَرْبَا وَأَذْرُحَ »[7].



وعَنْ
عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -
r - قَالَ « إِنَّ أَمَامَكُمْ حَوْضًا كَمَا
بَيْنَ جَرْبَا وَأَذْرُحَ فِيهِ أَبَارِيقُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ مَنْ وَرَدَهُ
فَشَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا »[8].



وعَنْ
أَبِى ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا آنِيَةُ الْحَوْضِ قَالَ «
وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ
السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا أَلاَ فِى اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْمُصْحِيَةِ
آنِيَةُ الْجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَظْمَأْ آخِرَ مَا عَلَيْهِ
يَشْخُبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ
عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ مَا بَيْنَ عَمَّانَ إِلَى أَيْلَةَ مَاؤُهُ أَشَدُّ
بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ »[9].



يشخب
: يسيل -المصحية : التى لا غيم فيها -الميزاب : أنبوبة تركب فى جانب البيت من أعلاه
لينصرف منها ماء المطر



وعَنْ
جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ
r
: أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ.[10]



وعَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ
r : مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ
صَنْعَاءَ ، وَالْمَدِينَةِ.[11]



وعَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ
r ، قَالَ : مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا
بَيْنَ الْمَدِينَةِ ، وَصَنْعَاءَ ، أَوْ كَمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ ،
وَعَمَّانَ.[12]



قَالَ
أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : هَذِهِ الأَخْبَارُ الأَرْبَعُ قَدْ
تُوهِمُ مَنْ لَمْ يُحْكِمُ صِنَاعَةَ الْحَدِيثِ أَنَّهَا مُتَضَادَّةٌ ، أَوْ
بَيْنَهَا تَهَاتِرُ ، لأَنَّ فِي خَبَرِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ : مَا بَيْنَ
صَنْعَاءَ ، وَالْمَدِينَةِ وَفِي خَبَرِ جَابِرٍ : مَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى
مَكَّةَ ، وَفِي خَبَرِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ : مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إِلَى
بُصْرَى ، وَفِي خَبَرِ قَتَادَةَ : مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَعَمَّانَ ،
وَلَيْسَ بَيْنَ هَذِهِ الأَخْبَارِ تَضَادٌّ ، وَلاَ تَهَاتِرٌ ، لأَنَّهَا
أَجْوِبَةٌ خَرَجَتْ عَلَى أَسْئِلَةٍ ذَكَرَ الْمُصْطَفَى
r ، فِي كُلِّ خَبَرٍ مِمَّا ذَكَرْنَا جَانِبًا
مِنْ جَوَانِبِ حَوْضِهِ أَنَّ مَسِيرَةَ كُلَّ جَانِبٍ مِنْ حَوْضِهِ مَسِيرَةُ
شَهْرٍ ، فَمِنْ صَنْعَاءَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِغَيْرِ
الْمُسْرِعِ ، وَمِنْ أَيْلَةَ إِلَى مَكَّةَ كَذَلِكَ ، وَمِنْ صَنْعَاءَ إِلَى
بُصْرَى كَذَلِكَ ، وَمِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى عَمَّانَ ، الشَّامِ كَذَلِكَ.



وعَنْ
عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ -
r - قَالَ « أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ ،
وَلَيُرْفَعَنَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِى فَأَقُولُ يَا
رَبِّ أَصْحَابِى . فَيُقَالُ إِنَّكَ لاَ تَدْرِى مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ » رواه
البخاري[13]



وعَنْ
أَبِى حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِىَّ -
r
- يَقُولُ « أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ ، مَنْ وَرَدَهُ
شَرِبَ مِنْهُ ، وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا ، لَيَرِدُ
عَلَىَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِى ، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِى
وَبَيْنَهُمْ »[14]
. الفرط : المتقدم والمراد الشفيع



وعَنِ
الصُّنَابِحِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ
r : أَلاَ إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ ،
وَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ ، فَلاَ تَقْتَتِلُنَّ بَعْدِي.[15]



وعَنْ
سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ -
r - « إِنِّى فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ ، مَنْ
مَرَّ عَلَىَّ شَرِبَ ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا ، لَيَرِدَنَّ
عَلَىَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِى ، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِى
وَبَيْنَهُمْ » . قَالَ أَبُو حَازِمٍ فَسَمِعَنِى النُّعْمَانُ بْنُ أَبِى
عَيَّاشٍ فَقَالَ هَكَذَا سَمِعْتَ مِنْ سَهْلٍ فَقُلْتُ نَعَمْ . فَقَالَ أَشْهَدُ
عَلَى أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ لَسَمِعْتُهُ وَهْوَ يَزِيدُ فِيهَا « فَأَقُولُ
إِنَّهُمْ مِنِّى . فَيُقَالُ إِنَّكَ لاَ تَدْرِى مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ .
فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِى » . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ
سُحْقًا بُعْدًا ، يُقَالُ سَحِيقٌ بَعِيدٌ ، وَأَسْحَقَهُ أَبْعَدَهُ .[16]



وعَنْ
أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -
r - أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ « السَّلاَمُ
عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ
لاَحِقُونَ وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا ». قَالُوا أَوَلَسْنَا
إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « أَنْتُمْ أَصْحَابِى وَإِخْوَانُنَا
الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ ». فَقَالُوا كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ
بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ « أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ
رَجُلاً لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَىْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ
أَلاَ يَعْرِفُ خَيْلَهُ ». قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «
فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ
عَلَى الْحَوْضِ أَلاَ لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِى كَمَا يُذَادُ
الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلاَ هَلُمَّ. فَيُقَالُ إِنَّهُمْ قَدْ
بَدَّلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا »[17].



بهم
: جمع بهيم وهو الأسود وقيل الذى لايخالط لونه لون سواه -الدهم : جمع أدهم وهو
الأسود



وعَنْ
أَبِى حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ سَهْلاً يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِىَّ -
r
- يَقُولُ « أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ وَرَدَ
شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا وَلَيَرِدَنَّ عَلَىَّ أَقْوَامٌ
أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِى ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِى وَبَيْنَهُمْ ». قَالَ أَبُو
حَازِمٍ فَسَمِعَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِى عَيَّاشٍ وَأَنَا أُحَدِّثُهُمْ هَذَا
الْحَدِيثَ فَقَالَ هَكَذَا سَمِعْتَ سَهْلاً يَقُولُ قَالَ فَقُلْتُ نَعَمْ.
قَالَ وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ لَسَمِعْتُهُ يَزِيدُ
فَيَقُولُ « إِنَّهُمْ مِنِّى. فَيُقَالُ إِنَّكَ لاَ تَدْرِى مَا عَمِلُوا
بَعْدَكَ. فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِى »[18].
الفرط : المتقدم والمراد الشفيع



وعَنْ
أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r - « تَرِدُ عَلَىَّ أُمَّتِى الْحَوْضَ وَأَنَا
أَذُودُ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ إِبِلَ الرَّجُلِ عَنْ إِبِلِهِ
». قَالُوا يَا نَبِىَّ اللَّهِ أَتَعْرِفُنَا قَالَ « نَعَمْ لَكُمْ سِيمَا
لَيْسَتْ لأَحَدٍ غَيْرِكُمْ تَرِدُونَ عَلَىَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ
الْوُضُوءِ وَلَيُصَدَّنَّ عَنِّى طَائِفَةٌ مِنْكُمْ فَلاَ يَصِلُونَ فَأَقُولُ
يَا رَبِّ هَؤُلاَءِ مِنْ أَصْحَابِى فَيُجِيبُنِى مَلَكٌ فَيَقُولُ وَهَلْ
تَدْرِى مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ »[19].



المحجل
: أبيض مواضع الوضوء من اليدين -الغر : جمع الأغر وهو أبيض الوجه



وعن جَابِرَ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ
r يَقُولُ : أَنَا فَرَطُكُمْ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ
، فَإِنْ لَمْ تَجِدُونِي فَأَنَا عَلَى الْحَوْضِ مَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى
مَكَّةَ ، وَسَيَأْتِي رِجَالٌ وَنِسَاءٌ بِآنِيَةٍ وَقِرَبٍ ثُمَّ لاَ يَذُوقُونَ
مِنْهُ شَيْئًا[20].



قَالَ
أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَوْلُهُ
r : وَسَيَأْتِي رِجَالٌ وَنِسَاءٌ بِآنِيَةٍ
وَقِرَبٍ ثُمَّ لاَ يَذُوقُونَ مِنْهُ شَيْئًا أُرِيدَ بِهِ : مِنْ سَائِرِ
الْأُمَمِ الَّذِينَ قَدْ غُفِرَ لَهُمْ ، يَجِيئُونَ بِأَوَانِي لِيَسْتَقُوا بِهَا
مِنَ الْحَوْضِ ، فَلاَ يُسْقَوْنَ مِنْهُ لأَنَّ الْحَوْضَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ
خَاصٌّ دُونَ سَائِرِ الْأُمَمِ ، إِذْ مُحَالٌ أَنْ يَقْدِرَ الْكَافِرُ
وَالْمُنَافِقُ عَلَى حَمْلِ الأَوَانِي وَالْقِرَبِ فِي الْقِيَامَةِ ،
لأَنَّهُمْ يُسَاقُونَ إِلَى النَّارِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.



وعن
عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ ،قالَ : قَامَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ
اللهِ
r ، فَقَالَ : مَا حَوْضُكَ الَّذِي تُحَدِّثُ
عَنْهُ ؟ فَقَالَ : هُوَ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إِلَى بُصْرَى ، ثُمَّ يُمِدُّنِي
اللَّهُ فِيهِ بِكُرَاعٍ لاَ يَدْرِي بَشَرٌ مِمَّنْ خُلِقَ أَيُّ طَرَفَيْهِ ،
قَالَ : فَكَبَّرَ عُمَرُ ، فَقَالَ
r : أَمَّا الْحَوْضُ فَيَزْدَحِمُ عَلَيْهِ
فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ يُقْتُلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ،
وَيَمُوتُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَأَرْجُو أَنْ يُورِدَنِيَ اللَّهُ الْكُرَاعَ
فَأَشْرَبَ مِنْهُ.[21]



وقد
أورد القرطبي في "التذكرة" بعض الأحاديث التي سقناها ثم قال: ( قال
علماؤنا رحمة الله عليهم أجمعين : فكل من ارتد عن دين الله أو أحدث فيه ما لا
يرضاه الله ، ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض ، المبعدين عنه ، وأشدهم
طردا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم كالخوارج على اختلاف فرقها ، والروافض
على تباين ضلالها ، والمعتزلة على أصناف أهوائها ، فهؤلاء كلهم مبدلون. وكذلك
الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق وقتل أهله وإذلالهم والمعلنون بالكبائر
المستخفون بالمعاصي ، وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع. ثم البعد قد يكون في حال
ويقربون بعد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال ولم يكن في العقائد ، وعلى هذا
التقدير يكون نور الوضوء يعرفون به ، ثم يقال لهم سحقاً ، وإن كانوا من المنافقين
الذين كانوا على عهد رسول الله
r يظهرون الإيمان ويسرون الكفر فيأخذهم بالظاهر .
ثم يكشف لهم الغطاء فيقول لهم : سحقاً سحقاً ، ولا يخلد في النار إلا كافر جاحد
مبطل ليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان . وقد يقال : إن من أنفذ الله عليه
وعيده من أهل الكبائر إنه ، وإن ورد الحوض وشرب منه فإنه إذا دخل النار بمشيئة
الله تعالى لا يعذب بعطش ، والله أعلم [22].



================



2- الوسيلة والفضيلة[23]:


الوسيلة أعلى درجة في الجنّة لا ينالها
إلّا عبد واحد من عباد اللّه. وهو رسولنا
r .


قال الحافظ ابن كثير رحمه اللّه:
«الوسيلة» علم على أعلى منزلة في الجنّة وهي منزلة رسول اللّه
r
وداره في الجنّة، وهي أقرب أمكنة الجنّة إلى
العرش»[24].



وقال الحافظ ابن حجر رحمه اللّه:
«الفضيلة» أي المرتبة الزّائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون منزلة أخرى أو
تفسيرا للوسيلة[25].



فمنزلة الوسيلة والفضيلة خاصّة برسول
اللّه
r لا يشاركه فيهما غيره.


وممّا يؤيّد هذه
الخصوصيّة:



عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : قَالَ
النَّبِيُّ
r : مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ
: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ ، وَالصَّلاَةِ الْقَائِمَةِ ،
آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ
الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْتَهُ ، إِلاَّ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ.[26].



وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ،
أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ
r ، يَقُولُ : إِذَا سَمِعْتُمُ
الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ ، فَإِنَّهُ
مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا ، ثُمَّ سَلُوا لِيَ
الْوَسِيلَةَ ، فَإِنَّهَا مَرْتَبَةٌ فِي الْجَنَّةِ ، لاَ تَنْبَغِي إِلاَّ
لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ ، فَمَنْ سَأَلَ
اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ.[27].



وعَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدَانَ ، قَالَ :
سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللهِ
r
: الْوَسِيلَةُ دَرَجَةٌ عِنْدَ اللهِ لَيْسَ
فَوْقَهَا دَرَجَةٌ ، فَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يُؤْتِيَنِي الْوَسِيلَةَ. "[28].



وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ -
r - : " سَلُوا اللَّهَ لِي
الْوَسِيلَةَ ; فَإِنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهَا لِي عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا إِلَّا
كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . رَوَاهُ
الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ[29].



================



3- المقام المحمود:


لرسول اللّهr يوم القيامة، تشريفات وتكريمات لا يشركه
ولا يساويه فيها أحد الأنبياء فمن دونهم.



ومن ذلك المقام المحمود، الّذي يقومهr
فيحمده الخالق عزّ وجلّ والخلائق من بعده. قال
تعالى {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ
رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} (79) سورة الإسراء



وقم -أيها النبي- من نومك بعض الليل،
فاقرأ القرآن في صلاة الليل؛ لتكون صلاة الليل زيادة لك في علو القدر ورفع
الدرجات، عسى أن يبعثك الله شافعًا للناس يوم القيامة؛ ليرحمهم الله مما يكونون
فيه، وتقوم مقامًا يحمدك فيه الأولون والآخرون.[30]



وقد تعدّدت أقوال المفسّرين في معنى
«المقام المحمود»[31].



قال ابن جرير الطّبريّ- رحمه اللّه-:
قال أكثر أهل العلم ذلك هو المقام الّذي يقومه
r يوم القيامة للشّفاعة للنّاس ليريحهم ربّهم
من عظيم ما هم فيه من شدّة ذلك اليوم» [32].



وقال ابن بطّال- رحمه اللّه-: «...
والجمهور على أنّ المراد بالمقام المحمود الشّفاعة وبالغ الواحدي فنقل فيه
الإجماع»[33]



وقال ابن حجر- رحمه اللّه- بعد أن ذكر
طرفا من أقوال أئمّة التّفسير: «والرّاجح أنّ المراد بالمقام المحمود الشّفاعة»[34].



وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ،
سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ
مَقَامًا مَحْمُودًا ، قَالَ : يُجْمَعُ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ
يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ حُفَاةً عُرَاةً كَمَا خُلِقُوا
سُكُوتًا لاَ تَتَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ، قَالَ : فَيُنَادَى
مُحَمَّدٌ ، فَيَقُولُ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ
وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ الْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ وَعَبْدُكَ بَيْنَ
يَدَيْكَ وَلَكَ وَإِلَيْكَ لاَ مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ
تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ سُبْحَانَ رَبِّ الْبَيْتِ ، فَذَلِكَ الْمَقَامُ
الْمَحْمُودُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا
مَحْمُودًا "[35].



وقال ابن عباس: هذا المقام المحمود مقام
الشفاعة. وكذا قال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد. وقاله الحسن البصري.[36]



وقد جاء ذكر المقام المحمود في بعض
الأحاديث والآثار صريحا بالاسم، وفي بعضها الآخر تلميحا وذلك عند ذكر الشّفاعة
العظمى أو غيرها من معاني المقام المحمود الّتي مرّت، وسيأتي أكثرها مفصّلا في
مباحث بإذن اللّه، فممّا جاء صريحا:



عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : قَالَ
النَّبِيُّ
r : مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ
: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ ، وَالصَّلاَةِ الْقَائِمَةِ ،
آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ
الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْتَهُ ، إِلاَّ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ.[37].



وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى
الله عنهما - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ -
r- « مَا يَزَالُ
الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِىَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِى
وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ » . وَقَالَ إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ
الْقِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ ، فَبَيْنَا هُمْ
كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ ، ثُمَّ بِمُوسَى ، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ -
r- فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ ، فَيَمْشِى حَتَّى
يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا
مَحْمُودًا ، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ » [38].



وعَنْ آدَمَ بْنِ عَلِىٍّ قَالَ
سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضى الله عنهما يَقُولُ إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ جُثًا ، كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا ، يَقُولُونَ يَا فُلاَنُ
اشْفَعْ ، حَتَّى تَنْتَهِىَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِىِّ -
r- فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ .[39].


وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ -
r - فِى قَوْلِهِ (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ
رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) سُئِلَ عَنْهَا قَالَ « هِىَ الشَّفَاعَةُ ».[40].



وعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ
r ، قَالَ : يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي عَلَى تَلٍّ ، فَيَكْسُونِي رَبِّي
حُلَّةً خَضْرَاءَ ، فَأَقُولُ : مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَقُولَ ، فَذَلِكَ
الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ.[41]



================










[1] - صحيح البخارى (6579 ) وصحيح مسلم (6111 )






[2] - صحيح ابن حبان - (ج 14 / ص 364)(6452) صحيح






[3] - صحيح مسلم (604 )






[4] - صحيح مسلم (6140 )






[5] - صحيح مسلم(6130 )






[6] - صحيح مسلم (6122 )






[7] - صحيح مسلم (6124 )






[8] - صحيح
مسلم (6128)







[9] - صحيح مسلم (6129 )






[10] - صحيح ابن حبان - (ج 14 / ص 357)(6445) صحيح






[11] - صحيح ابن حبان - (ج 14 / ص 359)(6448) صحيح






[12] - صحيح ابن حبان - (ج 14 / ص 362)(6451) صحيح






[13] - صحيح البخارى(6576 ) ومسلم (6118)






[14] - صحيح البخارى (7050 ) ومسلم (6108)






[15] - صحيح ابن حبان - (ج 14 / ص 357)(6446) صحيح






[16] - صحيح البخارى (6583 و6584)






[17] - صحيح مسلم (607 )






[18] - صحيح مسلم(6108 و6109)






[19] - صحيح مسلم (605 )






[20] - صحيح ابن حبان - (ج 14 / ص 360)(6449) صحيح






[21] - صحيح ابن حبان - (ج 14 / ص 361)(6450) صحيح






[22] - التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة - (ج 1
/ ص 399)







[23] - انظر بداية السول (52)، والخصائص (2/ 390).






[24] - انظر
تفسير ابن كثير (2/ 55).







[25] - انظر فتح الباري (2/ 113).






[26] - صحيح ابن حبان - (4 / 586) (1689) وصحيح
البخارى- المكنز - (614 )







[27] - صحيح ابن حبان - (4 / 588) (1690) وصحيح مسلم-
المكنز - ( 875 )







[28] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (4 / 209)(11783)
11805- حسن







[29] - المعجم الأوسط للطبراني - (644) حسن






[30] - التفسير الميسر - (5 / 73)






[31] - فمن ذلك أنه صلّى اللّه عليه وسلّم:* أول من
تنشق عنه الأرض، وأول شافع. قاله قتادة.* إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة. أورده
الماوردي والقرطبي في تفسيرهما.* أنه يكون يوم القيامة بين الجبار جل جلاله وجبريل
عليه السلام. قال ابن حجر: أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد ابن أبي هلال أحد
صغار التابعين- انظر الفتح (11/ 435).* ثناؤه على ربه- عز وجل-. انظر في ذلك كله
تفسير ابن جرير (15/ 97- 100)، وتفسير ابن كثير (3/ 58- 59)، وفتح الباري (11/
434- 435). قال الحافظ ابن حجر رحمه اللّه بعد ذكر أقوال المفسرين «ويمكن رد
الأقوال كلها إلى الشفاعة العامة، فإن إعطاءه لواء الحمد وثناءه على ربه وكلامه
بين يديه، وقيامه أقرب من جبريل، كل ذلك صفات للمقام المحمود الذي يشفع فيه ليقضى
بين الخلق- انظر فتح الباري (11/ 435).







[32] - انظر
تفسير ابن جرير (15/ 97).







[33] - نقله
عنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (11/ 434).







[34] - انظر
فتح الباري (11/ 435).







[35] - المستدرك للحاكم( 3384) صحيح






[36] - تفسير ابن كثير - دار طيبة - (5 / 104) وتفسير
الطبري - مؤسسة الرسالة - (17 / 527) ومعجم ابن المقرئ - (545) وهو ضعيف







[37] - صحيح ابن حبان - (4 / 586) (1689) وصحيح
البخارى- المكنز - (614 )







[38] - صحيح البخارى- المكنز - (1474 و1475 ) -المزعة
: القطعة







[39] - صحيح البخارى- المكنز - (4718 )


جثا:
أي جماعات جمع جثوة كخطوة وخطا. وتروى هذه اللفظة جثى بتشديد الياء: جمع جاث وهو
الذي يجلس على ركبتيه- انظر النهاية لابن الأثير (1/ 239)، ولسان العرب (14/ 131-
132)، وفتح الباري (8/ 252).







[40] - سنن الترمذى- المكنز - (3430) قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ
حَسَنٌ.







[41] - صحيح ابن حبان - (14 / 399) (6479) صحيح
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

تابع

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين مارس 15, 2010 1:08 pm

4- الشفاعة العظمى وشفاعات غيرها[1]:


عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه -
قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ -
r- فِى دَعْوَةٍ ،
فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً
وَقَالَ « أَنَا سَيِّدُ الْقَوْمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، هَلْ تَدْرُونَ بِمَنْ
يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِى صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُبْصِرُهُمُ
النَّاظِرُ وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِى ، وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ ، فَيَقُولُ
بَعْضُ النَّاسِ أَلاَ تَرَوْنَ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ ، إِلَى مَا بَلَغَكُمْ
، أَلاَ تَنْظُرُونَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ
النَّاسِ أَبُوكُمْ آدَمُ ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو
الْبَشَرِ ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ ، وَأَمَرَ
الْمَلاَئِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ ، وَأَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ ، أَلاَ تَشْفَعُ لَنَا
إِلَى رَبِّكَ أَلاَ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنَا فَيَقُولُ رَبِّى
غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلاَ يَغْضَبُ بَعْدَهُ
مِثْلَهُ ، وَنَهَانِى عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ ، نَفْسِى نَفْسِى ،
اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى ، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ . فَيَأْتُونَ نُوحًا
فَيَقُولُونَ يَا نُوحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ ،
وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا ، أَمَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلاَ
تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا أَلاَ تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ فَيَقُولُ رَبِّى
غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلاَ يَغْضَبُ
بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، نَفْسِى نَفْسِى ، ائْتُوا النَّبِىَّ -
r- ، فَيَأْتُونِى
، فَأَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ
وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، وَسَلْ تُعْطَهُ »[2] .



وقد جاءت الأحاديث النّبويّة
مثبتة لهذه الشّفاعة العظمى؛ فمن ذلك:



عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه -
قَالَ أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ -
r- بِلَحْمٍ ،
فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً
ثُمَّ قَالَ « أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهَلْ تَدْرُونَ
مِمَّ ذَلِكَ يُجْمَعُ النَّاسُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِى صَعِيدٍ وَاحِدٍ ،
يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِى ، وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ ،
فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لاَ يُطِيقُونَ وَلاَ
يَحْتَمِلُونَ فَيَقُولُ النَّاسُ أَلاَ تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ أَلاَ
تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ
لِبَعْضٍ عَلَيْكُمْ بِآدَمَ فَيَأْتُونَ آدَمَ عليه السلام فَيَقُولُونَ لَهُ
أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ . وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ
، وَأَمَرَ الْمَلاَئِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلاَ
تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا فَيَقُولُ
آدَمُ إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ
وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنَّهُ نَهَانِى عَنِ الشَّجَرَةِ
فَعَصَيْتُهُ ، نَفْسِى نَفْسِى نَفْسِى ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى ، اذْهَبُوا
إِلَى نُوحٍ ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ يَا نُوحُ إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ
الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا
اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ
إِنَّ رَبِّى عَزَّ وَجَلَّ قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ
مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِى
دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِى نَفْسِى نَفْسِى نَفْسِى اذْهَبُوا إِلَى
غَيْرِى ، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ ،
فَيَقُولُونَ يَا إِبْرَاهِيمُ ، أَنْتَ نَبِىُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ
الأَرْضِ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ
فَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ
قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ ، وَإِنِّى قَدْ كُنْتُ
كَذَبْتُ ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ - فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِى الْحَدِيثِ -
نَفْسِى نَفْسِى نَفْسِى ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى ،
فَيَأْتُونَ مُوسَى ، فَيَقُولُونَ يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَضَّلَكَ
اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلاَمِهِ عَلَى النَّاسِ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى
رَبِّكَ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ
الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ
مِثْلَهُ ، وَإِنِّى قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا ، نَفْسِى
نَفْسِى نَفْسِى ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى ، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ،
فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ
أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ
صَبِيًّا اشْفَعْ لَنَا أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ عِيسَى
إِنَّ رَبِّى قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ ،
وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ - وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا - نَفْسِى نَفْسِى
نَفْسِى ، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِى اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ -
r- فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا -r- فَيَقُولُونَ
يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ ، وَقَدْ غَفَرَ
اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى
رَبِّكَ أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَأَنْطَلِقُ فَآتِى تَحْتَ الْعَرْشِ
، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّى عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَىَّ مِنْ
مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ
قَبْلِى ثُمَّ يُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ ، سَلْ تُعْطَهْ ،
وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَرْفَعُ رَأْسِى ، فَأَقُولُ أُمَّتِى يَا رَبِّ ،
أُمَّتِى يَا رَبِّ فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لاَ
حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ
شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ ، ثُمَّ قَالَ وَالَّذِى
نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ
كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى » .[3]



وعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ
r : " لَا يَزَالُ الرَّجُلُ
يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ
مُزْعَةُ لَحْمٍ " وَقَالَ: " إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو حَتَّى يَبْلُغَ
الْعَرَقُ نِصْفَ الْأُذُنِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ
r
فَيَقُولُ: لَسْتُ صَاحِبَ ذَاكَ، ثُمَّ
بِمُوسَى
r فَيَقُولُ ذَلِكَ، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ
الْخَلْقِ فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْجَنَّةِ، فَيَوْمَئِذٍ
يَبْعَثُهُ اللهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ
"[4]



هذا، ولرسول اللّهr
شفاعات أخرى غير الشّفاعة العظمى،
منها ما اختصّ بها وحده، ومنها ما شاركه فيها غيره ممّن أذن اللّه تعالى له من
الملائكة المقرّبين والأنبياء والمرسلين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وغيرهم.



فنسرد شفاعته [5] r
، ثمّ نقتصر في ذكر الأدلّة على ما اختصّ به
منها دون غيره:



1- الشّفاعة في استفتاح باب الجنّة.


2- الشّفاعة في تقديم من لا حساب عليهم
في دخول الجنّة.



3- الشّفاعة فيمن استحقّ النّار من
الموحّدين أن لا يدخلها.



4- الشّفاعة في إخراج عصاة الموحّدين من
النّار.



5- الشّفاعة في رفع درجات ناس في
الجنّة.



6- الشّفاعة في تخفيف العذاب عن عمّه
أبي طالب.



فالّذي اختصّ بهr من
هذه الشّفاعات دون غيره هو:



1- شفاعته
في استفتاح باب الجنة:



ينتقل النّاس في عرصات القيامة من كرب
إلى كرب فأهوال قبل فصل القضاء فشفاعة عظمى ثمّ يحاسب النّاس، وعند ذلك ينصب
الميزان، وتطاير الصّحف ويكون التّمييز بين المؤمنين والمنافقين ثمّ يؤذن في نصب
الصّراط والمرور عليه ويوقف بعض من نجا عند القنطرة للمقاصصة بينهم، فإذا انتهى
ذلك كلّه يقوم المؤمنون وتقرّب لهم الجنّة فيطلبون من يكرم على مولاه ليشفع لهم في
استفتاح باب الجنّة، فيأتون آدم فإبراهيم فموسى فعيسى عليهم السّلام وكلّ منهم
يعتذر عن هذا المقام العظيم، فيأتون رسول اللّه
r فيشفع لهم إلى اللّه تبارك وتعالى، على
ما ورد تفصيله في الأحاديث.



قَالَ رَسُولُ اللهِr
: يَجْمَعُ اللَّهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ،
النَّاسَ , فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ , حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ ,
فَيَأْتُونَ آدَمَ , فَيَقُولُونَ : يَا أَبَانَا , اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ
, فَيَقُولُ : وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلاَّ خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ
آدَمَ , لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ , اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي , إِبْرَاهِيمَ ,
خَلِيلِ اللهِ , قَالَ : فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ : لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ ,
إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلاً مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ , اعْمِدُوا إِلَى مُوسَى
r, الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا , فَيَأْتُونَ مُوسَىr, فَيَقُولُ : لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ , اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ,
كَلِمَةِ اللهِ وَرُوحِهِ , فَيَقُولُ عِيسَى
r: لَسْتُ
بِصَاحِبِ ذَلِكَ , فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا
r, فَيَقُومُ
فَيُؤْذَنُ لَهُ , وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ , فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ
الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالاً , فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ , قَالَ :
قُلْتُ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي , أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ ؟ قَالَ :
أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ ؟
ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ , ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ وَشَدِّ الرِّجَالِ , تَجْرِي
بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ , وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ , يَقُولُ : رَبِّ
سَلِّمْ. سَلِّمْ. حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ , حَتَّى يَجيءَ
الرَّجُلُ , فَلاَ يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلاَّ زَحْفًا , قَالَ : وَفِى
حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلاَلِيبُ مُعَلَّقَةٌ ,مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ
بِهِ , فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ ، وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ.وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي
هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ , إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا.[6]



وعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ
r : " لَا يَزَالُ الرَّجُلُ
يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ
مُزْعَةُ لَحْمٍ " وَقَالَ: " إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو حَتَّى يَبْلُغَ
الْعَرَقُ نِصْفَ الْأُذُنِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ
r
فَيَقُولُ: لَسْتُ صَاحِبَ ذَاكَ، ثُمَّ
بِمُوسَى
r فَيَقُولُ ذَلِكَ، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ
الْخَلْقِ فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْجَنَّةِ، فَيَوْمَئِذٍ
يَبْعَثُهُ اللهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ
"[7]



ففي هذا الحديث الجمع بين ذكر
الشّفاعتين الأولى في فصل القضاء والثّانية في استفتاح باب الجنّة وسمّي ذلك كلّه
«المقام المحمود»[8].



وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ -
r - « آتِى بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيَقُولُ الْخَازِنُ مَنْ أَنْتَ فَأَقُولُ
مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ بِكَ أُمِرْتُ لاَ أَفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ ».[9].



2- شفاعته
في تقديم من لا حساب عليهم في دخول الجنة:



وممّا اختصّ به رسولناr
من الشّفاعات أنّه يشفع في تعجيل دخول الجنّة
لمن لا حساب عليهم من أمّته.وهذا من عظيم قدره
r ورفعة منزلته عند ربّه تبارك وتعالى.


وقد جاءت الأحاديث النّبويّة تنصّ على
هذه الشّفاعة:



- ففي حديث أبي هريرة- رضي اللّه عنه-
الطّويل في الشّفاعة: «...يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لاَ حِسَابَ
عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ
النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ ، ثُمَّ قَالَ وَالَّذِى نَفْسِى
بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا
بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى »[10].



وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ
اللهِ
r ، أَنَّهُ قَالَ : سَأَلْتُ رَبِّي
عَزَّ وَجَلَّ فَوَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا عَلَى
صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةِ الْبَدْرِ ، فَاسْتَزَدْتُ ، فَزَادَنِي مَعَ كُلِّ
أَلْفٍ سَبْعِينَ أَلْفًا ، فَقُلْتُ : أَيْ رَبِّ ، إِنْ لَمْ يَكُنْ هَؤُلاَءِ
مُهَاجِرِي أُمَّتِي ، قَالَ : إِذَنْ أُكْمِلَهُمْ لَكَ مِنَ الأَعْرَابِ[11]..



وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ :
أَنَّ رَسُولَ اللهِ
r ، قَالَ : إِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي أَنْ
يُدْخِلَ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ ، فَقَالَ
: يَزِيدُ بْنُ الأَخْنَسِ السُّلَمِيُّ : وَاللَّهِ مَا أُولَئِكَ فِي أُمَّتِكَ
يَا رَسُولَ اللهِ إِلاَّ كَالذُّبَابِ الأَصْهَبِ فِي الذِّبَّانِ ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ
r : إِنَّ رَبِّي قَدْ وَعَدَنِي
سَبْعِينَ أَلْفًا مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعِينَ أَلْفًا وَزَادَنِي حَثَيَاتٍ.[12].



وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، أَنَّ رَسُولَ
اللهِ
r قَالَ : إِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي أَنْ
يُدْخِلَ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ . فَقَالَ
يَزِيدُ بْنُ الأَخْنَسِ السُّلَمِيُّ وَاللَّهِ مَا أُولَئِكَ فِي أُمَّتِكَ
إِلاَّ كَالذُّبَابِ الأَصْهَبِ فِي الذِّبَّانِ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
r
: فَإِنَّ رَبِّي قَدْ وَعَدَنِي سَبْعِينَ
أَلْفًا مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا وَزَادَنِي ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ .
قَالَ : فَمَا سِعَةُ حَوْضِكَ يَا نَبِيَّ اللهِ ؟ قَالَ : كَمَا بَيْنَ عَدَنَ
إِلَى عُمَانَ وَأَوْسَعَ وَأَوْسَعَ . يُشِيرُ بِيَدِهِ . قَالَ : فِيهِ
مَثْعَبَانِ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ . قَالَ : فَمَا حَوْضُكَ يَا نَبِيَّ اللهِ ؟
قَالَ : مَاءٌ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ ، وَأَحْلَى مَذَاقَةً مِنَ
الْعَسَلِ وَأَطْيَبُ رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ
يَظْمَأْ بَعْدَهَا ، وَلَمْ يَسْوَدَّ وَجْهُهُ أَبَدًا. "[13]



وعن عَامِرَ بْنِ زَيْدٍ الْبِكَالِيِّ
، أَنَّهُ سَمِعَ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدٍ السُّلَمِيَّ ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ
اللهِ
r : إِنَّ رَبِّي وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ
مِنَ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ ، ثُمَّ يُتْبِعُ
كُلَّ أَلْفٍ بِسَبْعِينَ أَلْفًا ، ثُمَّ يَحْثِي بِكَفِّهِ ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ ،
فَكَبَّرَ عُمَرُ ، فَقَالَ
r : إِنَّ السَّبْعِينَ أَلْفًا الْأُوَلَ
يُشَفِّعُهُمُ اللَّهُ فِي آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ ،
وَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ أُمَّتِي أَدْنَى الْحَثَوَاتِ الأَوَاخِرِ.[14]



3- شفاعته
في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب:



كان أبو طالب يحوط ابن أخيه رسول اللّهr
، وينصره ويقوم في صفّه ويبالغ في إكرامه
والذّبّ عنه، ويحبّه حبّا شديدا طبعيّا لا شرعيّا، فلمّا حضرته الوفاة وحان أجله
دعاه رسول اللّه
r إلى الإيمان والدّخول في الإسلام، فسبق
القدر فيه فاستمرّ على ما كان عليه من الكفر وللّه الحكمة البالغة. ونظرا لما قام
به من أعمال جليلة مع رسول اللّه
r جوزي على ذلك بتخفيف العذاب خصوصيّة له
من عموم الكفّار الّذين لا تنفعهم شفاعة الشّافعين. وذلك إكراما وتطييبا لقلب رسول
اللّه
r .


- قال الحافظ ابن حجر ما معناه:
الشّفاعة لأبي طالب معدودة في خصائص النّبيّ
r [15].


وقد وردت الأحاديث تنصّ على هذه
الشّفاعة:



فعنِ
الْعَبَّاسَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - رضى الله عنه -أنّهُ قَالَ لِلنَّبِىِّ -
r
- :مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ
وَيَغْضَبُ لَكَ . قَالَ : « هُوَ فِى ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ ، وَلَوْلاَ أَنَا
لَكَانَ فِى الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ » (أخرجه الشيخان)[16]
.



وعَنْ
أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -
r - ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ
فَقَالَ « لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلُ فِى
ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِى مِنْهُ دِمَاغُهُ ».[17]



وعَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -
r - قَالَ « أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا
أَبُو طَالِبٍ وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِى مِنْهُمَا دِمَاغُهُ ».[18]



وعَنِ
النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r - « إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا
مَنْ لَهُ نَعْلاَنِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِى مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا
يَغْلِى الْمِرْجَلُ مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا وَإِنَّهُ
لأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا ».[19]



إنَّ اللهتعالى قد أخبر أن الكافرين لا تنفعهم
شفاعة الشافعين، ونبينا
r أخبر أن شفاعته لأهل التوحيد خاصة‏.‏ فشفاعتُه
لعمه أبي طالب خاصة به وخاصة لأبي طالب.



4- دعوته مستجابة :


أعطى اللّه- تبارك وتعالى- كلّ نبيّ من
الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام دعوة أعلمهم أنّها تستجاب لهم ويبلغ فيها
مرغوبهم، وإلّا فكم لكلّ نبيّ منهم من دعوة مستجابة ولنبيّنا
r منها ما لا يعدّ، لكنّ حالهم عند
الدّعاء بها بين الرّجاء والخوف، وضمنت لهم إجابة دعوة فيما شاؤوا يدعون بها على
يقين من الإجابة. فنالها كلّ نبيّ من الأنبياء في الدّنيا. وأمّا نبيّنا
r
فادّخرها شفاعة لأمّته يوم الفاقة وخاتمة المحن
وعظيم السّؤال والرّغبة، فجزاه اللّه أحسن ما جزى نبيّا عن أمّته.



وما فعلهr فهو من كمال شفقته على أمّته ورأفته بهم
واعتنائه بالنّظر في مصالحهم[20].



لأنّه جعل الدّعوة فيما ينبغي وجعلها
للمذنبين من أمّته لكونهم أحوج إليها من الطّائعين [21]
فهذه الدّعوة المدّخرة لنبيّنا
r لا يشاركه فيها غيره من الأنبياء عليهم
السّلام. والّذي يبدو أنّ هذه الدّعوة المستجابة هي الشّفاعة المعطاة لنبيّنا
محمّد
r على ما سبق تفصيله في المبحث الماضي.
غير أنّنا نورد بعض الأحاديث الّتي تسند هذا المعنى.



عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ
r : " لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ
مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ
دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةَ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ
اللهُ تَعَالَى مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا "
رَوَاهُ مُسْلِمٌ [22]».



وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ
أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ
r عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ قَامَ مِنَ
اللَّيْلِ يُصَلِّي ، فَاجْتَمَعَ وَرَاءَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ
يَحْرُسُونَهُ ، حَتَّى إِذَا صَلَّى وَانْصَرَفَ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ لَهُمْ :
لَقَدْ أُعْطِيتُ اللَّيْلَةَ خَمْسًا ، مَا أُعْطِيَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي :
أَمَّا أَنَا فَأُرْسِلْتُ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ عَامَّةً ، وَكَانَ مَنْ
قَبْلِي إِنَّمَا يُرْسَلُ إِلَى قَوْمِهِ ، وَنُصِرْتُ عَلَى الْعَدُوِّ
بِالرُّعْبِ ، وَلَوْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ مَسِيرَةُ شَهْرٍ لَمُلِئَ
مِنْهُ رُعْبًا ، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ آكُلُهَا ، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي
يُعَظِّمُونَ أَكْلَهَا ، كَانُوا يُحْرِقُونَهَا ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ
مَسَاجِدَ وَطَهُورًا ، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلاَةُ تَمَسَّحْتُ
وَصَلَّيْتُ ، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ ، إِنَّمَا كَانُوا
يُصَلُّونَ فِي كَنَائِسِهِمْ وَبِيَعِهِمْ ، وَالْخَامِسَةُ هِيَ مَا هِيَ ،
قِيلَ لِي : سَلْ فَإِنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ سَأَلَ ، فَأَخَّرْتُ مَسْأَلَتِي
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَهِيَ لَكُمْ وَلِمَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ
إِلاَّ اللَّهُ." [23]



قَالَ
الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:" فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللهُ تعالى: {
وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا
خَالِدًا فِيهَا } [النساء: 14] قِيلَ: هَكَذَا نَقُولُ الْحُدُودُ اسْمُ جَمْعٍ،
وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُتَعَدِّيًا لِحُدُودِ اللهِ تَعَالَى أَجْمَعَ بِتَرْكِ
الْإِيمَانِ، وَتَارِكُ الْإِيمَانِ مُخَلَّدُ فِي النَّارِ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ
قَالَ: { وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ، وَمَا
هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ } [الانفطار: 15] قِيلَ: وَقَدْ قَالَ: { إِنَّ
الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ } [الانفطار: 13]، وَالْفَاسِقُ الْمُؤْمِنُ بَرٌّ
بِإِيمَانِهِ، فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ بَرًّا مُطْلَقًا قِيلَ: وَكَذَلِكَ لَيْسَ
بِفَاجِرٍ مُطْلَقًا، فَإِنْ قِيلَ: فُجُورُهُ أَحْبَطَ إِيمَانَهُ قِيلَ: لَيْسَ
الْفَصْلُ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ، وَبَيْنَ مَنْ يَقُولُ: مِنَ الْمُرْجِئَةِ
أَنَّ إِيمَانَهُ أَحْبَطَ فُجُورَهُ، فَدَلَّ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْفُجَّارِ
الَّذِينَ قَابَلَ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ الْأَبْرَارِ الْكُفَّارِ لِأَنَّ رَأْسَ
الْبِرِّ الْإِيمَانُ، وَكَذَلِكَ رَأْسُ الْفُجُورِ الْكُفْرُ، وَالَّذِي يَدُلُّ
عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: { إِنَّا لَا
نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا } [الكهف: 30]، -[473]- وَقَوْلُهُ: { لَا
أُضِيعُ عَمَلَ عَامَلٍ مِنْكُمْ } [آل عمران: 195]، وَقَوْلُهُ: { إِنَّ اللهَ
لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا، وَيُؤْتِ
مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } [النساء: 40]، وَقَوْلُهُ: { فَمَنْ يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ } [الزلزلة: 7]، وَقَوْلُهُ: { يَوْمَ تَجِدُ
كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا } [آل عمران: 30]، وَقَوْلُهُ: {
فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ } [الحديد: 7]،
وَقَوْلُهُ: { وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُؤْمِنَاتِ } [التوبة: 72]،
وَقَوْلُهُ: { هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ } [الرحمن: 60]
فَهَذِهِ الْآيَاتُ وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهَا كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ
اللهَ تَعَالَى لَا يُضَيِّعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، وَأَحْسَنُ
الْأَعْمَالِ الْإِيمَانُ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ، وَمَنْ قَالَ بِتَخْلِيدِ
الْمُؤْمِنِ فِي النَّارِ كَانَ قَدْ أَضَاعَ أَجْرَ عَمَلِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ
لَهُ عِوَضًا، وَلِأَنَّا وَجَدْنَا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَ عَلَى الطَّاعَاتِ
ثَوَابًا، وَعَلَى الْمَعَاصِي عِقَابًا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ يَرَى مَا
عَمِلَ مِنَ الْمَعَاصِي دُونَ مَا عَمِلَ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَقَدْ عَمِلَهُمَا
جَمِيعًا إِلَّا وَلِآخَرَ أَنْ يَعْكِسَ ذَلِكَ فَلَا يَجِدُ الْقَائِلُ بِذَلِكَ
فَضْلًا، وَلِأَنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى حُصُولِ طَاعَاتِهِ، وَاخْتَلَفْنَا
فِي زَوَالِ حُكْمِهَا فَلَا يُرْفَعُ حُكْمُ مَا تَيَقَّنَّاهُ مِنْ حُصُولِ
الطَّاعَاتِ بِمَعْصِيَةٍ لَا تَنْفِيهَا، وَلَا تُضَادَّهَا فَإِنِ احْتَجُّوا
فِي إِبْطَالِ الشَّفَاعَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ
حَمِيمٍ، وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ } [غافر: 18] -[474]- فالظَّالِمُونَ هَهُنَا هُمُ
الْكَافِرُونَ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مُفْتَتَحُ الْآيَةِ إِذْ هِيَ فِي ذِكْرِ
الْكَافِرِينَ، فَإِنِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ
ارْتَضَى } [الأنبياء: 28] قِيلَ: هَذَا دَلِيلُنَا لِأَنَّ الْفَاسِقَ مُرْتَضًى
بِإِيمَانِهِ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ
الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } [فاطر: 32] وَاصْطَفَيْنَا
وَارْتَضَيْنَا وَاحِدٌ فِي اللِّسَانِ، ثُمَّ قَالَ: { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ
لِنَفْسِهِ } [فاطر: 32] أَيْ مِنَ الْمُصْطَفِينَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ،
وَالظُّلْمُ هُوَ الْفِسْقُ فَأَخْبَرَ أَنَّ فِيهِمْ ظَالِمًا، وَقَالَ فِي
قِصَّةِ يُونُسَ { إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } [الأنبياء: 87] وَقَدْ
رُوِّينَا مِنْ أَوْجُهٍ عَنِ النَّبِيِّ
r فِي قَوْلِهِ: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ
الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } [فاطر: 32] الآية قَالَ: كُلُّهُمْ فِي
الْجَنَّةِ، وَهُوَ فِي الْجُزْءِ السَّابِعِ مِنْ كِتَابِ الْبَعْثِ مَذْكُورٌ
بِشَوَاهِدِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى أَنْ يَشْفَعُوا لَهُ
كَمَا قَالَ: { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ } [البقرة:
255]" قَالَ الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:" وَلَا تَحْتَمِلُ الْآيَةُ
غَيْرَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرْتَضِينَ عِنْدَ اللهِ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى
شَفَاعَةِ مَلَكٍ، وَلَا نَبِيٍّ فَصَحَّ أَنَّ الْمَعْنَى مَا قُلْنَاهُ، وَلَا يَجُوزُ
أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللهَ لَا يَرْتَضِي أَنْ يُشَفِّعَ لِصَاحِبِ الْكَبِيرَةِ
لِأَنَّ الْمُذْنِبَ هو الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى الشَّفَاعَةِ، فَكُلَّمَا كَانَ
ذَنْبُهُ أَكْبَرَ كَانَ إِلَى الشَّفَاعَةِ أَحْوَجَ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ
يَكُونَ اشْتِدَادُ حَاجَتِهِ إِلَى الشَّفَاعَةِ حَائِلًا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ
الشَّفَاعَةِ، وَلَيْسَ امْتِنَاعُ الشَّفَاعَةِ لِلْكَافِرِينَ لِأَنَّ ذَنْبَهُ
كَبِيرٌ، وَلَكِنَّهُ بِجَحْدِهِ الْبَارِي الْمَشْفُوعَ إِلَيْهِ، أَوِ
الرَّسُولَ الشَّافِعَ لَهُ، أَوْ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا
يُشَفِّعُ فِيهِ أَحَدًا، وَهَذِهِ الْمَعَانِي كُلَّهَا مَعْدُومَةٌ فِي صَاحِبِ
الْكَبِيرَةِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ" وَقَوْلُهُ:" { يَوْمَ لَا
تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا } [الانفطار: 19] لَا يَدْفَعُ الشَّفَاعَةَ
لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُلْكِ الدَّفْعُ بِالْقُوَّةِ، وَإِنَّمَا الشَّفَاعَةُ
تَذَلُّلٌ مِنَ الشَّافِعِ لِلْمَشْفُوعِ عِنْدَهُ، وَإِقَامَةِ الشَّفِيعِ
بِذَلِكَ مِنَ الْمَشْفُوعِ لَهُ، فَلَا يَوْمَ أَلْيَقُ بِهِ وَأَشْبَهُ
بِأَحْوَالِهِ مِنْ يَوْمِ الدِّينِ وَقَدْ وَرَدَ عَنْ سَيِّدِنَا الْمُصْطَفَى
r
فِي إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ وَإِخْرَاجِ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ
التَّوْحِيدِ مِنَ النَّارِ وَإِدْخَالِهِمُ الْجَنَّةَ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ صريحة
قَدْ صَارَتْ مِنَ الِاسْتفَاضَةِ، وَالشُّهْرَةِ بِحَيْثُ قَارَنتِ الْأَخْبَارَ
الْمُتَوَاتِرَةَ، وَكَذَلِكَ فِي مَغْفِرَةِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى
جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ دُونَ الشِّرْكِ مِنْ غَيْرِ تَعْذِيبٍ
فَضْلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً، وَاللهُ وَاسِعٌ كَرِيمٌ" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ
رَحِمَهُ اللهُ:" وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْأَخْبَارَ فِي كِتَابِ
الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَنَحْنُ نُشِيرُ هَهُنَا إِلَى طَرَفٍ مِنْهَا قَالَ
اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُحَمَّدٍ
r : { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ
نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا } [الإسراء:
79][24]



وعن
عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ -
r
- قَالَ :« يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ
-
r - فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ، يُسَمَّوْنَ
الْجَهَنَّمِيِّينَ » (أخرجه البخاري)[25]
.



وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍرضي الله عنه عَنِ
النَّبِىِّ -
r - قَالَ : « شَفَاعَتِى لأَهْلِ الْكَبَائِرِ
مِنْ أُمَّتِى ».(أخرجه أبو داود )[26].






______________









[1] - الشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها
لغيره .. وشفع إليه: في معنى طلب إليه. والشافع: الطالب لغيره يتشفع به إلى
المطلوب. يقال: تشفعت بفلان إلى فلان فشفعني فيه واسم الطالب شفيع- انظر لسان
العرب (8/ 184). وقال ابن حجر: الاستشفاع طلب الشفاعة وهي انضمام الأدنى إلى
الأعلى ليستعين به على ما يرومه- انظر الفتح (11/ 441). والشفاعة ملك للّه عز وجل
ولا تسأل إلا منه ولا تكون إلا من بعد إذنه تبارك وتعالى سواء في ذلك شفاعة نبينا
r وشفاعة من دونه، وذلك الإذن يتعلق بالشافع
والمشفوع فيه، وبوقت الشفاعة، فليس يشفع إلا من أذن اللّه له في الشفاعة. وليس له
أن يشفع إلا بعد أن يأذن اللّه له، وليس له أن يشفع إلا فيمن أذن اللّه تعالى له
أن يشفع فيه.







[2] - صحيح البخارى- المكنز - (3340 ) -نهس : قبض
على اللحم وانتزعه بمقدم الأسنان







[3] - صحيح البخارى- المكنز - (4712 ) وصحيح مسلم-
المكنز - (501)



نهس
: قبض على اللحم وانتزعه بمقدم الأسنان



يهموا:
هذا لفظ البخاري- ولفظ مسلم (فيهتمون) وفي رواية (فيلهمون). قال النووي رحمه
اللّه: معنى اللفظتين متقارب فمعنى الأولى أنهم يعتنون بسؤال الشفاعة وزوال الكرب
الذي هم فيه، ومعني الثانية أن اللّه تعالى يلهمهم سؤال ذلك. والإلهام أن يلقي
اللّه تعالى في النفس أمرا يحمل على فعل الشي ء أو تركه- انظر شرح النووي على صحيح
مسلم (3/ 53).







[4] - شرح مشكل الآثار - (3 / 52)(1022 ) وصحيح
البخارى- المكنز - (1475 )



قال
الحافظ ابن حجر- رحمه اللّه-: والراجح أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة. لكن
الشفاعة التي وردت في الأحاديث المذكورة في المقام المحمود نوعان: الأول العامة في
فصل القضاء، والثاني الشفاعة في إخراج المذنبين من النار. ثم ذكر أقوالا أخرى في
تفسير المقام المحمود ... إلى أن قال: ويمكن رد الأقوال كلها إلى الشفاعة العامة.
فإن إعطاءه لواء الحمد وثناءه على ربه ... كل ذلك صفات للمقام المحمود الذي يشفع
فيه ليقضى بين الخلق. وأما شفاعته في إخراج المذنبين من النار فمن توابع ذلك- انظر
فتح الباري (11/ 435).







[5] - انظر
في ذلك فتح الباري (11/ 436)، والخصائص الكبرى للسيوطي (2/ 378).







[6] - صحيح مسلم- المكنز - (503 )


تزلف: أي تقرب- كما قال اللّه تعالى:
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ* أي قريب. - من وراء وراء: قال النووي:
قال صاحب التحرير: هذه كلمة تذكر على سبيل التواضع أي لست بتلك الدرجة الرفيعة-
انظر شرح النووي على صحيح مسلم (3/ 71).- وترسل الأمانة والرحم: إرسال الأمانة
والرحم لعظم أمرهما وكبير موقعهما، فتصوران مشخصتين على الصفة التي يريدها اللّه
تعالى.-جنبتي الصراط: معناهما جانباه. ناحيتاه اليمنى واليسرى.- وشد الرجال: الشد
هو العدو البالغ والجري.- تجري بهم أعمالهم: هو تفسير لقوله صلّى اللّه عليه
وسلّم: «فيمر أولكم كالبرق ثم كمر الريح» إلى آخره.- حافتي الصراط: هما
جانباه.-ومكدوس: قال في النهاية: أي مدفوع. وتكدّس الإنسان إذا دفع من ورائه فسقط.
انظر النهاية (4/ 155).







[7] - شرح مشكل الآثار - (3 / 52) (1022 ) وصحيح
البخارى- المكنز - (1475)







[8] - انظر
كتاب معارج القبول للشيخ حافظ حكمي (2/ 314).







[9] - صحيح مسلم- المكنز - (507 )






[10] - صحيح البخارى- المكنز - (4712 )






[11] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (3 / 344)(8707)
8692- صحيح







[12] - صحيح ابن حبان - (16 / 230) (7246) صحيح






[13] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (7 / 393)(22156)
22508- صحيح







[14] - صحيح ابن حبان - (16 / 231) (7247) صحيح






[15] - انظر فتح الباري (11/ 439).






[16] -
البخارى برقم( 3883 ) ومسلم
برقم(531 )-الضحضاح : ما رق من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين فاستعاره
للنار







[17] - صحيح مسلم(535)






[18] - صحيح مسلم(537 )






[19] - صحيح مسلم(539 ) -المرجل : القِدر من النحاس
أو الحجارة







[20] - قاله
النووي- انظر شرحه على صحيح مسلم (3/ 75). ونقله عنه أيضا ابن حجر في فتح الباري
(11/ 100).







[21] - قاله
ابن الجوزي- انظر فتح الباري (11/ 100).







[22] - شعب الإيمان - (1 / 491) (308 ) وصحيح مسلم-
المكنز - (512)







[23] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (2 / 718)(7068)
صحيح







[24] - شعب الإيمان - (1 / 475)






[25] - برقم(6566 )






[26] - برقم(4741 )
والترمذي برقم(2622 ) وهو صحيح
مشهور ، وانظر شرح العقيدة الواسطية - (ج
1 / ص 287) والتنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة - (ج
1 / ص 76)
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

تابع

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين مارس 15, 2010 1:10 pm

النوع الثالث


ما اختص بهr في أمته في الدنيا





فضّل اللّه- عزّ وجلّ- هذه الأمّة على
سائر الأمم واختصّها بكرامات كثيرة في الدّنيا ليست لغيرها وذلك إكراما وتشريفا
لنبيّها
r سيّد الأوّلين والآخرين. وإنّما نالت
هذه الأمّة ما نالته من تكريم وتشريف باتّباعها لرسولها محمّد
r
والسّير على سنّته والعمل بشريعته.


ومن هذه الخصائص، أنّها خير الأمم،
وأحلّت لها الغنائم، وجعلت لها الأرض مسجدا وطهورا، وصفوفها في الصّلاة كصفوف
الملائكة. إلى غير ذلك ممّا سيأتي معنا بإذن اللّه.



1-خير الأمم[1]:


شرّف- اللّه تعالى- هذه الأمّة ورفع
ذكرها واصطفاها على غيرها فجعلها خير الأمم وأكرمها عليه، فقال عزّ من قائل: {كُنتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ
خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} (110)
سورة آل عمران.



أنتم - يا أمة محمد - خير الأمم وأنفع
الناس للناس، تأمرون بالمعروف، وهو ما عُرف حسنه شرعًا وعقلا وتنهون عن المنكر،
وهو ما عُرف قبحه شرعًا وعقلا وتصدقون بالله تصديقًا جازمًا يؤيده العمل. ولو آمن
أهل الكتاب من اليهود والنصارى بمحمد
rوما
جاءهم به من عند الله كما آمنتم، لكان خيرا لهم في الدنيا والآخرة، منهم المؤمنون
المصدقون برسالة محمد
rالعاملون
بها، وهم قليل، وأكثرهم الخارجون عن دين الله وطاعته.[2]



إن التعبير بكلمة «أُخْرِجَتْ» المبني
لغير الفاعل ، تعبير يلفت النظر. وهو يكاد يشي باليد المدبرة اللطيفة ، تخرج هذه
الأمة إخراجا وتدفعها إلى الظهور دفعا من ظلمات الغيب ، ومن وراء الستار السرمدي
الذي لا يعلم ما وراءه إلا اللّه .. إنها كلمة تصور حركة خفية المسرى ، لطيفة
الدبيب. حركة تخرج على مسرح الوجود أمة. أمة ذات دور خاص. لها مقام خاص ، ولها
حساب خاص : «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» ..



وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة
لتعرف حقيقتها وقيمتها ، وتعرف أنها أخرجت لتكون طليعة ، ولتكون لها القيادة ، بما
أنها هي خير أمة. واللّه يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض. ومن ثم
لا ينبغي لها أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية. إنما ينبغي دائما أن تعطي هذه
الأمم مما لديها. وأن يكون لديها دائما ما تعطيه. ما تعطيه من الاعتقاد الصحيح ،
والتصور الصحيح ، والنظام الصحيح ، والخلق الصحيح ، والمعرفة الصحيحة ، والعلم
الصحيح .. هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها ، وتحتمه عليها غاية وجودها.



واجبها أن تكون في الطليعة دائما ، وفي
مركز القيادة دائما. ولهذا المركز تبعاته ، فهو لا يؤخذ ادعاء ، ولا يسلم لها به
إلا أن تكون هي أهلا له .. وهي بتصورها الاعتقادي ، وبنظامها الاجتماعي أهل له.
فيبقى عليها أن تكون بتقدمها العلمي ، وبعمارتها للأرض - قياما بحق الخلافة - أهلا
له كذلك .. ومن هذا يتبين أن المنهج الذي تقوم عليه هذه الأمة يطالبها بالشيء
الكثير ويدفعها إلى السبق في كل مجال .. لو أنها تتبعه وتلتزم به ، وتدرك مقتضياته
وتكاليفه.



وفي أول مقتضيات هذا المكان ، أن تقوم
على صيانة الحياة من الشر والفساد .. وأن تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر فهي خير أمة أخرجت للناس. لا عن مجاملة أو محاباة ، ولا
عن مصادفة أو جزاف - تعالى اللّه عن ذلك كله علوا كبيرا - وليس توزيع الاختصاصات
والكرامات كما كان أهل الكتاب يقولون : «نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ»
.. كلا! إنما هو العمل الإيجابي لحفظ الحياة البشرية من المنكر ، وإقامتها على
المعروف ، مع الإيمان الذي يحدد المعروف والمنكر :«تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» ..



فهو النهوض بتكاليف الأمة الخيرة ، بكل
ما وراء هذه التكاليف من متاعب ، وبكل ما في طريقها من أشواك .. إنه التعرض للشر
والتحريض على الخير وصيانة المجتمع من عوامل الفساد .. وكل هذا متعب شاق ، ولكنه
كذلك ضروري لإقامة المجتمع الصالح وصيانته ولتحقيق الصورة التي يحب اللّه أن تكون
عليها الحياة ..



ولا بد من الإيمان باللّه ليوضع الميزان
الصحيح للقيم ، والتعريف الصحيح للمعروف والمنكر. فإن اصطلاح الجماعة وحده لا
يكفي. فقد يعم الفساد حتى تضطرب الموازين وتختل. ولا بد من الرجوع إلى تصور ثابت
للخير وللشر ، وللفضيلة والرذيلة ، وللمعروف والمنكر. يستند إلى قاعدة أخرى غير
اصطلاح الناس في جيل من الأجيال.



وهذا ما يحققه الإيمان ، بإقامة تصور
صحيح للوجود وعلاقته بخالقه. وللإنسان وغاية وجوده ومركزه الحقيقي في هذا الكون ..
ومن هذا التصور العام تنبثق القواعد الأخلاقية. ومن الباعث على إرضاء اللّه وتوقي
غضبه يندفع الناس لتحقيق هذه القواعد. ومن سلطان اللّه في الضمائر ، وسلطان شريعته
في المجتمع تقوم الحراسة على هذه القواعد كذلك.



ثم لا بد من الإيمان أيضا ليملك الدعاة
إلى الخير ، الآمرون بالمعروف ، الناهون عن المنكر ، أن يمضوا في هذا الطريق الشاق
، ويحتملوا تكاليفه. وهم يواجهون طاغوت الشر في عنفوانه وجبروته ، ويواجهون طاغوت
الشهوة في عرامتها وشدتها ، ويواجهون هبوط الأرواح ، وكلل العزائم ، وثقلة المطامع
..



وزادهم هو الإيمان ، وعدتهم هي الإيمان.
وسندهم هو اللّه .. وكل زاد سوى زاد الإيمان ينفد. وكل عدة سوى عدة الإيمان تفلّ ،
وكل سند غير سند اللّه ينهار! وقد سبق في السياق الأمر التكليفي للجماعة المسلمة
أن ينتدب من بينها من يقومون بالدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر ، أما هنا فقد وصفها اللّه سبحانه بأن هذه صفتها. ليدلها على أنها لا توجد
وجودا حقيقيا إلا أن تتوافر فيها هذه السمة الأساسية ، التي تعرف بها في المجتمع
الإنساني. فإما أن تقوم بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - مع
الإيمان باللّه - فهي موجودة وهي مسلمة. وإما أن لا تقوم بشيء من هذا فهي غير
موجودة ، وغير متحققة فيها صفة الإسلام.[3]



وإنّما حازت هذه الأمّة قصب السّبق إلى
الخيرات بنبيّها محمّد صلوات اللّه وسلامه عليه، فإنّه أشرف خلق اللّه، وأكرم
الرّسل على اللّه، بعثه اللّه بشرع كامل عظيم لم يعطه نبيّ قبله ولا رسول من
الرّسل، فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من
أعمال غيرهم مقامه. وقد وردت الآيات والأحاديث والآثار تؤيّد هذا المعنى:



- قال اللّه تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي
اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ
مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن
قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا
شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا
بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (78) سورة
الحـج



يَأَمُرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ
بٍِالجِهَادِ وأَخْلَصَهُُ : بِالأَمْوَالِ والأَنْفْسِ والألْسِنَةِ ، فَقَدْ
اصْطفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ ، واخْتَارَهُمْ عَلَى مَنْ
سَِِوامهُم ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ مَا لاَ يُطِيقُونَ ، وَلَمْْ يُضَيِّقِ اللهُ
عَلَيْهِمِ فِي شَيْءٍٍ مِنْ أُمورِ دِينِِهمِ ، بَلْ وَسَّع عَلَيهم ، فِي شَيْءِ
مِنْ أُمورِ دِيِنهِم ، بَلْْ وَسَّعَ عََلَيْهِمِ ، كَمَا وَسَّعَ فِي مِلّةِ
إبْرِاهيِمَ عَلَيْهِم فِي شَيْءٍ مِنْ أُمورِ دِيِنِهم ، بَلْ وَسَّعَ عَلَيْهم ،
كَمَا وَسَّعَ فِي مِلَّةِ إِبْرِاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامَمُ ( وَنَصَبَ مِلَّةِ
) عَلَى تَقْدِيرِ الزَمُوا مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ) ، وَقَدْ سَمَّاهُم اللهُ
تَعَالَى بِالمُسْلِمين فِي شَرْعِ إِبْرَاهِيمَ وَفِي الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ ،
وَفي هَذَا القُرْآنِ ( مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا ) . وَقَدْ جَعَلَ اللهُ
المُسْلِمِينَ أُمَّةً وَسَطاً عُدُولاً لِيَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ
يَوْمِ القِيَامَةِ ، لأَنَّ النَّاسَ جَمِيعاً يَعْتَرِفُونَ بِفَضْلِ
المُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ ، فَلِهَذَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِمِ
، فِي أَنَّ الرُّسُلَ أَبْلَغَتَهُم رِسَالَةَ أَبْلَغَتْهُم رِسَالَةَ رَبِّهِمْ
، والرَّسُولُ يَشْهَدُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ أَنَّهُ أَبْلَغَهَا مَا أَوْحَاهُ
اللهُ إِلَيهِ ، فَلْيُقَابِلِ المُسْلِمُونَ هَذِهِ النِعْمَةَ العَظِيمَةَ
بالقِيَامِ بِشُكْرِ اللهِ عَلَيهَا ، وَأداءِ حَقِّ اللهِ فِيمَا فَرَضَهُ
عَلَيْهِم ، ومِنْ أَهَمِّ ذَلِكَ إقَامَةُ الصَّلاَةِ وأداؤها حَقَّ أَدَائِها ،
وَدفْعُ الزَّكَاةِ ، والاعْتِصَامُ بِاللهِ ، وَالاسْتِعَانَهُ بِهِ ،
والاتِّكَالُ عَلَيْهِ ، فَهُوَ مَوْلاَهُمْ وَحَافِظُهُمْ وَنَاصِرُهُمْ ، وَهُوَ
نِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّاصِر عَلَى الاأعداءِ .[4]



وفي هاتين الآيتين يجمع المنهاج الذي
رسمه اللّه لهذه الأمة ، ويلخص تكاليفها التي ناطها بها ، ويقرر مكانها الذي قدره
لها ، ويثبت جذورها في الماضي والحاضر والمستقبل ، متى استقامت على النهج الذي
أراده لها اللّه.



إنه يبدأ بأمر الذين آمنوا بالركوع
والسجود. وهما ركنا الصلاة البارزان. ويكني عن الصلاة بالركوع والسجود ليمنحها
صورة بارزة ، وحركة ظاهرة في التعبير ، ترسمها مشهدا شاخصا ، وهيئة منظورة. لأن
التعبير على هذا النحو أوقع أثرا وأقوى استجاشة للشعور «1».



ويثني بالأمر العام بالعبادة. وهي أشمل
من الصلاة. فعبادة اللّه تشمل الفرائض كلها وتزيد عليها كذلك كل عمل وكل حركة وكل
خالجة يتوجه بها الفرد إلى اللّه. فكل نشاط الإنسان في الحياة يمكن أن يتحول إلى
عبادة متى توجه القلب به إلى اللّه. حتى لذائذه التي ينالها من طيبات الحياة بلفتة
صغيرة تصبح عبادات تكتب له بها حسنات. وما عليه إلا أن يذكر اللّه الذي أنعم بها ،
وينوي بها أن يتقوى على طاعته وعبادته فإذا هي عبادات وحسنات ، ولم يتحول في
طبيعتها شي ء ، ولكن تحول القصد منها والاتجاه! ويختم بفعل الخير عامة ، في
التعامل مع الناس بعد التعامل مع اللّه بالصلاة والعبادة ..



يأمر الأمة المسلمة بهذا رجاء أن تفلح.
فهذه هي أسباب الفلاح .. العبادة تصلها باللّه فتقوم حياتها على قاعدة ثابتة وطريق
واصل. وفعل الخير يؤدي إلى استقامة الحياة ، الجماعية على قاعدة من الإيمان وأصالة
الاتجاه.فإذا استعدت الأمة المسلمة بهذه العدة من الصلة باللّه واستقامة الحياة ،
فاستقام ضميرها واستقامت حياتها ..نهضت بالتبعة الشاقة :«وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ
حَقَّ جِهادِهِ» .. وهو تعبير شامل جامع دقيق ، يصور تكليفا ضخما ، يحتاج إلى تلك
التعبئة وهذه الذخيرة وذلك الإعداد ..



«وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ»
.. والجهاد في سبيل اللّه يشمل جهاد الأعداء ، وجهاد النفس ، وجهاد الشر والفساد
.. كلها سواء ..



« وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ
جِهادِهِ» .. فقد انتدبكم لهذه الأمانة الضخمة ، واختاركم لها من بين عباده :
«هُوَ اجْتَباكُمْ» .. وإن هذا الاختيار ليضخم التبعة ، ولا يجعل هنالك مجالا
للتخلي عنها أو الفرار! وإنه لإكرام من اللّه لهذه الأمة ينبغي أن يقابل منها
بالشكر وحسن الأداء! وهو تكليف محفوف برحمة اللّه : «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي
الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» .. وهذا الدين كله بتكاليفه وعباداته وشرائعه ملحوظ فيه فطرة
الإنسان وطاقته. ملحوظ فيه تلبيته تلك الفطرة. وإطلاق هذه الطاقة ، والاتجاه بها
إلى البناء والاستعلاء. فلا تبقى حبيسة كالبخار المكتوم. ولا تنطلق انطلاق الحيوان
الغشيم! وهو منهج عريق أصيل في ماضي البشرية ، موصول الماضي بالحاضر : «مِلَّةَ
أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ» وهو منبع التوحيد الذي اتصلت حلقاته منذ عهد إبراهيم -
عليه السلام - فلم تنقطع من الأرض ، ولم تفصل بينها فجوات مضيعة لمعالم العقيدة
كالفجوات التي كانت بين الرسالات قبل إبراهيم عليه السلام.



وقد سمى اللّه هذه الأمة الموحدة
بالمسلمين. سماها كذلك من قبل وسماها كذلك في القرآن : «هُوَ سَمَّاكُمُ
الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا» ..والإسلام إسلام الوجه والقلب للّه وحده
بلا شريك. فكانت الأمة المسلمة ذات منهج واحد على تتابع الأجيال والرسل والرسالات.
حتى انتهى بها المطاف إلى أمة محمد -
r- وحتى سلمت إليها
الأمانة ، وعهد إليها بالوصاية على البشرية. فاتصل ماضيها بحاضرها بمستقبلها كما
أرادها اللّه : «لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ
عَلَى النَّاسِ» .. فالرسول -
r- يشهد على هذه
الأمة ، ويحدد نهجها واتجاهها ، ويقرر صوابها وخطأها. وهي تشهد على الناس بمثل هذا
، فهي القوّامة على البشرية بعد نبيها وهي الوصية على الناس بموازين شريعتها ،
وتربيتها وفكرتها عن الكون والحياة. ولن تكون كذلك إلا وهي أمينة على منهجها
العريق المتصل الوشائج ، المختار من اللّه.



ولقد ظلت هذه الأمة وصية على البشرية
طالما استمسكت بذلك المنهج الإلهي وطبقته في حياتها الواقعية.حتى إذا انحرفت عنه ،
وتخلت عن تكاليفه ، ردها اللّه عن مكان القيادة إلى مكان التابع في ذيل
القافلة.وما تزال. ولن تزال حتى تعود إلى هذا الأمر الذي اجتباها له اللّه.



هذا الأمر يقتضي الاحتشاد له والاستعداد
.. ومن ثم يأمرها القرآن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام باللّه :
«فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ. هُوَ
مَوْلاكُمْ. فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ» ..فالصلاة صلة الفرد الضعيف
الفاني بمصدر القوة والزاد. والزكاة صلة الجماعة بعضها ببعض والتأمين من الحاجة
والفساد. والاعتصام باللّه العروة الوثقى التي لا تنفصم بين المعبود والعباد.



بهذه العدة تملك الأمة المسلمة أن تنهض
بتكاليف الوصاية على البشرية التي اجتباها لها اللّه. وتملك الانتفاع بالموارد
والطاقات المادية التي تعارف الناس على أنها مصادر القوة في الأرض. والقرآن الكريم
لا يغفل من شأنها ، بل يدعو إلى إعدادها. ولكن مع حشد القوى والطاقات والزاد الذي
لا ينفد ، والذي لا يملكه إلا المؤمنون باللّه.



فيوجهون به الحياة إلى الخير والصلاح
والاستعلاء.



إن قيمة المنهج الإلهي للبشرية أنه يمضي
بها قدما إلى الكمال المقدر لها في هذه الأرض ولا يكتفي بأن يقودها للذائذ والمتاع
وحدهما كما تقاد الأنعام.



وإن القيم الإنسانية العليا لتعتمد على
كفاية الحياة المادية ، ولكنها لا تقف عند هذه المدارج الأولى. وكذلك يريدها
الإسلام في كنف الوصاية الرشيدة ، المستقيمة على منهج اللّه في ظل اللّه ..[5]



- وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ
عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى
عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا
كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}
(143) سورة البقرة.



كَانَ النَّاسُ ، قَبْلَ الإِسْلاَمِ ،
فِئَتِينِ :



- فِئَةً مَادِّيَّةً لا هَمَّ لَهَا
إِلاَّ تَحْقيقُ مَا يَتَطَلَّبُهُ الجَسَدُ وَلَذَائِذُهُ كَالمُشْرِكينَ
وَاليَهُودِ ، وَقَالُوا إِنْ هيَ إِلاَّ حَيَاتُنا الدُّنيا ، وَمَا يُهْلِكُنا
إِلاَّ الدَّهرُ .



وَفِئَةً طَغَتْ عَلَيها النَّزعَةُ
الرُّوحَانِيَّةُ الخَالِصَةُ ، وَسَيْطَرَتْ عَلَيهَا فِكْرَةُ تَرْكِ الدُّنيا
وَمَا فِيها مِنَ اللَّذائِذِ الجَسَدِيَّةِ كَالنَّصَارَى وَالصَابِئَةِ وَبَعْضِ
طَوَائِفِ الهُنُودِ .



فَجَاءَ الإِسلامُ لِيَجْعَلَ
المُسْلِمِينَ وَسَطاً بَيْنَ هؤلاءِ وَهؤُلاءِ ، فَقَالَ بِتَحقيقِ مَطَالِبِ
الجَسَدِ بِلا إِسْرافٍ وَلاَ مُبَالَغَةٍ ، مَعَ المُحَافَظَةِ عَلَى السُمُوِّ
الرُّوحِيِّ ، لأَنَّ الإِنسَانَ جَسَدٌ وَرُوحٌ .



وََقَدْ جَعَلَ اللهَ المُسْلِمِينَ
أُمَّةً وَسَطاً لَِيَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى المَادِيِّينَ الذِينَ فَرَّطُوا في
جَنْبِ اللهِ ، وَأخلَدُوا إِلى اللَّذاتِ ، وَصَرَفُوا أنفُسَهُمْ عَنْ قَضَايَا
الرُّوحِ ، وَشُهَداءَ عَلَى الغُلاةِ فِي الرُّوحَانِيَّةِ الذِينَ قَالُوا
بِتَخَلِّي الإِنسَانِ عَن اللَّذاتِ الجَسَدِيَّةِ ، وَبِحِرْمَانِ النَّفْسِ
مِنْ جَميعِ مَا أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ فِي هذهِ الحَيَاةِ الدُّنيا



وَلِيَكُونَ الرَّسُولُr، وَهُوَ القُدوَةُ والمَثَلُ الأَعلَى لِلمُؤْمِنينَ باللهِ ،
شَهِيداً عَلَى المُسلِمِينَ إِن كَانُوا اتَّبعُوا سِيرَتَهُ وَشَرْعَهُ ، اوِ
انحَرَفُوا وَحَادُوا عَنِ الاعتِدالِ .



وَيَقُولُ اللهُ تََعَالَى إِنَّهُ
إِنَّما شَرَعَ لِلنَّبِيِّ التَّوَجُّهَ إِلى بَيْتِ المَقْدِسِ أَوَّلاً ، ثُمَّ
صَرَفَهُ إِلَى البَيتِ الحَرَامِ لِيَظْهَرَ مَنْ يَتَّبعُ النَّبِيَّ
وَيُطِيعُهُ وَيَتَّجِهُ حَيثُما اتَّجَهَ ، دُونَ تَشَكُّكٍ وَلا ارتِياب ، ممَّن
يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ ( يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ) ، وَإِنْ كَانَ فِي هذَا
الصَّرفِ عَنْ بيتِ المَقْدِسِ مَشَقَّةٌ عَلَى النُّفُوسِ ، غَيرَ النُّفُوسِ
التِي هَدَاهَا اللهُ إِلى الإِيمَان ، وَلِيَظْهَرَ مَنْ يُصَدِّقُ الرَّسُولَ وَمَا
جَاءَ إِليهِ مِنْ رَبِّهِ بِصُورَةٍ مُطْلَقةٍ؛ وَهؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ
المُصَدِّقُونَ يَكُونُ الأَمْرُ عَلَيهِمْ سَهْلاً يَسِيراً



وَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى
المُتَسَائِلينَ عَلَى أَحْوالِ قَومٍ مِنَ المُسلِمِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ إِلى
بيتِ المَقْدِسِ ، ثُمَّ مَاتُوا قَبلَ أن تُحَوَّلَ القِبْلَةُ إِلى الكَعْبَةِ ،
فَقَالَ لَهُمْ : إِنَّ اللهُ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُؤْمِنِينَ المُحْسِنينَ
فَاللهُ تَعَالَى رَؤُوفٌ بِالنَّاسِ رَحِيمٌ .[6]



إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس
جميعا ، فتقيم بينهم العدل والقسط وتضع لهم الموازين والقيم وتبدي فيهم رأيها
فيكون هو الرأي المعتمد وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها
، وتقول : هذا حق منها وهذا باطل. لا التي تتلقى من الناس تصوراتها وقيمها
وموازينها. وهي شهيدة على الناس ، وفي مقام الحكم العدل بينهم .. وبينما هي تشهد
على الناس هكذا ، فإن الرسول هو الذي يشهد عليها فيقرر لها موازينها وقيمها ويحكم
على أعمالها وتقاليدها ويزن ما يصدر عنها ، ويقول فيه الكلمة الأخيرة ..



وبهذا تتحدد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها
.. لتعرفها ، ولتشعر بضخامتها. ولتقدر دورها حق قدره ، وتستعد له استعدادا لائقا
..



وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط سواء
من الوساطة بمعنى الحسن والفضل ، أو من الوسط بمعنى الاعتدال والقصد ، أو من الوسط
بمعناه المادي الحسي ..



«أُمَّةً وَسَطاً» .. في التصور
والاعتقاد .. لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي. إنما تتبع الفطرة
الممثلة في روح متلبس بجسد ، أو جسد تتلبس به روح. وتعطي لهذا الكيان المزدوج
الطاقات حقه المتكامل من كل زاد ، وتعمل لترقية الحياة ورفعها في الوقت الذي تعمل
فيه على حفظ الحياة وامتدادها ، وتطلق كل نشاط في عالم الأشواق وعالم النوازع ، بلا
تفريط ولا إفراط ، في قصد وتناسق واعتدال.



«أُمَّةً وَسَطاً» .. في التفكير
والشعور .. لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة ... ولا تتبع كذلك
كل ناعق ، وتقلد تقليد القردة المضحك .. إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج
وأصول ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب وشعارها الدائم : الحقيقة ضالة المؤمن
أنى وجدها أخذها ، في تثبت ويقين.



«أُمَّةً وَسَطاً» .. في التنظيم
والتنسيق .. لا تدع الحياة كلها للمشاعر ، والضمائر ، ولا تدعها كذلك للتشريع
والتأديب. إنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب ، وتكفل نظام المجتمع بالتشريع
والتأديب وتزاوج بين هذه وتلك ، فلا تكل الناس إلى سوط السلطان ، ولا تكلهم كذلك
إلى وحي الوجدان ..ولكن مزاج من هذا وذاك.



«أُمَّةً وَسَطاً» .. في الارتباطات
والعلاقات .. لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته ، ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة
أو الدولة ولا تطلقه كذلك فردا أثرا جشعا لا هم له إلا ذاته .. إنما تطلق من
الدوافع والطاقات ما يؤدي إلى الحركة والنماء وتطلق من النوازع والخصائص ما يحقق
شخصية الفرد وكيانه.



ثم تضع من الكوابح ما يقف دون الغلو ،
ومن المنشطات ما يثير رغبة الفرد في خدمة الجماعة وتقرر من التكاليف والواجبات ما
يجعل الفرد خادما للجماعة ، والجماعة كافلة للفرد في تناسق واتساق.



«أُمَّةً وَسَطاً» .. في المكان .. في
سرة الأرض ، وفي أوسط بقاعها. وما تزال هذه الأمة التي غمر أرضها الإسلام إلى هذه
اللحظة هي الأمة التي تتوسط أقطار الأرض بين شرق وغرب ، وجنوب وشمال ، وما تزال
بموقعها هذا تشهد الناس جميعا ، وتشهد على الناس جميعا وتعطي ما عندها لأهل الأرض
قاطبة وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة وثمار الروح والفكر من هنا إلى هناك وتتحكم في
هذه الحركة ماديها ومعنويها على السواء.



«أُمَّةً وَسَطاً» .. في الزمان .. تنهي
عهد طفولة البشرية من قبلها وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها.



وتقف في الوسط تنفض عن البشرية ما علق
بها من أوهام وخرافات من عهد طفولتها وتصدها عن الفتنة بالعقل والهوى وتزاوج بين
تراثها الروحي من عهود الرسالات ، ورصيدها العقلي المستمر في النماء وتسير بها على
الصراط السوي بين هذا وذاك.



وما يعوق هذه الأمة اليوم عن أن تأخذ
مكانها هذا الذي وهبه اللّه لها ، إلا أنها تخلت عن منهج اللّه الذي اختاره لها ،
واتخذت لها مناهج مختلفة ليست هي التي اختارها اللّه لها ، واصطبغت بصيغات شتى
ليست صبغة اللّه واحدة منها! واللّه يريد لها أن تصطبغ بصبغته وحدها.



وأمة تلك وظيفتها ، وذلك دورها ، خليقة
بأن تحتمل التبعة وتبذل التضحية ، فللقيادة تكاليفها ، وللقوامة تبعاتها ، ولا بد
أن تفتن قبل ذلك وتبتلى ، ليتأكد خلوصها للّه وتجردها ، واستعدادها للطاعة المطلقة
للقيادة الراشدة.[7]



عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ
عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ -
r
- يَقُولُ فِى قَوْلِهِ (كُنْتُمْ خَيْرَ
أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) قَالَ « إِنَّكُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً
أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ ».[8]



وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، أَنَّهُ سَمِعَ
عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللهِ
r : أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ
مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللهِ ، مَا هُوَ قَالَ ؟ : نُصِرْتُ
بِالرُّعْبِ ، وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ ، وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ ، وَجُعِلَ
التُّرَابُ لِي طَهُورًا ، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الأُمَمِ.[9]



وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ
النَّبِيَّ
rقَالَ
: فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي ،
غُفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَمَا تَأَخَّرَ ، وَأُحِلَّتْ لِي
الْغَنَائِمُ ، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي ، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي
خَيْرَ الأُمَمِ ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَأُعْطِيتُ
الْكَوْثَرَ ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّ
صَاحِبَكُمْ لَصَاحِبُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، تَحْتَهُ آدَمُ
فَمَنْ دُونَهُ ".[10]



وعَنْ أَبِي حَلْبَسٍ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ ،
قَالَ : سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ ، تَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ ،
يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ
r يَقُولُ : مَا سَمِعْتُهُ يُكَنِّيهِ
قَبْلَهَا ، وَلاَ بَعْدَهَا ، يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ :
يَا عِيسَى إِنِّي بَاعِثٌ مِنْ بَعْدِكَ أُمَّةً إِنْ أَصَابَهُمْ مَا يُحِبُّونَ
، حَمِدُوا اللَّهَ وَشَكَرُوا ، وَإِنْ أَصَابَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ ،
احْتَسَبُوا ، وَصَبَرُوا ، وَلاَ حِلْمَ ، وَلاَ عِلْمَ قَالَ : يَا رَبِّ كَيْفَ
هَذَا لَهُمْ وَلاَ حِلْمَ ، وَلاَ عِلْمَ قَالَ : أُعْطِيهِمْ مِنْ حِلْمِي ،
وَعِلْمِي.[11]



وعَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ
كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ
r
: " أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ
مِنَ الْأَنْبِيَاءِ " فَقُلْنَا: مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ
r
: " نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُعْطِيتُ
مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ، وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ، وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا ،
وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ "
r "[12]









[1] - انظر الخصائص للسيوطي (2/ 361).






[2] - التفسير الميسر - (1 / 409)






[3] - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 447)






[4] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 2553)






[5] - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2445)






[6] - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 150)






[7] - فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 130)






[8] - سنن الترمذى- المكنز - (3271) هَذَا حَدِيثٌ
حَسَنٌ.







[9] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (1 / 295) (763) حسن






[10] - كشف الأستار - (3 / 147) (2442) صحيح






[11] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (8 / 897) (27545)
28095- حسن



الاحتساب
والحسبة : طَلَب وجْه اللّه وثوابه. بالأعمال الصالحة، وعند المكروهات هو
البِدَارُ إلى طَلَب الأجْر وتحصيله بالتَّسْليم والصَّبر، أو باستعمال أنواع
البِرّ والقِيام بها على الوجْه المرْسُوم فيها طَلَباً للثَّواب المرْجُوّ منها







[12] - أخبار مكة للفاكهي - (3 / 117) (1872 ) حسن
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

تابع

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين مارس 15, 2010 1:13 pm

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فِي قَوْلِ
اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً
مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا
حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (1) سورة
الإسراء، قَالَ : جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ
r وَمَعَهُ مِيكَالُ ، فَقَالَ جِبْرِيلُ
لِمِيكَالَ : ايتِنِي بِطَسْتٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ كَيْمَا أُطَهِّرَ قَلْبَهُ ،
وَأَشْرَحَ لَهُ صَدْرَهُ ، قَالَ : فَشَقَّ عَنْهُ بَطْنَهُ فَغَسَلَهُ ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ ، وَاخْتَلَفَ إِلَيْهِ مِيكَائِيلُ بِثَلَاثِ طِسَاسٍ مِنْ مَاءِ
زَمْزَمَ ، فَشَرَحَ صَدْرَهُ وَنَزَعَ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ غَلٍّ ، وَمَلَأَهُ
حِلْمًا وَعِلْمًا وَإِيمَانًا وَيَقِينًا وَإِسْلَامًا وَخَتَمَ بَيْنَ
كَتِفَيْهِ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ ، ثُمَّ أَتَاهُ بِفَرَسٍ فَحُمِلَ عَلَيْهِ ،
كُلُّ خُطْوَةٍ مِنْهُ مُنْتَهَى بَصَرِهِ ، أَوْ أَقْصَى بَصَرِهِ ، قَالَ :
فَسَارَ وَسَارَ مَعَهُ جِبْرِيلُ ، فَأَتَى عَلَى قَوْمٍ يَزْرَعُونَ فِي يَوْمٍ
وَيَحْصُدُونَ فِي يَوْمٍ ، كُلَّمَا حَصَدُوا عَادَ كَمَا كَانَ ، فَقَالَ
النَّبِيُّ
r : " يَا جِبْرِيلُ ، مَا هَذَا ؟
" ، قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، تُضَاعَفُ
لَهُمُ الْحَسَنَةُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ ، وَمَا أَنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ
يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ، ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ تُرْضَخُ
رُءُوسُهُمْ بِالصَّخْرِ ، كُلَّمَا رُضِخَتْ عَادَتْ كَمَا كَانَتْ لَا يُفَتَّرُ
عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، فَقَالَ : " مَا هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟
" ، قَالَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَتَثَاقَلُ رُءُوسُهُمْ عَنِ الصَّلَاةِ
الْمَكْتُوبَةِ ، ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ عَلَى أَقْبَالِهِمْ رِقَاعٌ ، وَعَلَى
أَدْبَارِهِمْ رِقَاعٌ ، يَسْرَحُونَ كَمَا تَسْرَحُ الْإِبِلُ وَالنَّعَمُ ،
وَيَأْكُلُونَ الضَّرِيعَ وَالزَّقُّومَ وَرَضْفَ جَهَنَّمَ وَحِجَارَتَهَا ،
قَالَ : " مَا هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ " ، قَالَ : هَؤُلَاءِ
الَّذِينَ لَا يُؤَدُّونَ صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ ، وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ
شَيْئًا وَمَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ، ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ بَيْنَ
أَيْدِيهِمْ لَحْمٌ نَضِيجٌ فِي قِدْرٍ ، وَلَحْمٌ آخِرُ نَيِّئٌ قَذِرٌ خَبِيثٌ ،
فَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ مِنَ النَّيِّئِ الْخَبِيثِ وَيَدَعُونَ النَّضِيجَ
الطَّيِّبَ ، فَقَالَ : " مَا هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ " ، قَالَ :
هَذَا الرَّجُلُ مِنْ أُمَّتِكَ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ الْحَلَالُ
الطَّيِّبُ ، فَيَأْتِي امْرَأَةً خَبِيثَةً فَيَبِيتُ عِنْدَهَا حَتَّى يُصْبِحَ
، وَالْمَرْأَةُ تَقُومُ مِنْ عِنْدِ زَوْجِهَا حَلَالًا طَيِّبًا ، فَتَأْتِي
رَجُلًا خَبِيثًا فَتَبِيتُ مَعَهُ حَتَّى تُصْبِحَ ، قَالَ : ثُمَّ أَتَى عَلَى
خَشَبَةٍ عَلَى الطَّرِيقِ لَا يَمُرُّ بِهَا ثَوْبٌ إِلَّا شَقَّتْهُ وَلَا
شَيْءٌ إِلَّا خَرَقَتْهُ ، قَالَ : " مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " ،
قَالَ : هَذَا مَثَلُ أَقْوَامٍ مِنْ أُمَّتِكَ يَقْعُدُونَ عَلَى الطَّرِيقِ
فَيَقْطَعُونَهُ ، ثُمَّ تَلَا : وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ
وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الْآيَةَ ، ثُمَّ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ
جَمَعَ حِزْمَةَ حَطَبٍ عَظِيمَةً لَا يَسْتَطِيعُ حَمْلَهَا وَهُوَ يَزِيدُ
عَلَيْهَا ، فَقَالَ : " مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " ، فَقَالَ : هَذَا
الرَّجُلُ مِنْ أُمَّتِكَ تَكُونُ عِنْدَهُ أَمَانَاتُ النَّاسِ ، لَا يَقْدِرُ
عَلَى أَدَائِهَا وَهُوَ يَزِيدُ عَلَيْهَا ، وَيُرِيدُ أَنْ يَحْمِلَهَا ، ثُمَّ
أَتَى عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ أَلْسِنَتُهُمْ وَشِفَاهُمُ بِمَقَارِيضَ مِنْ
حَدِيدٍ ، كُلَّمَا قُرِضَتْ عَادَتْ كَمَا كَانَتْ ، لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ مِنْ
ذَلِكَ شَيْءٌ ، قَالَ : " مَا هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ :
هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ خُطَبَاءُ الْفِتْنَةِ يَقُولُونَ مَا لَا
يَفْعَلُونَ ، ثُمَّ أَتَى عَلَى حَجَرٍ صَغِيرٍ يَخْرُجُ مِنْهُ ثَوْرٌ عَظِيمٌ ،
فَجَعَلَ الثَّوْرُ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ حَيْثُ خَرَجَ فَلَا يَسْتَطِيعُ ،
فَقَالَ : " مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " ، قَالَ : هَذَا الرَّجُلُ
يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ الْعَظِيمَةِ ، ثُمَّ يَنْدَمُ عَلَيْهَا فَلَا
يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرُدَّهَا ، ثُمَّ أَتَى عَلَى وَادٍ فَوَجَدَ رِيحًا طَيِّبَةً
بَارِدَةً وَرِيحَ الْمِسْكِ ، وَسَمِعَ صَوْتًا ، فَقَالَ : " يَا جِبْرِيلُ
مَا هَذِهِ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ الْبَارِدَةُ ، وَهَذِهِ الرَّائِحَةُ الَّتِي
كَرِيحِ الْمِسْكِ ، وَمَا هَذَا الصَّوْتُ ؟ " ، قَالَ : هَذَا صَوْتُ
الْجَنَّةِ ، تَقُولُ : يَا رَبِّ آتِنِي مَا وَعَدْتَنِي ، فَقَدْ كَثَّرْتَ
عَرْفِي وَإِسْتَبْرَقِي وَحَرِيرِي وَسُنْدُسِي وَعَبْقَرِيِّي وَلُؤْلُؤِي
وَمَرْجَانِي وَفِضَّتِي وَذَهَبِي وَأَكْوَابِي وَصِحَافِي وَأَبَارِيقِي ،
وَفَوَاكِهِي وَنَخْلِي وَرُمَّانِي وَمَائِي وَلَبَنِي وَخَمْرِي ، فَآتِنِي مَا
وَعَدْتَنِي ، فَقَالَ : لَكِ كُلُّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ ، وَمُؤْمِنٍ
وَمُؤْمِنَةٍ ، وَمَنْ آمَنَ بِي وَبِرُسُلِي وَعَمِلَ صَالِحًا ، وَلَمْ يُشْرِكْ
بِي ، وَلَمْ يَتَّخِذْ مِنْ دُونِي أَنْدَادًا ، وَمَنْ خَشِيَنِي فَهُوَ آمِنٌ
وَمَنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ ، وَمَنْ أَقْرَضَنِي جَزَيْتُهُ ، وَمَنْ
تَوَكَّلَ عَلَيَّ كَفَيْتُهُ ، فَإِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ،
لَا أُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، وَقَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ، وَتَبَارَكَ اللَّهُ
أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ، قَالَتْ : قَدْ رَضِيتُ ، قَالَ : ثُمَّ أَتَى عَلَى
وَادٍ فَسَمِعَ صَوْتًا مُنْكَرًا وَوَجَدَ رِيحًا مُنْتِنَةً ، فَقَالَ : "
مَا هَذِهِ الرِّيحُ يَا جِبْرِيلُ ؟ وَمَا هَذَا الصَّوْتُ ؟ " ، قَالَ :
هَذَا صَوْتُ جَهَنَّمَ ، تَقُولُ : يَا رَبِّ آتِنِي مَا وَعَدْتَنِي فَقَدْ
كَثَّرْتَ سَلَاسِلِي وَأَغْلَالِي وَسَعِيرِي وَحَمِيمِي وَضَرِيعِي وَغَسَّاقِي
وَعَذَابِي ، وَقَدْ بَعُدَ قَعْرِي ، وَاشْتَدَّ حَرِّي ، فَآتِنِي مَا
وَعَدْتَنِي ، قَالَ : لَكِ كُلُّ مُشْرِكٍ وَمُشْرِكَةٍ ، وَكَافِرٍ وَكَافِرَةٍ
، وَكُلُّ خَبِيثٍ وَخَبِيثَةٍ ، وَكُلُّ جَبَّارٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ
الْحِسَابِ ، قَالَتْ : قَدْ رَضِيتُ ، قَالَ : ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى بَيْتَ
الْمَقْدِسِ فَنَزَلَ فَرَبَطَ فَرَسَهُ إِلَى صَخْرَةٍ ، ثُمَّ دَخَلَ فَصَلَّى
مَعَ الْمَلَائِكَةِ ، فَلَمَّا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ ، قَالُوا : يَا جِبْرِيلُ ،
مَنْ هَذَا مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ ، قَالُوا : أَوَقَدْ أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ ؟
قَالَ : نَعَمْ ، قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ،
فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، قَالَ :
ثُمَّ لَقِيَ أَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ فَأَثْنَوْا عَلَى رَبِّهِمْ ، فَقَالَ
إِبْرَاهِيمُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اتَّخَذَنِي خَلِيلًا وَأَعْطَانِي
مُلْكًا عَظِيمًا ، وَجَعَلَنِي أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ يُؤْتَمُّ بِي ،
وَأَنْقَذَنِي مِنَ النَّارِ ، وَجَعَلَهَا عَلَيَّ بَرْدًا وَسَلَّامًا ، ثُمَّ
إِنَّ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ ، فَقَالَ :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَلَّمَنِي تَكْلِيمًا ، وَجَعَلَ هَلَاكَ آلِ
فِرْعَوْنَ وَنَجَاةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى يَدَيَّ ، وَجَعَلَ مِنْ أُمَّتِي
قَوْمًا يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ، ثُمَّ إِنَّ دَاوُدَ أَثْنَى
عَلَى رَبِّهِ ، فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي مُلْكًا عَظِيمًا
، وَعَلَّمَنِي الزَّبُورَ ، وَأَلَانَ لِيَ الْحَدِيدَ ، وَسَخَّرَ لِي
الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ، وَأَعْطَانِي الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ
الْخَطَّابِ ، ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَانَ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ ، فَقَالَ :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَخَّرَ لِيَ الرِّيَاحَ ، وَسَخَّرَ لِي الشَّيَاطِينَ
يَعْمَلُونَ لِي مَا شِئْتُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ
وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ ، وَعَلَّمَنِي مَنْطِقَ الطَّيْرِ ، وَأَتَانِي مِنْ كُلِّ
شَيْءٍ فَضْلًا ، وَسَخَّرَ لِي جُنُودَ الشَّيَاطِينِ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ ،
وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَتَانِي مُلْكًا
عَظِيمًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ، وَجَعَلَ مُلْكِي مُلْكًا
طَيِّبًا لَيْسَ عَلَيَّ فِيهِ حِسَابٌ ، ثُمَّ إِنَّ عِيسَى أَثْنَى عَلَى
رَبِّهِ ، فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي كَلِمَتَهُ ، وَجَعَلَ
مَثَلِي مَثَلَ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ
، وَعَلَّمَنِيَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ،
وَجَعَلَنِي أَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ
فَيَكُونُ طَائِرًا بِإِذْنِهِ ، وَجَعَلَنِي أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ
وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِهِ ، وَرَفَعَنِي وَطَهَّرَنِي ، وَأَعَاذَنِي
وَأُمِّي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْنَا
سَبِيلٌ ، قَالَ : ثُمَّ إنَّ مُحَمَّدًا
r أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ ، فَقَالَ :
" كُلُّكُمْ أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ ، وَإِنِّي مُثْنٍ عَلَى رَبِّي ، فَقَالَ
: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرْسَلَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَكَافَّةً
لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ الْفُرْقَانَ فِيهِ تِبْيَانٌ
لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَجَعَلَ أُمَّتِي خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ،
وَجَعَلَ أُمَّتِي أُمَّةً وَسَطًا ، وَجَعَلَ أُمَّتِي هُمُ الْأَوَّلِينَ وَهُمُ
الْآخِرِينَ ، وَشَرَحَ لِي صَدْرِي ، وَوَضَعَ عَنِّي وِزْرِي وَرَفَعَ لِي
ذِكْرِي ، وَجَعَلَنِي فَاتِحًا وَخَاتَمًا ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : بِهَذَا
فَضَلَكُمْ مُحَمَّدٌ
r ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ يَعْنِي
الرَّازِيَّ : خَاتَمٌ بِالنُّبُوَّةِ ، وَفَاتِحٌ بِالشَّفَاعَةِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ أُتِيَ بِآنِيَةٍ ثَلَاثَةٍ مُغَطَّاةٍ أَفْوَاهُهَا ،
فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ مِنْهَا فِيهِ مَاءٌ ، فَقِيلَ : اشْرَبْ ، فَشَرِبَ مِنْهُ
يَسِيرًا ، ثُمَّ دُفِعَ إِلَيْهِ إِنَاءٌ آخَرُ فِيهِ لَبَنٌ ، فَقِيلَ : اشْرَبْ
، فَشَرِبَ مِنْهُ حَتَّى رَوِيَ ، ثُمَّ دُفِعَ إِلَيْهِ إِنَاءٌ آخَرُ فِيهِ
خَمْرٌ ، فَقِيلَ لَهُ : اشْرَبْ ، فَقَالَ : " لَا أُرِيدُهُ ، قَدْ رَوِيتُ
" ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَمَا إِنَّهَا
سَتُحَرَّمُ عَلَى أُمَّتِكَ ، وَلَوْ شَرِبْتَ مِنْهَا لَمْ يَتْبَعْكَ مِنْ
أُمَّتِكَ إِلَّا قَلِيلٌ ، قَالَ : ثُمَّ صُعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ ،
فَاسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ : مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ فَقَالَ : مُحَمَّدٌ ،
فَقَالُوا : أَوَقَدْ أُرْسِلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ
مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ
الْمَجِيءُ جَاءَ ، فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ تَامِّ الْخَلْقِ لَمْ
يَنْقُصْ مِنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ كَمَا يَنْقُصُ مِنْ خَلَقِ النَّاسِ ، عَلَى
يَمِينِهِ بَابٌ تَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ طَيِّبَةٌ ، وَعَنْ شِمَالِهِ بَابٌ
تَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ خَبِيثَةٌ ، إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَابِ الَّذِي عَنْ
يَمِينِهِ ضَحِكَ وَاسْتَبْشَرَ ، وَإِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَابِ الَّذِي عَنْ
شِمَالِهِ بَكَى وَحَزِنَ ، فَقُلْتُ : " يَا جِبْرِيلُ : مَنْ هَذَا
الشَّيْخُ التَّامُّ الْخَلْقِ الَّذِي لَمْ يَنْقُصْ مِنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ ،
وَمَا هَذَانِ الْبَابَانِ ؟ " قَالَ : هَذَا أَبُوكَ آدَمُ ، وَهَذَا
الْبَابُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ بَابُ الْجَنَّةِ ، إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ
يَدْخُلُهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ضَحِكَ وَاسْتَبْشَرَ ، وَالْبَابُ الَّذِي عَنْ
شِمَالِهِ بَابُ جَهَنَّمَ ، إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ يَدْخُلُهُ مِنْ
ذُرِّيَّتِهِ بَكَى وَحَزِنَ ، ثُمَّ صَعِدَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى السَّمَاءِ
الثَّانِيَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ : مَنْ هَذَا مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ
رَسُولُ اللَّهِ ، فَقَالُوا : أَوَقَدْ أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ،
قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ، فَنِعْمَ الْأَخُ
وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنَعَمِ الْمَجِيءُ جَاءَ ، قَالَ : فَإِذَا هُوَ
بِشَابَّيْنِ ، فَقَالَ : " يَا جِبْرِيلُ : مَنْ هَذَانِ الشَّابَّانِ ؟
" ، قَالَ : هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا ابْنَا
الْخَالَةِ ، قَالَ : فَصَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ،
فَاسْتَفْتَحَ ، فَقَالُوا : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ ، قَالُوا : وَمَنْ
مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ ، قَالُوا : أَوَقَدْ أُرْسِلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ،
قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ، فَنِعْمَ الْأَخُ
وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، قَالَ : فَدَخَلَ فَإِذَا
هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ فُضِّلَ عَلَى النَّاسِ فِي الْحُسْنِ ، قَالَ : " مَنْ
هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : هَذَا أَخُوكَ يُوسُفُ ثُمَّ صَعِدَ بِهِ
إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ :
جِبْرِيلُ ، قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ ، قَالُوا : وَقَدْ
أُرْسِلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ
، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، قَالَ :
فَدَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ ، قَالَ : " مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟
" ، قَالَ : هَذَا إِدْرِيسُ ، رَفَعَهُ اللَّهُ مَكَانًا عَلِيًّا ، ثُمَّ
صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ ، فَقَالُوا : مَنْ
هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ ، قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ ،
قَالُوا : وَقَدْ أُرْسِلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ
أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ، فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ
الْمَجِيءُ جَاءَ ، ثُمَّ دَخَلَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ جَالِسٍ وَحَوْلَهُ قَوْمٌ
يَقُصُّ عَلَيْهِمْ ، قَالَ : " مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ وَمَنْ هَؤُلَاءِ
الَّذِينَ حَوْلَهُ ؟ " ، قَالَ : هَذَا هَارُونُ الْمُحَبَّبُ فِي قَوْمِهِ
، وَهَؤُلَاءِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ، ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ
السَّادِسَةِ فَاسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ لَهُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ ،
قَالُوا : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ ، قَالُوا : أَوَقَدْ أُرْسِلَ ؟
قَالَ : نَعَمْ ، قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ،
فَنِعْمَ الْأَخُ وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَإِذَا هُوَ
بِرَجُلٍ جَالِسٍ ، فَجَاوَزَهُ فَبَكَى ، فَقَالَ : " يَا جِبْرِيلُ مَنْ
هَذَا ؟ " ، قَالَ : مُوسَى ، قَالَ : " مَا لَهُ يَبْكِي ؟ " ،
قَالَ : يَقُولُ : تَزْعُمُ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنِّي أَكْرَمُ بَنِي آدَمَ عَلَى
اللَّهِ ، وَهَذَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ قَدْ خَلَفَنِي فِي دُنْيَاهُ وَأَنَا
فِي آخِرَتِي ، فَلَوْ أَنَّهُ بِنَفْسِهِ لَمْ أُبَالِ ، وَلَكِنْ مَعَ كُلِّ
نَبِيٍّ أُمَّتُهُ ، قَالَ : ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ
فَاسْتَفْتَحَ ، فَقِيلَ لَهُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ ، قِيلَ : وَمِنْ
مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ ، قَالُوا : وَقَدْ أُرْسِلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ،
قَالُوا : حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَمِنْ خَلِيفَةٍ ، فَنِعْمَ الْأَخُ
وَنِعْمَ الْخَلِيفَةُ ، وَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، قَالَ : فَدَخَلَ فَإِذَا
هُوَ بِرَجُلٍ أَشْمَطَ جَالِسًا عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ عَلَى كُرْسِيٍّ ،
وَعِنْدَهُ قَوْمٌ جُلُوسٌ بِيضُ الْوُجُوهِ أَمْثَالُ الْقَرَاطِيسِ ، وَقَوْمٌ
فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ ، فَقَامَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ
فَدَخَلُوا نَهْرًا فَاغْتَسَلُوا فِيهِ ، فَخَرَجُوا قَدْ خَلَصَ مِنْ
أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ ، ثُمَّ دَخَلُوا نَهْرًا آخَرَ فَاغْتَسَلُوا فِيهِ ،
فَخَرَجُوا وَقَدْ خَلَصَ مِنْ أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ ، ثُمَّ دَخَلُوا نَهْرًا
آخَرَ فَاغْتَسَلُوا فِيهِ ، فَخَرَجُوا وَقَدْ خَلَصَ مِنْ أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ
، فَصَارَتْ مِثْلَ أَلْوَانِ أَصْحَابِهِمْ ، فَجَاءُوا فَجَلَسُوا إِلَى
أَصْحَابِهِمْ ، فَقَالَ : " يَا جِبْرِيلُ : مَنْ هَذَا الْأَشْمَطُ ؟ ثُمَّ
مَنْ هَؤُلَاءِ الْبِيضُ الْوُجُوهِ ؟ وَمَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي
أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ ؟ وَمَا هَذِهِ الْأَنْهَارُ الَّتِي دَخَلُوا فَجَاءُوا
وَقَدْ صُفَّتْ أَلْوَانُهُمْ ؟ " ، قَالَ : هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ
صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، أَوَّلُ مَنْ شَمِطَ عَلَى الْأَرْضِ ، وَأَمَّا
هَؤُلَاءِ الْبِيضُ الْوُجُوهِ فَقَوْمٌ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ،
وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي أَلْوَانِهِمْ شَيْءٌ ، فَقَوْمٌ خَلَطُوا
عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا فَتَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ،
وَأَمَّا الْأَنْهَارُ فَأَوَّلُهَا رَحْمَةُ اللَّهِ ، وَالثَّانِي نِعْمَةُ
اللَّهِ ، وَالثَّالِثُ سَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ، قَالَ : ثُمَّ
انْتَهَى إِلَى السِّدْرَةِ ، فَقِيلَ لَهُ : هَذِهِ السِّدْرَةُ يَنْتَهِي
إِلَيْهَا كُلُّ أَحَدٍ خَلَا مِنْ أُمَّتِكَ عَلَى سُنَّتِكَ ، فَإِذَا هِيَ
شَجَرَةٌ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ
مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ
لِّلشَّارِبِينَ ، وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ، وَهِيَ شَجَرَةٌ يَسِيرُ
الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا سَبْعِينَ عَامًا لَا يَقْطَعُهَا ، وَالْوَرَقَةُ
مِنْهَا مُغَطِّيَةٌ الْأُمَّةَ كُلَّهَا ، قَالَ : فَغَشِيَهَا نُورُ الْخَلَّاقِ
وَغَشِيَتْهَا الْمَلَائِكَةُ أَمْثَالَ الْغِرْبَانِ حِينَ يَقَعْنَ عَلَى
الشَّجَرِ , قَالَ : فَكَلَّمَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ : سَلْ ، فَقَالَ :
" إِنَّكَ اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَأَعْطَيْتَهُ مُلْكًا عَظِيمًا
، وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيمًا ، وَأَعْطَيْتَ دَاوُدَ مُلْكًا عَظِيمًا
وَأَلَنْتَ لَهُ الْحَدِيدَ وَسَخَّرْتَ لَهُ الْجِبَالَ ، وَأَعْطَيْتَ
سُلَيْمَانَ مُلْكًا عَظِيمًا وَسَخَّرْتَ لَهُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ
وَالشَّيَاطِينَ ، وَسَخَّرْتَ لَهُ الرِّيَاحَ وَأَعْطَيْتَهُ مُلْكًا لَا
يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ، وَعَلَّمْتَ عِيسَى التَّوْرَاةَ
وَالْإِنْجِيلَ ، وَجَعَلْتَهُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي
الْمَوْتَى بِإِذْنِكَ ، وَأَعَذْتَهُ وَأُمَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ،
فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِمَا سَبِيلٌ ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَقَدِ اتَّخَذْتُكَ حَبِيبًا وَخَلِيلًا ، وَهُوَ
مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ حَبِيبُ الرَّحْمَنِ ، وَأَرْسَلْتُكَ إِلَى النَّاسِ
كَافَّةً بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، وَشَرَحْتُ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعَتُ عَنْكَ
وِزْرَكَ ، وَرُفِعَتُ لَكَ ذِكْرَكَ ، فَلَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي ،
وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسٍ ، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ
أُمَّةً وَسَطًا ، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ هُمُ الْأَوَّلِينَ وَهُمُ الْآخِرِينَ ،
وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ لَا تَجُوزُ لَهُمْ خُطْبَةٌ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّكَ
عَبْدِي وَرَسُولِي ، وَجَعَلْتُ مِنْ أُمَّتِكَ أَقْوَامًا قُلُوبُهُمْ
أَنَاجِيلُهُمْ ، وَجَعَلْتُكَ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ خَلْقًا وَآخِرَهُمْ بَعْثًا
، وَأَوَّلَهُمْ يُقْضَى لَهُ ، وَأَعْطَيْتُكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي لَمْ
أُعْطِهَا نَبِيًّا قَبْلَكَ ، وَأَعْطَيْتُكَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ
مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ عَرْشِي ، لَمْ أُعْطِهَا نَبِيًّا قَبْلَكَ وَأَعْطَيْتُكَ
الْكَوْثَرَ ، وَأَعْطَيْتُكَ ثَمَانِيَةَ أَسْهُمٍ : الْإِسْلَامَ ،
وَالْهِجْرَةَ ، وَالْجِهَادَ ، وَالصَّلَاةَ ، وَالصَّدَقَةَ ، وَصَوْمَ
رَمَضَانَ ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ ،
وَجَعَلْتُكَ فَاتِحًا وَخَاتَمًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ
r : " فَضَّلَنِي رَبِّي بِسِتٍّ :
أَعْطَانِي فَوَاتِحَ الْكَلَامِ وَخَوَاتِيمَهُ ، وَجَوَامِعَ الْحَدِيثِ ،
وَأَرْسَلَنِي إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، وَقَذَفَ فِي
قُلُوبِ عَدُوِّي الرُّعْبَ مِنْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ ، وَأُحِلَّتْ لِيَ
الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ
كُلُّهَا طَهُورًا وَمَسْجِدًا " ، قَالَ : " وَفَرَضَ عَلَيْهِ
خَمْسِينَ صَلَاةَ " ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مُوسَى ، قَالَ : بِمَ أُمِرْتَ
يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ : " بِخَمْسِينَ صَلَاةً " ، قَالَ : ارْجِعْ
إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ ،
فَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً ، قَالَ : فَرَجَعَ النَّبِيُّ
r
إِلَى رَبِّهِ فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ ،
فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى ، فَقَالَ : بِكَمْ أُمِرْتَ
؟ قَالَ : " بِأَرْبَعِينَ " ، قَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ
التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ ، وَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي
إِسْرَائِيلَ شِدَّةً ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ ،
فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا ، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى ، فَقَالَ : بِكَمْ أُمِرْتَ ؟
قَالَ : " أُمِرْتُ بِثَلَاثِينَ " ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى : ارْجِعْ إِلَى
رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ ، وَقَدْ
لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً ، قَالَ : فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ
فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا ، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى ،
فَقَالَ : بِكُمْ أُمِرْتَ ؟ قَالَ : " أُمِرْتُ بِعِشْرِينَ " ، قَالَ
: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكٌ فَسَلْهُ التَّخْفِيفٌ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ
الْأُمَمِ وَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً ، قَالَ : فَرَجَعَ
فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا ، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى ،
فَقَالَ : بِكَمْ أُمِرْتَ ؟ قَالَ : " بِعَشْرٍ " ، قَالَ : ارْجِعْ
إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ ،
وَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً ، قَالَ : فَرَجَعَ عَلَى حَيَاءٍ
إِلَى رَبِّهِ فَسَأَلَهُ التَّخْفِيفَ ، فَوَضَعَ عَنْهُ خَمْسًا ، فَرَجَعَ
إِلَى مُوسَى ، فَقَالَ : بِكَمْ أُمِرْتَ ؟ قَالَ : " أُمِرْتُ بِخَمْسٍ
" ، قَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّ
أُمَّتَكَ أَضْعَفُ الْأُمَمِ ، وَقَدْ لَقِيتُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ شِدَّةً ،
قَالَ : " قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ ، فَمَا أَنَا
رَاجِعًا إِلَيْهِ " ، فَقِيلَ لَهُ : أَمَا إِنَّكَ كَمَا صَبَرْتَ نَفْسَكُ
عَلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ ، فَإِنَّهُنَّ يَجْزِينَ عَنْكَ خَمْسِينَ صَلَاةً ،
فَإِنَّ كُلَّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، قَالَ : فَرَضِيَ مُحَمَّدٌ
r
كُلَّ الرِّضَا ، قَالَ : وَكَانَ مُوسَى
أَشَدَّهُمْ عَلَيْهِ حِينَ مَرَّ بِهِ ، وَخَيْرَهُمْ لَهُ حِينَ رَجَعَ إِلَيْهِ
"[1]



ومن الآثار:


- عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: {وَلَمَّا
سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى
وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} (154) سورة الأعراف قال[2]::
يَا رَبِّ، إِنِّي أَجِدُ فِي الأَلْوَاحِ أُمَّةً هِيَ خَيْرُ الأُمَمِ،
يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي،
قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ، قَالَ: يَا رَبِّ، إِنِّي أَجِدُ فِي الأَلْوَاحِ
أُمَّةً، هُمُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَاجْعَلْهُمْ
أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ، قَالَ: يَا رَبِّ، إِنِّي أَجِدُ فِي
الأَلْوَاحِ أُمَّةً، أَنَاجِيلُهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ، وَكَانُوا يَقْرَأُونَ
نَظَرًا، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ، قَالَ: يَا
رَبِّ، إِنِّي أَجِدُ فِي الأَلْوَاحِ أُمَّةً يَأْكُلُونَ صَدَقَاتِهِمْ فِي
بُطُونِهِمْ، وَيُؤْجَرُونَ عَلَيْهَا، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ
أُمَّةُ أَحْمَدَ، وَقَالَ: إِنَّ مَنْ قَبْلَنَا كَانُوا يُقَرِّبُونَ
صَدَقَاتِهِمْ، فَإِنْ تُقُبِّلَتْ مِنْهُمْ جَاءَتِ النَّارُ، فَأَكَلَتْهَا،
وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُمْ، جَاءَتِ السِّبَاعُ فَأَكَلَتْهَا، قَالَ: يَا رَبِّ،
إِنِّي أَجِدُ فِي الأَلْوَاحِ أُمَّةً هُمُ السَّابِقُونَ الْمَشْفُوعُ لَهُمْ،
فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ، قَالَ: يَا رَبِّ،
إِنِّي أَجِدُ فِي الأَلْوَاحِ أُمَّةً يُقَاتِلُونَ أَهْلَ الضَّلالَةِ حَتَّى
يَقْتُلُونَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالِ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ
أُمَّةُ أَحْمَدَ، قَالَ: فَأَلْقَى موسى الأَلْوَاحَ، وَقَالَ: يَا رَبِّ،
فَاجْعَلْنِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: فَرَضِيَ نَبِيُّ اللَّهِ وَزِيدَ،
وَمِنْ قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يُهْدُونَ بِالْحَقِّ، وَبِهِ يَعْدِلُونَ".[3]



وعن قتادة ، قوله: "أخذ
الألواح"، قال: رب، إني أجد في الألواح أمةً خيرَ أمة أخرجت للناس، يأمرون
بالمعروف وينهون عن المنكر، فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في
الألواح أمة هم الآخرون= أي آخرون في الخلق= السابقون في دخول الجنة، رب اجعلهم
أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم
يقرأونها،= وكان من قبلهم يقرأون كتابهم نظرًا، حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئًا،
ولم يعرفوه. قال قتادة: وإن الله أعطاكم أيتها الأمة من الحفظ شيئًا لم يعطه أحدًا
من الأمم = قال: ربِّ اجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح
أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقاتلون فضول الضلالة، حتى يقاتلوا
الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة
صدقاتهم يأكلونها في بطونهم، ثم يؤجرون عليها= وكان من قبلهم من الأمم إذا تصدق
بصدقة فقبلت منه، بعث الله عليها نارًا فأكلتها، وإن ردَّت عليه تركت تأكلها الطير
والسباع. قال: وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم= قال: رب اجعلهم أمتي! قال:
تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا همّ أحدهم بحسنة ثم لم يعملها
كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة، رب اجعلهم أمتي! قال:
تلك أمة أحمد! قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا همّ أحدهم بسيئة لم تكتب عليه
حتى يعملها، فإذا عملها كتبت عليه سيئة واحدة، فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد!
قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم، فاجعلهم أمتي! قال:
تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم المشفَّعون والمشفوع لهم،
فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: وذكر لنا أن نبي الله موسى عليه السلام نبذ
الألواح وقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد! قال: فأعطي نبي الله موسى عليه السلام
ثنتين لم يعطهما نبيٌّ، قال اللهSad يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى
النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي )، [سورة الأعراف: 143]. قال: فرضي نبي الله.
ثم أعطي الثانيةSad وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ
يَعْدِلُونَ ) [سورة الأعراف: 159]، قال: فرضي نبي الله
rكل
الرضى.[4]



وعن قتادة قال: لما أخذ موسى الألواح
قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة هم خير الأمم، يأمرون بالمعروف وينهون عن
المنكر، فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد! قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة هم
الآخرون السابقون يوم القيامة، فاجعلهم أمتي! قال: تلك أمة أحمد، ثم ذكر نحو حديث
بشر بن معاذ= إلا أنه قال في حديثه: فألقى موسى عليه السلام الألواح، وقال: اللهم
اجعلني من أمة محمد صلى الله عليهما.[5]



وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَوْلَهُ:
" " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ "قَالَ: لَمْ
تَكُنْ أُمَّةٌ أَكْثَرَ اسْتِجَابَةِ فِي الإِسْلامِ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ
فَمِنْ ثَمَّ قَالَ:" كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ "
".[6]



وعن الربيع، قوله:"كنتم خير أمة
أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر"، قال: لم تكن أمة أكثر
استجابة في الإسلام من هذه الأمة، فمن ثمَ قال:"كنتم خير أمة أخرجت
للناس".[7].



================










[1] - تَهْذِيبُ الْآثَارِ لِلطَّبَرِيِّ (2768 )
حسن







[2] - أي موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.






[3] - تفسير
ابن أبي حاتم - (6 / 188) (9003) صحيح مقطوع







[4] - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة - (13 / 123)
(15132) صحيح مقطوع







[5] - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة - (13 / 124)
(15133) صحيح مقطوع



قال
أبو جعفر: والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك، أن يكون سبب إلقاء موسى الألواح
كان من أجل غضبه على قومه لعبادتهم العجل، لأن الله جل ثناؤه بذلك أخبر في كتابه
فقال: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى
قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ
أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ
يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ
يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ} (150) سورة الأعراف.







[6] - تفسير ابن أبي حاتم - (3 / 131) (4023) حسن






[7] - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة - (7 / 103)
(7618) فيه انقطاع
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

تابع

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين مارس 15, 2010 1:30 pm

2- حلُّ الغنائمَ:


كانت الأمم فيمن قبلنا على ضربين [1]فمنهم
من لم يؤذن له في الجهاد فلم تكن لهم غنائم، ومنهم من أذن له فيه فكانوا يغزون
ويجاهدون ويأخذون أموال أعدائهم وأسلابهم، لكن لا يتصرّفون فيها بل يجمعونها،
وعلامة قبول غزوهم ذلك أن تنزل النّار من السّماء فتأكلها، وعلامة عدم قبوله أن لا
تنزل، ومن أسباب عدم القبول أن يقع فيهم الغلول، وقد منّ اللّه تعالى على هذه الأمّة
ورحمها وجبر عجزها وضعفها لشرف نبيّها عنده، فأحلّ لهم الغنائم وستر عليهم الغلول،
فطوى عنهم فضيحة أمر عدم القبول، فللّه الحمد على نعمه تترى وآلائه لا تحصى.



قال اللّه تعالى: {لَّوْلاَ كِتَابٌ
مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68)
فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (69) سورة الأنفال.



لولا كتاب من الله سبق به القضاء والقدر
بإباحة الغنيمة وفداء الأسرى لهذه الأمة، لنالكم عذاب عظيم بسبب أخْذكم الغنيمة
والفداء قبل أن ينزل بشأنهما تشريع.فكلوا من الغنائم وفداء الأسرى فهو حلال طيب،
وحافظوا على أحكام دين الله وتشريعاته. إن الله غفور لعباده، رحيم بهم.[2]



قال جمهور المفسّرين: إنّ المراد في
قوله تعالى لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ: يعني في أمّ الكتاب الأوّل، إنّ
الغنائم حلال لهذه الأمّة[3].



وهذه جملة من الأحاديث
النّبويّة تنصّ على هذه الخصوصيّة:



عن جَابِرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ
النَّبِىَّ -
r- قَالَ «
أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِى نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ
مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، فَأَيُّمَا
رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِى أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ ، وَأُحِلَّتْ لِىَ
الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ ،
وَكَانَ النَّبِىُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً ، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ
عَامَّةً »[4].



وعَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ
هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -
r
- فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ -

r - « غَزَا نَبِىٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ
فَقَالَ لِقَوْمِهِ لاَ يَتْبَعْنِى رَجُلٌ قَدْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ
يُرِيدُ أَنْ يَبْنِىَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ وَلاَ آخَرُ قَدْ بَنَى بُنْيَانًا
وَلَمَّا يَرْفَعْ سُقُفَهَا وَلاَ آخَرُ قَدِ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ
وَهُوَ مُنْتَظِرٌ وِلاَدَهَا. قَالَ فَغَزَا فَأَدْنَى لِلْقَرْيَةِ حِينَ صَلاَةِ
الْعَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلشَّمْسِ أَنْتِ مَأْمُورَةٌ
وَأَنَا مَأْمُورٌ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَىَّ شَيْئًا.



فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ
اللَّهُ عَلَيْهِ - قَالَ - فَجَمَعُوا مَا غَنِمُوا فَأَقْبَلَتِ النَّارُ
لِتَأْكُلَهُ فَأَبَتْ أَنْ تَطْعَمَهُ فَقَالَ فِيكُمْ غُلُولٌ فَلْيُبَايِعْنِى
مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ. فَبَايَعُوهُ فَلَصِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ
فَقَالَ فِيكُمُ الْغُلُولُ فَلْتُبَايِعْنِى قَبِيلَتُكَ. فَبَايَعَتْهُ - قَالَ
- فَلَصِقَتْ بِيَدِ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ فَقَالَ فِيكُمُ الْغُلُولُ
أَنْتُمْ غَلَلْتُمْ - قَالَ - فَأَخْرَجُوا لَهُ مِثْلَ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ
ذَهَبٍ - قَالَ - فَوَضَعُوهُ فِى الْمَالِ وَهُوَ بِالصَّعِيدِ فَأَقْبَلَتِ
النَّارُ فَأَكَلَتْهُ. فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لأَحَدٍ مِنْ قَبْلِنَا
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا
فَطَيَّبَهَا لَنَا »[5].



وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ
-

r - قَالَ « لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ
لأَحَدٍ سُودِ الرُّءُوسِ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ
فَتَأْكُلُهَا ». قَالَ سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ فَمَنْ يَقُولُ هَذَا إِلاَّ أَبُو
هُرَيْرَةَ الآنَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَقَعُوا فِى الْغَنَائِمِ قَبْلَ
أَنْ تَحِلَّ لَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ
سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)[6]



وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ،
عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ
r عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ قَامَ مِنَ
اللَّيْلِ يُصَلِّي ، فَاجْتَمَعَ وَرَاءَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ
يَحْرُسُونَهُ ، حَتَّى إِذَا صَلَّى وَانْصَرَفَ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ لَهُمْ :
لَقَدْ أُعْطِيتُ اللَّيْلَةَ خَمْسًا ، مَا أُعْطِيَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي :
أَمَّا أَنَا فَأُرْسِلْتُ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ عَامَّةً ، وَكَانَ مَنْ
قَبْلِي إِنَّمَا يُرْسَلُ إِلَى قَوْمِهِ ، وَنُصِرْتُ عَلَى الْعَدُوِّ
بِالرُّعْبِ ، وَلَوْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ مَسِيرَةُ شَهْرٍ لَمُلِئَ
مِنْهُ رُعْبًا ، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ آكُلُهَا ، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي
يُعَظِّمُونَ أَكْلَهَا ، كَانُوا يُحْرِقُونَهَا ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ
مَسَاجِدَ وَطَهُورًا ، أَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلاَةُ تَمَسَّحْتُ
وَصَلَّيْتُ ، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ ، إِنَّمَا كَانُوا
يُصَلُّونَ فِي كَنَائِسِهِمْ وَبِيَعِهِمْ ، وَالْخَامِسَةُ هِيَ مَا هِيَ ،
قِيلَ لِي : سَلْ فَإِنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ سَأَلَ ، فَأَخَّرْتُ مَسْأَلَتِي
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَهِيَ لَكُمْ وَلِمَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ
إِلاَّ اللَّهُ."[7]



================


3- الأرض مسجدا وطهورا:


اختصّ اللّه تبارك وتعالى هذه الأمّة من
بين سائر الأمم فجعل لها الأرض مسجدا وطهورا فأيّما رجل منها أدركته الصّلاة فلم
يجد ماء ولا مسجدا فعنده طهوره ومسجده يتيمّم ويصلّي بخلاف الأمم قبلنا فإنّ
الصّلاة أبيحت لهم في أماكن مخصوصة كالبيع والصّوامع.



وقد وردت الأحاديث تبيّن هذا
المعنى:



عن جَابِرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ
النَّبِىَّ -
r- قَالَ «
أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِى نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ
مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، فَأَيُّمَا
رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِى أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ ، وَأُحِلَّتْ لِىَ
الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ ،
وَكَانَ النَّبِىُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً ، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ
عَامَّةً »[8].



وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ
r عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ قَامَ مِنَ
اللَّيْلِ يُصَلِّي، فَاجْتَمَعَ وَرَاءَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ
يَحْرُسُونَهُ حَتَّى إِذَا صَلَّى، وَانْصَرَفَ إِلَيْهِمْ قَالَ: " لَقَدْ
أُعْطِيتُ اللَّيْلَةَ خَمْسًا مَا أُعْطِيَهُنَّ أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي:
أُرْسِلْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي إِنَّمَا يُرْسَلُ النَّبِيُّ
إِلَى قَوْمِهِ، وَنُصِرْتُ عَلَى الْعَدُوِّ بِالرُّعْبِ وَلَوْ كَانَتْ بَيْنِي
وَبَيْنَهُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ مُلِئَ مِنِّي رُعْبًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ
الْغَنَائِمُ ، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعَظِّمُونَ أَكْلَهَا، كَانُوا
يُحْرِقُونَهَا، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، أَيْنَمَا
أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ تَمَسَّحْتُ وَصَلَّيْتُ، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي
يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ، إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي كَنَائِسِهِمْ
وَبِيَعِهِمْ، وَالْخَامِسَةُ هِيَ مَا هِيَ، قِيلَ لِي: سَلْ، فَإِنَّ مَنْ قَبْلَكَ
سَأَلَ، فَأَخَّرْتُ مَسْأَلَتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ لَكُمْ،
وَلِمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ "[9].



وعَنْ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ،قال
: قَالَ رَسُولُ اللهِ
r : أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ
مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللهِ ، مَا هُوَ قَالَ ؟ : نُصِرْتُ
بِالرُّعْبِ ، وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ ، وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ ، وَجُعِلَ
التُّرَابُ لِي طَهُورًا ، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الأُمَمِ.[10]



================



4- آصارٌ وأغلالٌ موضوعةٌ[11]:


من رحمة اللّه تعالى وكرمه بهذه الأمّة
المحمّديّة أن وضع عنها الآصار والأغلال الّتي كانت على الأمم قبلها، فأحلّ لها
كثيرا ممّا حرّم على غيرها، ولم يجعل عليها من عنت وشدّة كما قال تعالى: {وَجَاهِدُوا
فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ
مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن
قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا
شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا
بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (78) سورة
الحـج. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ
وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ
جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ
مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء
فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم
مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ
لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (6)
سورة المائدة، وقال تعالى :{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ
مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ
مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ
الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا
هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (185) سورة البقرة، فشريعته
r
أكمل الشّرائع وأسهلها وأيسرها.


وعَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا كَانَتْ
تَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ فَكَانَ النَّبِيُّ
r يَأْتِي بِصَوَاحِبِي يَلْعَبْنَ
مَعِي.قال أبو الزِّنَادِ : قَالَ لِي عُرْوَةُ ، إِنَّ عَائِشَةَ ، قَالَتْ :
قَالَ رَسُولُ اللهِ
r يَوْمَئِذٍ لِتَعْلَمَ يَهُودُ أَنَّ
فِي دِينِنَا فُسْحَةً إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ.[12]



وعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ
أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِىَّ -
r- بَعَثَ مُعَاذًا
وَأَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ قَالَ « يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا ، وَبَشِّرَا
وَلاَ تُنَفِّرَا ، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا »[13] .



وعَنْ أَبِى بُرْدَةَ قَالَ بَعَثَ
رَسُولُ اللَّهِ -
r- أَبَا مُوسَى
وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ ، قَالَ وَبَعَثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
عَلَى مِخْلاَفٍ قَالَ وَالْيَمَنُ مِخْلاَفَانِ ثُمَّ قَالَ « يَسِّرَا وَلاَ
تُعَسِّرَا ، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا » . فَانْطَلَقَ كُلُّ وَاحِدٍ
مِنْهُمَا إِلَى عَمَلِهِ ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا سَارَ فِى
أَرْضِهِ كَانَ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِهِ أَحْدَثَ بِهِ عَهْدًا ، فَسَلَّمَ
عَلَيْهِ ، فَسَارَ مُعَاذٌ فِى أَرْضِهِ قَرِيبًا مِنْ صَاحِبِهِ أَبِى مُوسَى ،
فَجَاءَ يَسِيرُ عَلَى بَغْلَتِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ ، وَإِذَا هُوَ
جَالِسٌ ، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ ، وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ قَدْ
جُمِعَتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
قَيْسٍ ، أَيَّمَ هَذَا قَالَ هَذَا رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلاَمِهِ . قَالَ لاَ
أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ . قَالَ إِنَّمَا جِىءَ بِهِ لِذَلِكَ فَانْزِلْ . قَالَ
مَا أَنْزِلُ حَتَّى يُقْتَلَ فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ يَا
عَبْدَ اللَّهِ ، كَيْفَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَالَ أَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا .
قَالَ فَكَيْفَ تَقْرَأُ أَنْتَ يَا مُعَاذُ قَالَ أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ
فَأَقُومُ وَقَدْ قَضَيْتُ جُزْئِى مِنَ النَّوْمِ ، فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ
اللَّهُ لِى ، فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِى كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِى .[14]



وهذه بعض الأحاديث المختارة
الّتي تشير إلى اختصاص أمّة الإسلام بوضع الآصار والأغلال عنها:



عن حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قالَ:
غَابَ عَنَّا رَسُولُ اللهِ
r يَوْمًا ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى
ظَنَنَّا أَنْ لَنْ يَخْرُجَ ، فَلَمَّا خَرَجَ سَجَدَ سَجْدَةً فَظَنَنَّا أَنَّ
نَفْسَهُ قَدْ قُبِضَتْ فِيهَا ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ : إِنَّ رَبِّي
اسْتَشَارَنِي فِي أُمَّتِي مَاذَا أَفْعَلُ بِهِمْ ، فَقُلْتُ : مَا شِئْتَ أَيْ
رَبِّ ، هُمْ خَلْقُكَ وَعِبَادُكَ ، فَاسْتَشَارَنِي الثَّانِيَةَ ، فَقُلْتُ
لَهُ كَذَلِكَ ، فَقَالَ : لاَ أُحْزِنُكَ فِي أُمَّتِكَ يَا مُحَمَّدُ ،
وَبَشَّرَنِي أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي مَعِي
سَبْعُونَ أَلْفًا مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا ، لَيْسَ عَلَيْهِمْ
حِسَابٌ ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ : ادْعُ تُجَبْ ، وَسَلْ تُعْطَ ،
فَقُلْتُ لِرَسُولِهِ : أَوَمُعْطِيَّ رَبِّي سُؤْلِي ، فَقَالَ : مَا أَرْسَلَنِي
إِلَيْكَ إِلاَّ لِيُعْطِيَكَ ، وَلَقَدْ أَعْطَانِي رَبِّي ، وَلاَ فَخْرَ
وَغَفَرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَمَا تَأَخَّرَ ، وَأَنَا أَمْشِي
حَيًّا صَحِيحًا ، وَأَعْطَانِي أَنْ لاَ تَجُوعَ أُمَّتِي ، وَلاَ تُغْلَبَ ،
وَأَعْطَانِي الْكَوْثَرَ فَهُوَ نَهْرٌ مِنَ الْجَنَّةِ يَسِيلُ فِي حَوْضِي ،
وَأَعْطَانِي الْعِزَّ وَالنَّصْرَ ، وَالرُّعْبَ يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْ أُمَّتِي
شَهْرًا ، وَأَعْطَانِي أَنِّي أَوَّلُ الأَنْبِيَاءِ أَدْخُلُ الْجَنَّةَ ،
وَطَيَّبَ لِي وَلأُمَّتِي الْغَنِيمَةَ ، وَأَحَلَّ لَنَا كَثِيرًا مِمَّا
شَدَّدَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا ، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ."[15].



وعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : بَلَغَهُ
أَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ يَبُولُ فِي قَارُورَةٍ وَيَقُولُ : إِنَّ بَنِي
إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ أَحَدَهُمُ الْبَوْلُ قَرَضَ مَكَانَهُ ، قَالَ
حُذَيْفَةُ : وَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ لاَ يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ ،
لَقَدْ رَأَيْتُنِي نَتَمَاشَى مَعَ رَسُولِ اللهِ
r فَانْتَهَيْنَا إِلَى سُبَاطَةٍ ،
فَقَامَ يَبُولُ كَمَا يَبُولُ أَحَدُكُمْ ، فَذَهَبْتُ أَتَنَحَّى عَنْهُ فَقَالَ
: ادْنُهْ ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ."[16].



وعَنْ أَبِي التَّيَّاحِ ، قَالَ :
سَمِعْتُ رَجُلا أَسْوَدَ كَانَ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْبَصْرَةِ حَدَّثَ
بِأَحَادِيثَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ
r، فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْهَا ، فَكَتَبَ
إِلَيْهِ الأَشْعَرِيُّ : إِنَّكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ زَمَانِكَ ، وَإِنِّي لَمْ
أُحَدِّثْ عَنِ النَّبِيِّ
rمِنْهَا
بِشَيْءٍ إِلاَّ أَنِّي كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ
r، فَأَرَادَ أَنْ
يَبُولَ ، فَقَامَ إِلَى دَمِثِ حَائِطٍ هُنَاكَ ، وَقَالَ : إِنَّ بَنِي
إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ أَحَدَهُمُ الْبَوْلُ قَرَضَهُ بِالْمِقْرَاضِ ،
فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ "[17]



وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا
إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِى
الْبُيُوتِ فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِىِّ -
r
- النَّبِىَّ - r
- فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي
الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ
مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ
الْمُتَطَهِّرِينَ} (222) سورة البقرة، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r
- « اصْنَعُوا كُلَّ شَىْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ
». فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ فَقَالُوا مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ
مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلاَّ خَالَفَنَا فِيهِ فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ
وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ
كَذَا وَكَذَا. فَلاَ نُجَامِعُهُنَّ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ -
r
- حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ
عَلَيْهِمَا فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِىِّ
-

r - فَأَرْسَلَ فِى آثَارِهِمَا
فَسَقَاهُمَا فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا."[18].



وعَنِ الشَّعْبِيِّ رَفَعَهُ إِلَى
النَّبِيِّ
rمَرَّ
عَلَى أَصْحَابِ الدِّرَكْلَةِ قَالَ خُذُوا يَا بَنِي أَرْفِدَةَ حَتَّى يَعْلَمَ
الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً قَالَ فَبَيْنَمَا هُمْ
كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ عُمَرُ فَلَمَّا رَأَوْهُ انْذَعَرُوا "[19]



وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ حَبَشٌ
يَلْعَبُونَ بِحِرَابٍ لَهُمْ ، فَكُنْتُ أَنْظُرُ مِنْ بَيْنِ أُذُنَىْ رَسُولِ
اللَّهِ -

r - وَعَاتِقِهِ ، حَتَّى كُنْتُ أَنَا
الَّتِى صَدَدْتُ .: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r
- :« مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلاَّ شَيْطَانٌ
آخِذٌ بِثَوْبِهِ يَقُولُ انْظُرْ ، فَلَمَّا جَاءَ عُمَرُ تَفَرَّقَتِ
الشَّيَاطِينُ ». قَالَتْ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r
- :« الْعَبُوا يَا بَنِى أَرْفِدَةَ ،
يَعْلَمِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَنَّ فِى دِينِنَا فُسْحَةً ». قَالَتْ
عَائِشَةُ : فَلَمْ أَحْفَظْ مِنْ قَوْلِهِمْ غَيْرَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ : أَبُو
الْقَاسِمِ طَيِّبٌ أَبُو الْقَاسِمِ طَيِّبٌ .[20]










[1] - هذا التقسيم قاله الإمام الخطابي. انظر فتح
الباري (1/ 522).







[2] - التفسير الميسر - (3 / 235)






[3] - انظر تفسير ابن جرير (10/ 32، 33)، وتفسير ابن
كثير (2/ 339).







[4] - صحيح البخارى- المكنز - (335 )






[5] - صحيح مسلم- المكنز - (4653 ) وانظر الفتح (6/
3124)



-
بضع بضم الباء: هو فرج المرأة. أي ملك فرجها بالنكاح.



-خلفات:
جمع خلفة ككلمة وكلمات. وهي الحامل من الإبل.



-ولادها:
أي نتاجها. وقال النووي: وفي هذا الحديث أن الأمور المهمة ينبغي أن لا تفوض إلا
إلى أولي الحزم وفراغ البال لها. ولا تفوض إلى متعلق القلب بغيرها. لأن ذلك يضعف
عزمه، ويفوت كمال بذله وسعيه.



-اللهم
احبسها: قال القاضي: اختلف في حبس الشمس المذكور هنا. فقيل: ردت على أدراجها.
وقيل: وقفت ولم ترد. وقيل أبطي ء بحركتها.



-فأقبلت
النار: أي من جانب السماء لتأكله، كما هو السنة في الأمم الماضية، لغنائمهم
وقرابينهم المتقبلة.



-فأخرجو
له مثل رأس بقرة: أي كقدره أو كصورته من ذهب كانوا غلوه أو أخفوه.



-بالصعيد:
يعني وجه الأرض.



-قوله
«... رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا»: كما في رواية البخاري قال الحافظ ابن حجر:
«... وفيه اختصاص هذه الأمة بحل الغنيمة. وكان ابتداء ذلك من غزوة بدر ...». انظر
فتح الباري (6/ 258).



-فطيبها:
أي جعلها لنا حلالا بحتا، ورفع عنا محقها بالنار تكرمة لنا.







[6] - سنن الترمذى- المكنز - (3365 ) صحيح -سود
الرءوس: المراد بهم بنو آدم لأن رءوسهم سود.







[7] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (2 / 718) (7068)
حسن







[8] - صحيح البخارى- المكنز - (335 )






[9] - شرح مشكل الآثار - (11 / 349) (4489 ) حسن






[10] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (1 / 295) (763) حسن







[11] - -الآصار: الإصر: العهد الثقيل. انظر لسان
العرب (4/ 22، 23).



-
الأغلال: الغل: جامعة توضع في العنق أو اليد، يقال: في رقبته غل حديد، والمراد به
هنا الأثقال. انظر لسان العرب (11/ 504)، وتفسير القرطبي (7/ 300).







[12] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (8 / 456)
(25961-25962) 26488-26489- صحيح







[13] - صحيح البخارى- المكنز - (3038 ) و صحيح مسلم-
المكنز - (4623 )







[14] - صحيح البخارى- المكنز - (4341 و 4342 )


المخلاف
: الإقليم -أتفوق : ألازم قراءته ليلا ونهارا







[15] - مسند أحمد
(عالم الكتب) - (7 / 718)(23336) 23725- حسن







[16] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (7 / 694)(23248)
23637- صحيح



الدمث: هو الأرض السهلة الرخوة، والرمل الذي
ليس بمتلبد. يقال: دمث المكان دمثا إذا لان وسهل. انظر النهاية في غريب الحديث
والأثر لابن الأثير (2/ 132).







[17] - المستدرك للحاكم(5964) فيه جهالة






[18] - صحيح مسلم- المكنز - (720)


ولم يجامعوهن في البيوت: أي لم يخالطوهن ولم
يساكنوهن في بيت واحد. -وجد : غضب -قد وجد عليهما: أي غضب عليهما. ولم يجد عليهما:
أي لم يغضب عليهما.







[19] - بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث - (2 / 826)
(866) ضعيف







[20] - مسند الحميدي - المكنز - (270) حسن ، وقال
الألباني عن هذا اللفظ: أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث (102/ 2)، والحارث بن أبي
أسامة في مسنده (212- زوائد)، والديلمي (2/ 110)، والحميدي (259). ثم قال
الألباني: فالحديث بمجموع هذه الطرق صحيح بلا ريب. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة
برقم (1829)، وصحيح الجامع الصغير برقم (3214)



-
الدركلة: قال ابن الأثير رحمه اللّه: يروى بكسر الدال وفتح الراء وسكون الكاف،
ويروى بكسر الدال وسكون الراء وكسر الكاف وفتحها، ويروى بالقاف عوض الكاف وهي ضرب
من لعب الصبيان، وقال ابن دريد: أحسبها حبشية. انظر النهاية لابن الأثير (2/ 114).



-
بني أرفدة: قال ابن الأثير رحمه اللّه: هو لقب لهم وقيل هو اسم أبيهم الأقدم
يعرفون به، وفاؤه مكسورة وقد تفتح. انظر النهاية لابن الأثير (2/ 242).
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

تابع

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين مارس 15, 2010 1:33 pm

وأمّا الآثار:


عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ
الْقِصَاصُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ دِيَةٌ ، فَقَالَ اللهُ
لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ
بِالْحُرِّ } [البقرة: 178] إِلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ
مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } [البقرة: 178] فَالْعَفْوُ فِي أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي
الْعَمْدِ { ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ } [البقرة: 178]، مِمَّا كَانَ
كُتِبَ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ " [1]



- وفي حديث الفتون الطّويل عن ابن
عبّاس- رضي اللّه عنهما-؛ في قوله تعالى: {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ
أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ
عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ
وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى
قَدَرٍ يَا مُوسَى} (40) سورة طـه



فعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا سَأَلْتُهُ عَنِ
الْفُتُونِ مَا هُوَ ؟ قَالَ : اسْتَأْنِفِ النَّهَارَ يَا ابْنَ جُبَيْرٍ ،
فَإِنَّهَا حَدِيثَةٌ طَوِيلَةٌ . فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ إِلَى ابْنِ
عَبَّاسٍ لِأَنْتَجِزَ مِنْهُ مَا وَعَدَنِي مِنْ حَدِيثِ الْفُتُونِ ، قَالَ :
تَذَاكَرَ فِرْعَوْنُ وَجُلَسَاؤُهُ مَا كَانَ اللَّهُ وَعَدَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ
أَنْ يَجْعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَنْبِيَاءَ وَمُلُوكًا ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ :
إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيَنْظُرُونَ ذَلِكَ مَا يَشُكُّونَ فِيهِ ، وَقَدْ
كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ ، فَلَمَّا هَلَكَ قَالُوا :
لَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - وَعَدَ إِبْرَاهِيمَ . قَالَ
فِرْعَوْنُ : كَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَأْتَمَرُوا وَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى أَنْ
يَبْعَثَ رِجَالًا مَعَهُمُ الشِّفَارُ ، يَطُوفُونَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ،
فَلَا يَجِدُونَ مَوْلُودًا ذَكَرًا إِلَّا ذَبَحُوهُ . فَفَعَلُوا ذَلِكَ ،
فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْكِبَارَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَمُوتُونَ
بِآجَالِهِمْ وَالصِّغَارَ يُذَبَّحُونَ قَالُوا : يُوشِكُ أَنْ تُفْنُوا بَنِي
إِسْرَائِيلَ ، فَتُضْطَرُّوا أَنْ تُبَاشِرُوا مِنَ الْأَعْمَالِ الَّذِي كَانُوا
يَكْفُونَكُمْ ، فَاقْتُلُوا عَامًا كُلَّ مَوْلُودٍ ذَكَرٍ فَيَقِلُّ نَبَاتُهُمْ
، وَدَعُوا عَامًا فَلَا يُقْتَلُ مِنْهُمْ [ أَحَدٌ ] ، فَيَنْشَأَ الصِّغَارُ
مَكَانَ مَنْ يَمُوتُ مِنَ الْكِبَارِ ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَكْثُرُوا بِمَنْ
تَسْتَحْيُونَ مِنْهُمْ فَتَخَافُونَ مُكَاثَرَتَهُمْ إِيَّاكُمْ ، وَلَنْ
يَفْنَوْا بِمَنْ تَقْتُلُونَ فَتَحْتَاجُونَ إِلَى ذَلِكَ . فَأَجْمَعُوا
أَمَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَحَمَلَتْ أُمُّ مُوسَى بِهَارُونَ فِي الْعَامِ الَّذِي
لَا يُذْبَحُ فِيهِ الْغِلْمَانُ ، فَوَلَدَتْهُ عَلَانِيَةً آمِنَةً ، فَلَمَّا
كَانَ مِنْ قَابِلٍ حَمَلَتْ بِمُوسَى ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِهَا الْهَمُّ
وَالْحُزْنُ ، وَذَلِكَ مِنَ الْفُتُونِ يَا ابْنَ جُبَيْرٍ بِمَا دَخَلَ مِنْهُ
فِي قَلْبِ أُمِّهِ مِمَّا يُرَادُ بِهِ ، فَأَوْحَى اللَّهُ - تَبَارَكَ
وَتَعَالَى - إِلَيْهَا أَنْ لَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ
إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَأَمَرَهَا إِنْ وَلَدَتْ أَنْ
تَجْعَلَهُ فِي تَابُوتٍ ثُمَّ تُلْقِيَهُ فِي الْيَمِّ ، فَلَمَّا وَلَدَتْهُ
فَعَلَتْ ذَلِكَ بِهِ . فَلَمَّا تَوَارَى عَنْهَا ابْنُهَا أَتَاهَا الشَّيْطَانُ
فَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا : مَا صَنَعْتُ بِابْنِي ! لَوْ ذُبِحَ عِنْدِي
فَوَارَيْتُهُ وَكَفَّنْتُهُ كَانَ خَيْرًا لِي مِنْ أَنْ أُلْقِيَهُ بِيَدِي
إِلَى زَفَرَاتِ الْبَحْرِ وَحِيتَانِهِ ، فَانْتَهَى الْمَاءُ بِهِ إِلَى
فُرْضَةِ مُسْتَقَى جَوَارِي امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ ، فَلَمَّا رَأَيْنَهُ
أَخَذْنَهُ ، فَهَمَمْنَ أَنْ يَفْتَحْنَ التَّابُوتَ ، فَقَالَ بِعْضُهُنَّ :
إِنَّ فِي هَذَا مَالًا وَإِنَّا إِنْ فَتَحْنَاهُ لَمْ تُصَدِّقْنَا امْرَأَةُ
الْمَلِكِ بِمَا وَجَدْنَا فِيهِ . فَحَمَلْنَهُ بِهَيْئَتِهِ لَمْ يُحَرِّكْنَ
مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى دَفَعْنَهُ إِلَيْهَا ، فَلَمَّا فَتَحَتْهُ رَأَتْ فِيهِ
غُلَامًا ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا مَحَبَّةٌ لَمْ تَجِدْ مِثْلَهَا عَلَى
أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ قَطُّ ، فَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا مَنْ
ذِكْرِ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا [ مِنْ ] ذِكْرِ مُوسَى ، فَلَمَّا سَمِعَ
الذَّبَّاحُونَ بِأَمْرِهِ أَقْبَلُوا بِشِفَارِهِمْ إِلَى امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ
لِيَذْبَحُوهُ ، وَذَلِكَ مِنَ الْفُتُونِ يَا ابْنَ جُبَيْرٍ ، فَقَالَتْ لَهُمُ
: اتْرُكُوهُ ، فَإِنَّ هَذَا الْوَاحِدَ لَا يَزِيدُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ
حَتَّى آتِيَ فِرْعَوْنَ فَأَسْتَوْهِبَهُ مِنْهُ ، فَإِنْ وَهَبَهُ لِي كُنْتُمْ
قَدْ أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ ، وَإِنْ أَمَرَ بِذَبْحِهِ لَمْ أَلُمْكُمْ ،
فَأَتَتْ بِهِ فِرْعَوْنَ فَقَالَتْ : قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ قَالَ فِرْعَوْنُ
: يَكُونُ لَكِ ، فَأَمَّا لِي فَلَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ . قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ -
r - : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ
، لَوْ أَقَرَّ فِرْعَوْنُ كَمَا أَقَرَّتِ امْرَأَتُهُ لَهَدَاهُ اللَّهُ كَمَا
هَدَى امْرَأَتَهُ ، وَلَكِنْ حَرَمَتْهُ ذَلِكَ " . فَأَرْسَلَتْ إِلَى مَنْ
حَوْلَهَا مَنْ كُلِّ امْرَأَةٍ لَهَا لَبَنٌ لِتَخْتَارَ لَهُ ظِئْرًا ، فَجَعَلَ
كُلَّمَا أَخَذَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ لِتُرْضِعَهُ لَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَهَا
حَتَّى أَشْفَقَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ اللَّبَنِ
فَيَمُوتَ ، فَأَحْزَنَهَا ذَلِكَ ، فَأُخْرِجُ إِلَى السُّوقِ وَمَجْمَعِ
النَّاسِ تَرْجُو أَنْ تَجِدَ لَهُ ظِئْرًا يَأْخُذُ مِنْهَا ، فَلَمْ يَقْبَلْ .
فَأَصْبَحَتْ أُمُّ مُوسَى وَالِهَةً ، فَقَالَتْ لِأُخْتِهِ : قُصِّيهِ ، قُصِّي
أَثَرَهُ وَاطْلُبِيهِ هَلْ تَسْمَعِينَ لَهُ ذِكْرًا ؟ حَيٌّ ابْنِي أَمْ
أَكَلَتْهُ الدَّوَابُّ ؟ وَنَسِيَتْ مَا كَانَ اللَّهُ وَعَدَهَا مِنْهُ ،
فَبَصُرَتْ بِهِ أُخْتُهُ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ - وَالْجُنُبُ : أَنْ
يَسْمُوَ بَصَرُ الْإِنْسَانِ إِلَى الشَّيْءِ الْبَعِيدِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ
لَا يَشْعُرُ بِهِ - فَقَالَتْ مِنَ الْفَرَحِ حِينَ أَعْيَاهُمُ الظُّؤَارُ :
أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ
نَاصِحُونَ . فَأَخَذُوهَا فَقَالُوا : مَا يُدْرِيكِ مَا نُصْحُهُمْ لَهُ ؟ هَلْ
تَعْرِفُونَهُ ؟ حَتَّى شَكُّوا فِي ذَلِكَ ، وَذَلِكَ مِنَ الْفُتُونِ يَا ابْنَ
جُبَيْرٍ ، فَقَالَتْ : نُصْحُهُمْ لَهُ وَشَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ رَغْبَةً فِي
صِهْرِ الْمَلِكِ وَرَجَاءَ مَنَعَتِهِ . فَأَرْسَلُوهَا فَانْطَلَقَتْ إِلَى
أُمِّهَا فَأَخْبَرَتْهَا الْخَبَرَ ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ فَلَمَّا وَضَعَتْهُ فِي
حِجْرِهَا نَزَا إِلَى ثَدْيِهَا فَمَصَّهُ حَتَّى امْتَلَأَ جَنْبَاهُ رِيًّا .
فَانْطَلَقَ الْبَشِيرُ إِلَى امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ يُبَشِّرُهَا أَنْ قَدْ وَجَدْنَا
لِابْنِكَ ظِئْرًا ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهَا فَأُتِيَتْ بِهَا وَبِهِ ، فَلَمَّا
رَأَتْ مَا يَصْنَعُ بِهَا قَالَتْ لَهَا : امْكُثِي عِنْدِي تُرْضِعِينَ ابْنِي
هَذَا ، فَإِنِّي لَمْ أُحِبَّ حُبَّهُ شَيْئًا قَطُّ . قَالَتْ أُمُّ مُوسَى :
لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدَعَ بَيْتِيَ وَوَلَدِيَ فَيَضِيعَ ، فَإِنْ طَابَتْ
نَفْسُكِ أَنْ تُعْطِيَنِيهِ فَأَذْهَبَ بِهِ إِلَى بَيْتِي فَيَكُونَ مَعِي لَا
آلُوهُ خَيْرًا ، وَإِلَّا فَإِنِّي غَيْرُ تَارِكَةٍ بَيْتِي وَوَلَدِي .
وَذَكَرَتْ أُمُّ مُوسَى مَا كَانَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَعَدَهَا ،
فَتَعَاسَرَتْ عَلَى امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ ، وَأَيْقَنَتْ أَنَّ اللَّهَ مُنْجِزٌ
وَعْدَهُ ، فَرَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا بِابْنِهَا . [ فَأَصْبَحَ أَهْلُ ]
الْقَرْيَةُ مُجْتَمِعِينَ يَمْتَنِعُونَ مِنَ السُّخْرَةِ وَالظُّلْمِ مَا كَانَ
بَيْنَهُمْ . قَالَ : فَلَمَّا تَرَعْرَعَ قَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ لِأُمِّ
مُوسَى : أَنْ تُرِينِي ابْنِي ، فَوَعَدَتْهَا يَوْمًا تُرِيهَا إِيَّاهُ ،
فَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ لِخُزَّانِهَا وَقَهَارِمَتِهَا وَظُؤُورِهَا :
لَا يَبْقَيَنَّ أَحَدٌمِنْكُمْ إِلَّا اسْتَقْبَلَ ابْنِي الْيَوْمَ بِهَدِيَّةٍ
وَكَرَامَةٍ لِأَرَى ذَلِكَ فِيهِ ، وَأَنَا بَاعِثَةٌ أَمِينًا يُحْصِي كُلَّ مَا
يَصْنَعُ [ كُلُّ ] إِنْسَانٌ مِنْكُمْ . فَلَمْ تَزَلِ الْهَدَايَا
وَالْكَرَامَةُ وَالنِّحَلُ تَسْتَقْبِلُهُ مِنْ حِينِ خَرَجَ مِنْ بَيْتِ أُمِّهِ
إِلَى أَنْ دَخَلَ عَلَى امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا
بَجَّلَتْهُ وَأَكْرَمَتْهُ وَفَرِحَتْ بِهِ ، وَبَجَّلَتْ بِأُمِّهِ لِحُسْنِ
أَثَرِهَا عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَتْ : لَآتِيَنَّ فِرْعَوْنَ فَلْيُبَجِّلَنَّهُ
وَلْيُكْرِمَنَّهُ . فَلَمَّا دَخَلَتْ بِهِ عَلَيْهِ جَعَلَتْهُ فِي حِجْرِهِ ،
فَتَنَاوَلَ مُوسَى لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ فَمَدَّهَا إِلَى الْأَرْضِ ، فَقَالَ
الْغُوَاةُ أَعْدَاءُ اللَّهِ لِفِرْعَوْنَ : أَلَا تَرَى إِلَى مَا وَعَدَ
اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ نَبِيَّهُ أَنَّهُ يَرِبُكَ وَيَعْلُوكَ وَيَصْرَعُكَ !
فَأَرْسَلَ إِلَى الذَّبَّاحِينَ لِيَذْبَحُوهُ . وَذَلِكَ مِنَ الْفُتُونِ يَا
ابْنَ جُبَيْرٍ بَعْدَ كُلِّ بَلَاءٍ ابْتُلِيَ بِهِ وَأُرْبِكَ بِهِ فُتُونًا .
فَجَاءَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ تَسْعَى إِلَى فِرْعَوْنَ فَقَالَتْ : مَا بَدَا
لَكَ فِي هَذَا الْغُلَامِ الَّذِي وَهَبْتَهُ لِي ؟ قَالَ : تَرَيْنَهُ يَزْعُمُ
أَنَّهُ يَصْرَعُنِي وَيَعْلُونِي ! قَالَتْ : اجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَمْرًا
تَعْرِفُ الْحَقَّ فِيهِ ، ائْتِ بِجَمْرَتَيْنِ وَلُؤْلُؤَتَيْنِ فَقَرِّبْهُنَّ
إِلَيْهِ ، فَإِنْ بَطَشَ بِاللُّؤْلُؤَتَيْنِ وَاجْتَنَبَ الْجَمْرَتَيْنِ
عَرَفْتَ أَنَّهُ يَعْقِلُ ، وَإِنْ تَنَاوَلَ الْجَمْرَتَيْنِ وَلَمْ يَرُدَّ
اللُّؤْلُؤَتَيْنِ عَلِمْتَ أَنْ أَحَدًا لَا يُؤْثِرُ الْجَمْرَتَيْنِ عَلَى
اللُّؤْلُؤَتَيْنِ وَهُوَ يَعْقِلُ . فَقَرَّبَ ذَلِكَ ، فَتَنَاوَلَ
الْجَمْرَتَيْنِ وَلَمْ يُرِدِ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ ، عَلِمْتَ ، فَانْزَعُوهُمَا
مِنْ يَدِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَحْرِقَانِهِ ، فَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ :
أَلَا تَرَى ؟ فَصَرَفَهُ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ مَا قَدْ كَانَ هَمَّ بِهِ ،
وَكَانَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بَالِغًا فِيهِ أَمْرَهُ . فَلَمَّا بَلَغَ
أَشُدَّهُ وَكَانَ مِنَ الرِّجَالِ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
يَخْلُصُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَهُ بِظُلْمٍ وَلَا سُخْرَةٍ
حَتَّى امْتَنَعُوا بِهِ كُلَّ الِامْتِنَاعِ ، فَبَيْنَمَا مُوسَى فِي نَاحِيَةِ
الْمَدِينَةِ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ ، أَحَدُهُمَا
فِرْعَوْنِيٌّ وَالْآخَرُ إِسْرَائِيلِيٌّ ، فَاسْتَغَاثَهُ الْإِسْرَائِيلِيُّ
عَلَى الْفِرْعَوْنِيِّ ، فَغَضِبَ مُوسَى غَضَبًا شَدِيدًا لِأَنَّهُ تَنَاوَلَهُ
وَهُوَ يَعْلَمُ مَنْزِلَةَ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَحِفْظَهُ لَهُمْ ،
لَا يَعْلَمُ النَّاسُ أَلَا إِنَّمَا ذَلِكَ مِنَ الرِّضَاعِ إِلَّا أُمَّ مُوسَى
، إِلَّا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ أَطْلَعَ مُوسَى مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا لَمْ
يُطْلِعْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ . فَوَكَزَ مُوسَى الْفِرْعَوْنِيَّ فَقَتَلَهُ ،
وَلَيْسَ يَرَاهُمَا أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ وَالْإِسْرَائِيلِيُّ ، فَقَالَ مُوسَى
حِينَ قَتَلَ الرَّجُلَ : هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ
مُبِينٌ ثُمَّ قَالَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ وَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ الْأَخْبَارَ ،
فَأُتِيَ فِرْعَوْنُ فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَتَلُوا رَجُلًا
مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ فَخُذْ لَنَا بِحَقِّنَا وَلَا تُرَخِّصْ لَهُمْ ، فَقَالَ :
ابْغُونِي قَاتِلَهُ وَمَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْمَلِكَ وَإِنْ كَانَ
صَفْوُهُ مَعَ قَوْمٍ لَا يَسْتَقِيمُ لَهُمْ أَنْ يُقَيِّدَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ
وَلَا تَثَبُّتٍ ، فَاطْلُبُوا لِي عِلْمَ ذَلِكَ آخُذْ لَكُمْ بِحَقِّكُمْ .
فَبَيْنَمَا هُمْ يَطُوفُونَ لَا يَجِدُونَ ثَبْتًا إِذَا مُوسَى قَدْ رَأَى مِنَ
الْغَدِ ذَلِكَ الْإِسْرَائِيلِيَّ يُقَاتِلُ رَجُلًا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ آخَرَ ،
فَاسْتَغَاثَهُ الْإِسْرَائِيلِيُّ عَلَى الْفِرْعَوْنِيِّ ، فَصَادَفَ مُوسَى
قَدْ نَدِمَ عَلَى مَا فَعَلَ وَكَانَ مِنْهُ فَكَرِهَ الَّذِي رَأَى لِغَضَبِ
الْإِسْرَائِيلِيِّ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْطِشَ بِالْفِرْعَوْنِيِّ ، فَقَالَ
لِلْإِسْرَائِيلِيِّ لِمَا فَعَلَ أَمْسِ وَالْيَوْمَ : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ
أَنْ يَكُونَ إِيَّاهُ أَرَادَ وَمَا أَرَادَ الْفِرْعَوْنِيَّ ، وَلَمْ يَكُنْ
أَرَادَهُ إِنَّمَا أَرَادَ الْفِرْعَوْنِيَّ ، فَخَافَ الْإِسْرَائِيلِيُّ
فَحَاجَّ لِلْفِرْعَوْنِيِّ وَقَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا
قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ
إِيَّاهُ أَرَادَ مُوسَى لِيَقْتُلَهُ ، وَتَنَازَعَا وَتَطَاوَعَا ، وَانْطَلَقَ
الْفِرْعَوْنِيُّ إِلَى قَوْمِهِ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا سَمِعَ مِنَ
الْإِسْرَائِيلِيِّ مِنَ الْخَبَرِ حَيْثُ يَقُولُ : أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي
كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ الذَّبَّاحِينَ
لِيَقْتُلُوا مُوسَى ، فَأَخَذَ رُسُلُ فِرْعَوْنَ الطَّرِيقَ الْأَعْظَمَ
يَمْشُونَ عَلَى هَيْئَتِهِمْ ، يَطْلُبُونَ لِمُوسَى ، وَهُمْ لَا يَخَافُونَ
أَنْ يَفُوتَهُمْ ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ شِيعَةِ مُوسَى مِنْ أَقْصَى
الْمَدِينَةِ ، اخْتَصَرَ طَرِيقًا قَرِيبًا حَتَّى سَبَقَهُمْ إِلَى مُوسَى
فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ . وَذَلِكَ مِنَ الْفُتُونِ يَا ابْنَ جُبَيْرٍ . فَخَرَجَ
مُوسَى مُتَوَجِّهًا نَحْوَ مَدْيَنَ ، لَمْ يَلْقَ بَلَاءً قَبْلَ ذَلِكَ
وَلَيْسَ لَهُ بِالطَّرِيقِ عِلْمٌ إِلَّا حُسْنَ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ - عَزَّ
وَجَلَّ - فَإِنَّهُ قَالَ : عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ
وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ
وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ - يَعْنِي بِذَلِكَ
حَابِسَتَيْنِ غَنَمَهُمَا - فَقَالَ لَهُمَا : مَا خَطْبُكُمَا مُعْتَزِلَتَيْنِ
لَا تَسْقِيَانِ مَعَ النَّاسِ ؟ قَالَتَا : لَيْسَ بِنَا قُوَّةٌ نُزَاحِمُ
الْقَوْمَ وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ فُضُولَ حِيَاضِهِمْ . فَسَقَى لَهُمَا ، فَجَعَلَ
يَغْرِفُ مِنَ الدَّلْوِ مَاءً كَثِيرًا حَتَّى كَانَ أَوَّلَ الرِّعَاءِ فَرَاغًا
. فَانْصَرَفَتَا بِغَنَمِهِمَا إِلَى أَبِيهِمَا ، وَانْصَرَفَ مُوسَى
فَاسْتَظَلَّ بِشَجَرَةٍ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ
خَيْرٍ فَقِيرٌ ، فَاسْتَنْكَرَ سُرْعَةَ صُدُورِهِمَا بِغَنَمِهِمَا حَفْلًا
بِطَانًا فَقَالَ : إِنَّ لَكُمَا الْيَوْمَ لَشَأْنًا . فَأَخْبَرَتَاهُ بِمَا
صَنَعَ مُوسَى ، فَأَمَرَ إِحْدَاهُمَا تَدْعُوهُ لَهُ ، فَأَتَتْ مُوسَى
فَدَعَتْهُ . فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ : لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ لَيْسَ لِفِرْعَوْنَ وَلَا لِقَوْمِهِ عَلَيْنَا سُلْطَانٌ
وَلَسْنَا فِي مَمْلَكَتِهِ . قَالَ : فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا : يَا أَبَتِ
اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ . قَالَ :
فَاحْتَمَلَتْهُ الْغَيْرَةُ إِلَى أَنْ قَالَ : وَمَا يُدْرِيكِ مَا قُوَّتُهُ
وَمَا أَمَانَتُهُ ؟ قَالَتْ : أَمَّا قُوَّتُهُ فَمَا رَأَيْتُ مِنْهُ فِي
الدَّلْوِ حِينَ سَقَى لَنَا لَمْ أَرَ رَجُلًا أَقْوَى فِي ذَلِكَ السَّقْيِ
مِنْهُ ، وَأَمَّا أَمَانَتُهُ فَإِنَّهُ نَظَرَ إِلَيَّ حِينَ أَقْبَلْتُ
إِلَيْهِ وَشَخَصْتُ لَهُ ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنِّي امْرَأَةٌ صَوَّبَ رَأْسَهُ
وَلَمْ يَرْفَعْهُ وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيَّ حَتَّى بَلَّغْتُهُ رِسَالَتَكَ ،
ثُمَّ قَالَ : امْشِي خَلْفِي وَابْغِينِي الطَّرِيقَ ، فَلَمْ يَفْعَلْ هَذَا الْأَمْرَ
إِلَّا وَهُوَ أَمِينٌ . فَسُرِّيَ عَنْ أَبِيهَا فَصَدَّقَهَا فَظَنَّ بِهِ
الَّذِي قَالَتْ . فَقَالَ لَهُ : هَلْ لَكَ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ
هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا
فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ
اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ، فَفَعَلَ ، فَكَانَتْ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَى
-
r - ثَمَانِ سِنِينَ وَاجِبَةً ،
وَكَانَتْ سَنَتَانِ عِدَةً مِنْهُ . فَقَضَى اللَّهُ عِدَتَهُ فَأَتَمَّهَا
عَشْرًا . قَالَ سَعِيدٌ : فَلَقِيَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ مِنْ
عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ : هَلْ تَدْرِي أَيُّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ قُلْتُ
: لَا - وَأَنَا يَوْمَئِذٍ لَا أَدْرِي - فَلَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَذَكَرْتُ
لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ ثَمَانِيًا كَانَتْ عَلَى مُوسَى
وَاجِبَةً ، وَلَمْ يَكُنْ نَبِيُّ اللَّهِ لِيَنْقُصَ مِنْهَا شَيْئًا ،
وَتَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ قَاضٍ عَنْ مُوسَى عِدَتَهُ الَّذِي وَعَدَ ، فَإِنَّهُ
قَضَى عَشْرَ سِنِينَ . فَلَقِيتُ النَّصْرَانِيَّ فَأَخْبَرْتُهُ ذَلِكَ ،
فَقَالَ : الَّذِي سَأَلْتَهُ فَأَخْبَرَكَ أَعْلَمُ مِنْكَ بِذَلِكَ ؟ قَالَ :
قُلْتُ : أَجَلْ وَأَوْلَى . فَلَمَّا سَارَ مُوسَى بِأَهْلِهِ كَانَ مِنْ أَمْرِ
النَّارِ وَالْعَصَا وَيَدِهِ مَا قَصَّ [ اللَّهُ ] عَلَيْكَ فِي الْقُرْآنِ .
فَشَكَا إِلَى رَبِّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - مَا يَتَخَوَّفُ مِنْ آلِ
فِرْعَوْنَ فِي الْقَتْلِ وَعُقْدَةَ لِسَانِهِ فَإِنَّهُ كَانَ فِي لِسَانِهِ
عُقْدَةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْكَلَامِ ، وَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ
يُعِينَهُ بِأَخِيهِ هَارُونَ لِيَكُونَ لَهُ رِدْءًا وَيَتَكَلَّمَ عَنْهُ [
بِكَثِيرٍ مِمَّا لَا يَفْصَحُ بِهِ لِسَانُهُ ] . فَآتَاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ ،
فَعَبَّرَ عَنْهُ بِكَثِيرٍ مِمَّا لَا يُفْصِحُ بِهِ لِسَانُهُ وَحَلَّ عُقْدَةَ
لِسَانِهِ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَارُونَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَلْقَاهُ ، فَانْدَفَعَ
مُوسَى بِعَصَاهُ حَتَّى لَقِيَ هَارُونَ ، فَانْطَلَقَا جَمِيعًا إِلَى
فِرْعَوْنَ ، فَأَقَامَا عَلَى بَابِهِ حِينًا لَا يُؤْذَنُ لَهُمَا ، ثُمَّ
أُذِنَ لَهُمَا بَعْدَ حِجَابٍ شَدِيدٍ فَقَالَا : إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ
فَقَالَ : مَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى ؟ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي قَصَّ اللَّهُ
عَلَيْكَ فِي الْقُرْآنِ ، فَقَالَ : فَمَا تُرِيدُ ؟ وَذَكَّرَهُ الْقَتِيلَ
فَاعْتَذَرَ بِمَا قَدْ سَمِعْتَ ، وَقَالَ : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُؤْمِنَ
بِاللَّهِ وَتُرْسِلَ مَعِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَأَبَى عَلَيْهِ ذَلِكَ وَقَالَ
: ائْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ
حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ فَاغِرَةٌ فَاهَا مُسْرِعَةٌ إِلَى فِرْعَوْنَ . فَلَمَّا
رَآهَا فِرْعَوْنُ قَاصِدَةً إِلَيْهِ خَافَهَا ، فَاقْتَحَمَ عَنْ سَرِيرِهِ ،
وَاسْتَغَاثَ بِمُوسَى أَنْ يَكُفَّهَا عَنْهُ فَفَعَلَ ، ثُمَّ أَخْرَجَ يَدَهُ
مِنْ جَيْبِهِ فَرَآهَا بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ - يَعْنِي مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ
- ثُمَّ رَدَّهَا فَعَادَتْ إِلَى لَوْنِهَا الْأَوَّلِ . فَاسْتَشَارَ الْمَلَأَ
حَوْلَهُ فِيمَا رَأَى فَقَالُوا لَهُ : إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ
أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ
الْمُثْلَى - يَعْنِي مُلْكَهُمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ وَالْعَيْشَ - فَأَبَوْا أَنْ
يُعْطُوهُ شَيْئًا مِمَّا طَلَبَ وَقَالُوا لَهُ : اجْمَعْ لَنَا السَّحَرَةَ ،
فَإِنَّهُمْ بِأَرْضِكَ كَثِيرٌ حَتَّى يَغْلِبَ سِحْرُهُمْ سِحْرَهُمَا ،
فَأَرْسَلَ فِي الْمَدِينَةِ ، فَحُشِرَ لَهُ كُلُّ سَاحِرٍ مُتَعَالِمٍ .
فَلَمَّا أَتَوْا فِرْعَوْنَ قَالُوا : بِمَ يَعْمَلُ هَذَا السَّاحِرُ ؟ قَالُوا
: بِالْحَيَّاتِ . قَالُوا : فَلَا وَاللَّهِ مَا أَحَدٌ فِي الْأَرْضِ يَعْمَلُ
السِّحْرَ بِالْحَيَّاتِ وَالْعِصِيِّ الَّتِي نَعْمَلُ ، فَمَا أَجْرُنَا إِنْ
نَحْنُ غَلَبْنَا ؟ فَقَالَ لَهُمْ : إِنَّكُمْ أَقَارِبِي وَخَاصَّتِي ، وَأَنَا
صَانِعٌ إِلَيْكُمْ كُلَّمَا أَحْبَبْتُمْ . فَتَوَاعَدُوا يَوْمَ الزِّينَةِ
وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضَحًى . قَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ
أَنَّ يَوْمَ الزِّينَةِ الْيَوْمُ الَّذِي أَظْهَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى عَلَى
فِرْعَوْنَ وَالسَّحَرَةِ ، وَهُوَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ . فَلَمَّا اجْتَمَعُوا فِي
صَعِيدٍ قَالَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : انْطَلِقُوا فَلْنَحْضُرْ هَذَا
الْأَمْرَ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ
يَعْنُونَ مُوسَى وَهَارُونَ اسْتِهْزَاءً بِهِمَا . فَقَالُوا : يَا مُوسَى - لِقُدْرَتِهِمْ
بِسِحْرِهِمْ - إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ
قَالَ : بَلْ أَلْقُوا فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعَزَّةِ
فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ فَرَأَى مُوسَى مِنْ سِحْرِهِمْ مَا
أَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً ، فَأَوْحَى اللَّهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -
إِلَيْهِ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا أَلْقَاهَا صَارَتْ ثُعْبَانًا عَظِيمًا
فَاغِرَةً فَاهَا ، فَجَعَلَتِ الْعَصَا بِدَعْوَةِ مُوسَى تَلْبَسُ الْحِبَالَ
حَتَّى صَارَتْ جُدُرًا إِلَى الثُّعْبَانِ يَدْخُلُ فِيهِ حَتَّى مَا أَبْقَتْ
عَصًا وَلَا حَبْلًا إِلَّا ابْتَلَعَتْهُ . فَلَمَّا عَرَفَ السَّحَرَةُ ذَلِكَ
قَالُوا : لَوْ كَانَ هَذَا سِحْرًا لَمْ تَبْتَلِعْ مِنْ سِحْرِنَا هَذَا ،
وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - آمَنَّا بِاللَّهِ
وَبِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى ، وَنَتُوبُ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مِمَّا
كُنَّا عَلَيْهِ . وَكَسَرَ اللَّهُ ظَهْرَ فِرْعَوْنَ فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ
وَأَشْيَاعِهِ وَأَظْهَرَ الْحَقَّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا
هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وَامْرَأَةُ فِرْعَوْنَ بَارِزَةٌ
مُبْتَذِلَةٌ تَدْعُو اللَّهَ - تَعَالَى - بِالنَّصْرِ لِمُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ
، فَمَنْ رَآهَا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ظَنَّ أَنَّهَا ابْتُذِلَتْ لِلشَّفَقَةِ
عَلَى فِرْعَوْنَ وَأَشْيَاعِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ حُزْنُهَا وَهَمُّهَا لِمُوسَى
. فَلَمَّا طَالَ مُكْثُ مُوسَى لِمَوَاعِيدِ فِرْعَوْنَ الْكَاذِبَةِ جَاءَهُ
بِآيَةٍ وَعَدَهُ عِنْدَهَا أَنْ يُرْسِلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَإِذَا مَضَتْ
أَخْلَفَ مَوَاعِيدَهُ وَقَالَ : هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يَصْنَعَ غَيْرَ
هَذَا ؟ فَأَرْسَلَ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْمِهِ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ
وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ . كُلُّ ذَلِكَ
يَشْكُو إِلَى مُوسَى وَيَطْلُبُ إِلَى مُوسَى أَنْ يَكُفَّهَا عَنْهُ
وَيُوَاثِقُهُ أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَإِذَا كَفَّهَا عَنْهُ
أَخْلَفَ مَوْعِدَهُ وَنَكَثَ عَهْدَهُ ، حَتَّى أُمِرَ مُوسَى بِالْخُرُوجِ
بِقَوْمِهِ ، فَخَرَجَ بِهِمْ لَيْلًا ، فَلَمَّا أَصْبَحَ فِرْعَوْنُ وَرَأَى
أَنَّهُمْ قَدْ مَضَوْا أَرْسَلَ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَتْبَعُهُمْ
بِجُنُودٍ عَظِيمَةٍ كَثِيرَةٍ . فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْبَحْرِ أَنْ إِذَا
ضَرَبَكَ عَبْدِي مُوسَى بِعَصَاهُ فَانْفَرِقَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً
حَتَّى يَجُوزَ مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ ، ثُمَّ الْتَقِ عَلَى مَنْ بَقِيَ بَعْدَهُ
مِنْ فِرْعَوْنَ وَأَشْيَاعِهِ ، فَنَسِيَ مُوسَى أَنْ يَضْرِبَ الْبَحْرَ
بِالْعَصَا ، فَانْتَهَى إِلَى الْبَحْرِ وَلَهُ قَصِيفٌ مَخَافَةَ أَنْ
يَضْرِبَهُ مُوسَى بِعَصَاهُ وَهُوَ غَافِلٌ فَيَصِيرَ عَاصِيًا ، فَلَمَّا
تَرَاءَى الْجَمْعَانِ وَتَقَارَبَا قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى : إِنَّا
لَمُدْرَكُونَ افْعَلْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ فَإِنَّكَ لَنْ تَكْذِبَ وَلَنْ
تُكَذَّبَ ، فَقَالَ : وَعَدَنِي إِذَا أَتَيْتُ الْبَحْرَ يَفْرُقُ لِي اثْنَتَيْ
عَشْرَةَ فِرْقَةً حَتَّى أُجَاوِزَ . ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَصَا
فَضَرَبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ فَانْفَرَقَ لَهُ حَتَّى دَنَا أَوَائِلُ جُنْدِ
فِرْعَوْنَ مِنْ أَوَّلِ جُنْدِ مُوسَى ، فَانْفَرَقَ الْبَحْرُ كَمَا أَمَرَهُ
رَبُّهُ وَكَمَا وَعَدَ مُوسَى . فَلَمَّا أَنْ جَاوَزَ مُوسَى وَأَصْحَابُهُ
كُلُّهُمْ ، وَدَخَلَ فِرْعَوْنُ وَأَصْحَابُهُ كُلُّهُمُ الْتَقَى عَلَيْهِمْ
كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ، فَلَمَّا أَنْ جَاوَزَ مُوسَى الْبَحْرَ قَالُوا :
إِنَّا نَخَافُ أَنْ لَا يَكُونَ فِرْعَوْنُ غَرِقَ فَلَا نُؤْمِنُ بِهَلَاكِهِ .
فَدَعَا رَبَّهُ فَأَخْرَجَهُ لَهُ بِيَدَيْهِ حَتَّى اسْتَيْقَنُوا بِهَلَاكِهِ .
ثُمَّ مَرُّوا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا
مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ
تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ قَدْ رَأَيْتُمْ مِنَ الْغَيْرِ وَسَمِعْتُمْ مَا يَكْفِيكُمْ ،
وَمَضَى ، فَأَنْزَلَهُمْ مُوسَى مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ لَهُمْ : أَطِيعُوا
هَارُونَ ، فَإِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُهُ عَلَيْكُمْ ، فَإِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى
رَبِّي ، وَأَجَّلَهُمْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ . فَلَمَّا
أَتَى رَبَّهُ أَرَادَ أَنْ يُكَلِّمَهُ فِي ثَلَاثِينَ وَقَدْ صَامَهُنَّ
لَيْلَهُنَّ وَنَهَارَهُنَّ ، كَرِهَ أَنْ يُكَلِّمَ رَبَّهُ وَيَخْرُجَ مِنْ
فَمِهِ رِيحُ فَمِ الصَّائِمِ ، فَتَنَاوَلَ مُوسَى شَيْئًا مِنْ نَبَاتِ
الْأَرْضِ فَمَضَغَهُ ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ حِينَ أَتَاهُ : أَفْطَرْتَ ؟ -
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالَّذِي كَانَ - قَالَ : رَبِّ كَرِهْتُ أَنْ أُكَلِّمَكَ
إِلَّا وَفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ . قَالَ : أَوَمَا عَلِمْتَ يَا مُوسَى أَنَّ
رِيحَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدِي مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ؟ ارْجِعْ حَتَّى
تَصُومَ عَشْرًا ثُمَّ ائْتِنِي . فَفَعَلَ مُوسَى مَا أُمِرَ . فَلَمَّا رَأَى
قَوْمُ مُوسَى أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِمْ لِلْأَجَلِ قَالَ : بَيْنَمَا
هُمْ كَذَلِكَ وَكَانَ هَارُونُ قَدْ خَطَبَهُمْ فَقَالَ : إِنَّكُمْ خَرَجْتُمْ
مِنْ مِصْرَ ، وَلِقَوْمِ فِرْعَوْنَ عَوَارٍ وَوَدَائِعُ ، وَلَكُمْ فِيهَا
مِثْلُ ذَلِكَ ، وَأَنَا أَرَى أَنْ تَحْبِسُوا مَالَكُمْ عِنْدَهُمْ ، وَلَا
أُحِلُّ لَكُمْ وَدِيعَةً وَلَا عَارِيَةً ، وَلَسْنَا بِرَادِّينَ إِلَيْهِمْ
شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا مُمْسِكِينَ لِأَنْفُسِنَا . فَحَفَرَ حَفِيرًا
وَأَمَرَ كُلَّ قَوْمٍ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ مَتَاعٍ أَوْ حِلْيَةٍ
أَنْ يَقْذِفُوهُ فِي ذَلِكَ الْحَفِيرِ ، ثُمَّ أَوْقَدَ عَلَيْهِ
النَّارَفَأَحْرَقَهُ ، فَقَالَ : لَا يَكُونُ لَنَا وَلَا لَهُمْ . وَكَانَ
السَّامِرِيُّ رَجُلًا مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ جِيرَانٍ لَهُمْ ،
وَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَاحْتَمَلَ مَعَ مُوسَى وَبَنِي
إِسْرَائِيلَ حِينَ احْتَمَلُوا ، فَقَضَى لَهُ أَنْ رَأَى أَثَرًا فَأَخَذَ
مِنْهُ قَبْضَةً ، فَمَرَّ بِهَارُونَ ، فَقَالَ لَهُ [ هَارُونُ ] : يَا
سَامِرِيُّ أَلَا تُلْقِي مَا فِي يَدِكَ ؟ وَهُوَ قَابِضٌ عَلَيْهِ لَا يَرَاهُ
أَحَدٌ طُوَالَ ذَلِكَ . قَالَ : هَذِهِ قَبْضَةٌ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ الَّذِي
جَاوَزَ بِكُمُ الْبَحْرَ ، فَمَا أُلْقِيهَا بِشَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَدْعُوَ
اللَّهَ إِذَا أَلْقَيْتُهَا أَنْ يَكُونَ مَا أُرِيدُ . فَأَلْقَاهَا وَدَعَا
لَهُ هَارُونُ وَقَالَ : أُرِيدُ أَنْ تَكُونَ عِجْلًا فَاجْتَمَعَ مَا كَانَ فِي
الْحُفْرَةِ مِنْ مَتَاعٍ أَوْ حِلْيَةٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ حَدِيدٍ فَصَارَ
عِجْلًا أَجْوَفَ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ لَهُ خُوَارٌ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَلَا
وَاللَّهِ ، مَا كَانَ لَهُ صَوْتٌ قَطُّ ، إِنَّمَا كَانَتِ الرِّيحُ تَدْخُلُ
مِنْ دُبُرِهِ فَتَخْرُجُ مِنْ فِيهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ الصَّوْتُ مِنْ ذَلِكَ .
فَتَفَرَّقَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِرَقًا ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ : يَا سَامِرِيُّ
مَا هَذَا ، فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ ؟ قَالَ : هَذَا رَبُّكُمْ ، وَلَكِنَّ مُوسَى
أَضَلَّ الطَّرِيقَ . وَقَالَتْ فِرْقَةٌ : لَا نُكَذِّبُ بِهَذَا حَتَّى يَرْجِعَ
إِلَيْنَا مُوسَى ، فَإِنْ كَانَ رَبَّنَا لَمْ نَكُنْ ضَيَّعْنَاهُ وَعَجَزْنَا
فِيهِ حِينَ رَأَيْنَاهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَبَّنَا فَإِنَّا نَتَّبِعُ قَوْلَ
مُوسَى . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ وَلَيْسَ
بِرَبِّنَا وَلَا نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نُصَدِّقُ . وَأُشْرِبَ فِرْقَةٌ فِي قُلُوبِهِمُ
التَّصْدِيقَ بِمَا قَالَ السَّامِرِيُّ فِي الْعِجْلِ وَأَعْلَنُوا التَّكْذِيبَ
بِهِ ، فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ : يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ
رَبَّنَا الرَّحْمَنُ لَيْسَ هَكَذَا . قَالُوا : فَمَا بَالُ مُوسَى وَعَدَ
ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ أَخْلَفَنَا ؟ فَهَذِهِ الْأَرْبَعُونَ قَدْ مَضَتْ .
فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ : أَخْطَأَ رَبَّهُ فَهُوَ يَطْلُبُهُ وَيَبْتَغِيهِ .
فَلَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى وَقَالَ لَهُ مَا قَالَ أَخْبَرَهُ بِمَا لَقِيَ
قَوْمُهُ مِنْ بَعْدِهِ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا فَقَالَ
لَهُمْ مَا سَمِعْتُمْ فِي الْقُرْآنِ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ
إِلَيْهِ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ ، ثُمَّ إِنَّهُ عَذَرَ أَخَاهُ فَاسْتَغْفَرَ
لَهُ وَانْصَرَفَ إِلَى السَّامِرِيِّ ، فَقَالَ لَهُ : مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا
صَنَعْتَ ؟ قَالَ : قَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ وَفَطِنْتُ لَهَا
وَعَمِيَتْ عَلَيْكُمْ فَقَذَفْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ
فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ
مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ
عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ، وَلَوْ
كَانَ إِلَهًا لَمْ يَخْلُصْ إِلَى ذَلِكَ مِنَّا ، فَاسْتَيْقَنَ بَنُو
إِسْرَائِيلَ ، وَاغْتَبَطَ الَّذِينَ كَانَ رَأْيُهُمْ فِيهِ مِثْلَ رَأْيِ
هَارُونَ وَقَالُوا - جَمَاعَتُهُمْ - لِمُوسَى : سَلْ لَنَا رَبَّكَ أَنْ
يَفْتَحَ لَنَا بَابَ تَوْبَةٍ نَصْنَعُهَا وَيُكَفِّرَ لَنَا مَا عَمِلْنَا .
فَاخْتَارَ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِذَلِكَ - لِإِتْيَانِ الْجَبَلِ -
مِمَّنْ لَمْ يُشْرِكْ فِي الْعِجْلِ . فَانْطَلَقَ بِهِمْ لِيَسْأَلَ لَهُمُ
التَّوْبَةَ ، فَرَجَعَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ ، فَاسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ مِنْ
قَوْمِهِ وَوَفْدِهِ حِينَ فَعَلَ بِهِمْ مَا فَعَلَ قَالَ : رَبِّ لَوْ شِئْتَ
أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ
مِنَّا وَفِيهِمْ مَنْ كَانَ اللَّهُ اطَّلَعَ عَلَى مَا أُشْرِبَ مِنْ حُبِّ
الْعِجْلِ وَإِيمَانًا بِهِ ، فَلِذَلِكَ رَجَفَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ فَقَالَ :
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ
الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي
التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَقَالَ : رَبِّ سَأَلْتُكَ التَّوْبَةَ فَقُلْتَ :
إِنَّ رَحْمَتَكَ كَتَبْتَهَا لِقَوْمٍ غَيْرِ قَوْمِي ، فَلَيْتَكَ أَخَّرْتَنِي
حَتَّى تُخْرِجَنِي حَيًّا فِي أُمَّةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الْمَرْحُومَةِ ، فَقَالَ
اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لَهُ : إِنَّ تَوْبَتَهُمْ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ
مِنْهُمْ كُلَّ مَنْ لَقِيَ مِنْ وَالِدٍ وَوَلَدٍ ، فَيَقْتُلُهُ بِالسَّيْفِ لَا
يُبَالِي مَنْ قَتَلَ فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ . وَيَأْبَى أُولَئِكَ الَّذِينَ
خَفِيَ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ مَا اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِمْ
وَاعْتَرَفُوا بِهَا وَفَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ فَغَفَرَ اللَّهُ لِلْقَاتِلِ
وَالْمَقْتُولِ . ثُمَّ سَارَ بِهِمْ مُوسَى مُتَوَجِّهًا نَحْوَ الْأَرْضِ
الْمُقَدَّسَةِ ، وَأَخَذَ الْأَلْوَاحَ بَعْدَمَا سَكَنَ عَنْهُ الْغَضَبُ ،
وَأَمَرَهُمْ بِالَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ أَنْ يُبَلِّغَهُمْ مِنَ الْوَظَائِفِ ،
فَثَقُلَ وَأَبَوْا أَنْ يُقِرُّوا بِهَا ، فَنَتَقَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَبَلَ
كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ، وَدَنَا مِنْهُمْ حَتَّى خَافُوا أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ ،
فَأَخَذُوا الْكِتَابَ بِأَيْمَانِهِمْ وَهُمْ مُصْغُونَ إِلَى الْجَبَلِ
وَالْأَرْضِ ، وَالْكِتَابُ بِأَيْدِيهِمْ ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى الْجَبَلِ
مَخَافَةَ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ مَضَوْا حَتَّى أَتَوُا الْأَرْضَ الجزء
السابع < 66 > الْمُقَدَّسَةَ ، فَوَجَدُوا فِيهَا مَدِينَةً فِيهَا قَوْمٌ
جَبَّارُونَ ، خَلْقُهُمْ خَلْقٌ مُنْكَرٌ ، وَذَكَرَ مِنْ ثِمَارِهِمْ أَمْرًا
عَجِيبًا ، فَقَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ لَا طَاقَةَ
لَنَا بِهِمْ وَلَا نَدْخُلُهَا مَا دَامُوا فِيهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا
فَإِنَّا دَاخِلُونَ ، قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ
اللَّهُ عَلَيْهِمَا مِنَ الْجَبَّارِينَ : آمَنَّا بِمُوسَى ، فَخَرَجَا إِلَيْهِ
، فَقَالَا : نَحْنُ أَعْلَمُ بِقَوْمِنَا ، إِنْ كُنْتُمْ إِنَّمَا تَخَافُونَ
مِنْ أَجْسَامِهِمْ وَعِدَّتِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا قُلُوبَ لَهُمْ وَلَا مَنَعَةَ
عَلَيْهِمْ ، فَادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ
غَالِبُونَ . وَيَقُولُ نَاسٌ : إِنَّهُمَا مِنْ قَوْمِ مُوسَى ، وَزَعَمَ سَعِيدُ
بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّهُمَا مِنَ الْجَبَابِرَةِ آمَنَا بِمُوسَى ، يَقُولُ : مِنَ
الَّذِينَ يَخَافُونَ إِنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ الَّذِينَ يَخَافُهُمْ بَنُو
إِسْرَائِيلَ ، قَالُوا : يَا مُوسَى ، اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا
إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ . فَأَغْضَبُوا مُوسَى ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ
وَسَمَّاهُمْ : فَاسِقِينَ ، وَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ ، لَمَّا
رَأَى مِنْهُمْ مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَإِسَاءَتَهُمْ حَتَّى كَانَ يَوْمَئِذٍ
فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ فِيهِمْ ، وَسَمَّاهُمْ فَاسِقِينَ ، وَحَرَّمَهَا
عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ، يُصْبِحُونَ كُلَّ
يَوْمٍ فَيَسِيرُونَ لَيْسَ لَهُمْ قَرَارٌ ، ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ
فِي التِّيهِ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ، وَجَعَلَ لَهُمْ
ثِيَابًا لَا تَبْلَى وَلَا تَنْسُجُ ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمْ حَجَرًا مُرَبَّعًا ،
وَأَمَرَ مُوسَى فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ
عَيْنًا فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ ثَلَاثُ أَعْيُنٍ ، وَأَعْلَمَ كُلَّ سِبْطٍ
عَيْنَهُمُ الَّتِي يَشْرَبُونَ مِنْهَا ، لَا يَرْتَحِلُونَ مِنْ مَنْقَلَةٍ
إِلَّا وَجَدُوا ذَلِكَ الْحَجَرَ فِيهِمْ بِالْمَكَانِ الَّذِي بِالْأَمْسِ .
رَفَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ -
r - وَصَدَّقَ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ
مُعَاوِيَةَ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَ هَذَا الْحَدِيثَ ، فَأَنْكَرَهُ
عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْفِرْعَوْنِيُّ أَفْشَى عَلَى مُوسَى أَمْرَ
الْقَتِيلِ الَّذِي قُتِلَ ، فَكَيْفَ يُفْشِي عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهِ
وَلَا ظَهَرَ عَلَيْهِ إِلَّا الْإِسْرَائِيلِيُّ الَّذِي حَضَرَ ذَلِكَ [
وَشَهِدَهُ ] ؟ فَغَضِبَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَخَذَ بِيَدِ مُعَاوِيَةَ فَذَهَبَ
بِهِ إِلَى سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ : يَا أَبَا إِسْحَاقَ ،
هَلْ تَذْكُرُ يَوْمَ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -
r - عَنْ قَتِيلِ مُوسَى الَّذِي قَتَلَهُ
[ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ] الْإِسْرَائِيلِيُّ الَّذِي أَفْشَى عَلَيْهِ أَمِ
الْفِرْعَوْنِيُّ ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا أَفْشَى عَلَيْهِ الْفِرْعَوْنِيُّ بِمَا
سَمِعَ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيِّ الَّذِي شَهِدَ ذَلِكَ وَحَضَرَهُ . رَوَاهُ أَبُو
يَعْلَى[2]



وعن
أبي وائل قال، قال عبد الله: كانت بنو إسرائيل إذا أصابَ أحدهم ذنبًا أصبح قد
كُتِب كفارة ذلك الذنب على بابه. وإذا أصاب البولُ شيئًا منه، قَرَضه بالمقراض.
فقال رجل: لقد آتى الله بني إسرائيل خيرًا! فقال عبد الله: ما آتاكم الله خيرٌ مما
آتاهم، جعل الله الماءَ لكم طهورًا وقالSad وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً
أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ )
[سورة آل عمران: 135]، وقال:"ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد
الله غفورًا رحيمًا". [3]



وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ المالكي [4]-
رحمه اللّه-: كان من قبلنا من الأمم صومهم الإمساك عن الكلام مع الطّعام والشّراب،
فكانوا في حرج، فأرخص اللّه لهذه الأمّة بحذف نصف زمانها، وهو اللّيل، وحذف نصف
صومها، وهو الإمساك عن الكلام ورخّص لها فيه[5].



================










[1] - شرح مشكل الآثار - (12 / 421) صحيح


فَكَانَ
مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِخْبَارًا مِنْهُ عَنِ الْمَعْنَى
الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَطَبَ رَسُولُ اللهِ
r يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ بِمَا خَطَبَ بِهِ مِنْ
إِبَاحَةِ أَخْذِ الدِّيَةِ فِي الدَّمِ الْعَمْدِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ
مُحَرَّمًا عَلَى مَنْ قَبْلَ أُمَّتِهِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرَائِعِ دِينِهِمْ،
وَجَعَلَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ شَرِيعَتِهِ، وَمِمَّا قَدْ تَعَبَّدَ
أُمَّتَهُ بِهِ، فَخَطَبَ بِهِ عَلَى النَّاسِ لِيَعْلَمُوهُ .







[2] - مسند أبي يعلى الموصلي (2618 ) ومجمع الزوائد
- (13 / 131) حسن -قال الحافظ ابن كثير عن حديث الفتون الطويل: رواه النسائي في
السنن الكبرى، وأخرجه ابن جرير، وابن حاتم في تفسيريهما ... وهو موقوف من كلام ابن
عباس وليس فيه مرفوع إلا قليل منه. انظر تفسير ابن كثير (3/ 160، 161).







[3] - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة - (9 / 195)
(10422) صحيح







[4] - انظر كتابه عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي
(3/ 229).







[5] - أورد الحافظ ابن كثير في تفسيره عن أنس بن
مالك رضي اللّه عنه في قوله تعالى- حكاية عن مريم عليها السلام-: إِنِّي نَذَرْتُ
لِلرَّحْمنِ صَوْماً قال صمتا، قال ابن كثير: وكذا قال ابن عباس- رضي اللّه عنهما-
والضحاك، وفي رواية عن أنس- رضي اللّه عنه-: صوما وصمتا. وكذا قال قتادة وغيرهما.
والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام. نص على ذلك
السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد. انظر تفسير ابن كثير (3/ 124)، وكذلك تفسير ابن
جرير (16/ 56). وتفسير القرطبي (11/ 98).
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

تابع

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين مارس 15, 2010 1:36 pm

5- يوم الجمعة[1]:


اختصّت الأمّة المحمّديّة بخصائص كثيرة
في الدّنيا لم تعطها غيرها من الأمم. ومن ذلك يوم الجمعة سيّد الأيام خير يوم طلعت
فيه الشّمس، فيه خلق آدم عليه السّلام، وفيه أدخل الجنّة، وفيه أخرج منها، وفيه
تقوم السّاعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل اللّه خيرا إلّا أعطاه ما سأل،
وفيه صلاة الجمعة الّتي أمر اللّه بالسّعي إليها في كتابه العزيز، فقال عزّ من
قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ
فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن
كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (9) سورة الجمعة.



فهذا اليوم المبارك اختلفت فيه الأمم من
قبلنا فهدانا اللّه له وأضلّ النّاس عنه فهو لنا. ولليهود السّبت.



وللنّصارى يوم الأحد. كما نطقت بذلك
الأحاديث النّبويّة الكثيرة ومنها:



عن أبي هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه -
أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -
r- يَقُولُ «
نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا ، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِى فُرِضَ عَلَيْهِمْ
فَاخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَهَدَانَا اللَّهُ ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ ،
الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ » [2].



وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ
الأَعْرَجِ مَوْلَى بَنِي رَبِيعَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ،
يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ
rيَقُولُ:
نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، ثُمَّ هَذَا
يَوْمُهِمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ،
فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ: الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ.



وفي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ
r: نَحْنُ
الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ
أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِ، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، هَذَا يَوْمُهُمُ
الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ،
فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ.



وفي رواية عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ:
هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ
rقَالَ:
نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ
الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ، فَهُمْ لَنَا
فِيهِ تَبَعٌ، وَالْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ.



وفي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
النَّبِيُّ
r: نَحْنُ
الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ كُلُّ أُمَّةٍ أُوتُوا
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهَذَا الْيَوْمُ
الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَغَدًا لِلْيَهُودُ،
وَبَعْدَ الْغَدِ النَّصَارَى."[3]



وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ
r: خَيْرُ يَوْمٍ
طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ: فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ
أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَاتَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ،
وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، مِنْ حَيْثُ
تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ، إِلا الْجِنَّ
وَالإِنْسَ، وَفِيهَا سَاعَةٌ لا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي
يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ.[4]



وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ قَالَ
: خَرَجْتُ إِلَى الطُّورِ ، فَلَقِيتُ كَعْبَ الأَحْبَارِ ، فَجَلَسْتُ مَعَهُ ،
فَحَدَّثَنِي عَنِ التَّوْرَاةِ ، وَحَدَّثْتُهُ عَنِ رَسُولِ اللهِ
r
، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثْتُهُ أَنْ قُلْتُ :
إِنَّ رَسُولَ اللهِ
r قَالَ : خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ
الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ ، وَفِيهِ أُهْبِطَ ، وَفِيهِ
تِيبَ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ مَاتَ ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ ، وَمَا مِنْ
دَابَّةٍ إِلاَّ وَهِيَ مُسِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينِ تُصْبِحُ حَتَّى
تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ ، إِلاَّ الْجِنَّ وَالإِِنْسَ ،
وَفِيهَا سَاعَةٌ لاَ يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي ، يَسْأَلُ
اللَّهَ شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ ، قَالَ كَعْبٌ : ذَلِكَ فِي كُلِّ
سَنَةٍ مَرَّةً ، فَقُلْتُ : بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ ، فَقَرَأَ كَعْبٌ
التَّوْرَاةَ ، فَقَالَ : صَدَقَ رَسُولُ اللهِ
r ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : ثُمَّ
لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلاَمٍ ، فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبٍ ،
وَمَا حَدَّثْتُهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، فَقُلْتُ لَهُ : قَالَ كَعْبٌ :
ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلاَمٍ : كَذَبَ
كَعْبٌ ، ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ ، فَقَالَ : بَلْ هِيَ فِي كُلِّ
جُمُعَةٍ ، فَقَالَ : عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلاَمٍ صَدَقَ كَعْبٌ."[5]



وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ -
r - « خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ
يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ أُهْبِطَ وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ
وَفِيهِ مَاتَ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ وَهِىَ
مُسِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينَ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ
شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلاَّ الْجِنَّ وَالإِنْسَ وَفِيهِ سَاعَةٌ لاَ
يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّى يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَةً إِلاَّ
أَعْطَاهُ إِيَّاهَا ». قَالَ كَعْبٌ ذَلِكَ فِى كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ.



فَقُلْتُ بَلْ فِى كُلِّ جُمُعَةٍ.
قَالَ فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ فَقَالَ صَدَقَ النَّبِىُّ -
r
-. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ثُمَّ لَقِيتُ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلاَمٍ فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِى مَعَ كَعْبٍ فَقَالَ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ قَدْ عَلِمْتُ أَيَّةَ سَاعَةٍ هِىَ.



قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ
فَأَخْبِرْنِى بِهَا. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ هِىَ آخِرُ سَاعَةٍ
مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. فَقُلْتُ كَيْفَ هِىَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ
الْجُمُعَةِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r
- « لاَ يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ
يُصَلِّى ». وَتِلْكَ السَّاعَةُ لاَ يُصَلَّى فِيهَا. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ
بْنُ سَلاَمٍ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ -
r
- « مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ
الصَّلاَةَ فَهُوَ فِى صَلاَةٍ حَتَّى يُصَلِّىَ ». قَالَ فَقُلْتُ بَلَى. قَالَ
هُوَ ذَاكَ."[6]



وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
r: أَتَانِي
جِبْرِيلُ
r، وَفِي يَدِهِ
مِرْآةٌ بَيْضَاءُ ، فِيهَا نَكْتَةٌ سَوْدَاءُ ، فَقُلْتُ : مَا هَذِهِ يَا
جِبْرِيلُ ، قَالَ : هَذِهِ الْجُمُعَةُ يَعْرِضُهَا عَلَيْكَ رَبُّكَ لِتَكُونَ
لَكَ عِيدًا وَلِقَوْمِكَ مِنْ بَعْدِكَ ، تَكُونُ أَنْتَ الأَوَّلُ ، وَتَكُونُ
الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مِنْ بَعْدِكَ ، قَالَ : مَا لَنَا فِيهَا ، قَالَ :
لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ، لَكُمْ فِيهَا سَاعَةٌ مَنْ دَعَا رَبَّهُ فِيهَا بِخَيْرٍ
، هُوَ لَهُ قَسْمٌ إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ ، أَوْ لَيْسَ لَهُ بِقَسْمٍ إِلا
ادُّخِرَ لَهُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ ، أَوْ تَعَوَّذَ فِيهَا مِنْ شَرٍّ ،
هُوَ عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ ، إِلا أَعَاذَهُ مِنْ أَعْظَمَ مِنْهُ ، قُلْتُ : مَا
هَذِهِ النَّكْتَةُ السَّوْدَاءُ فِيهَا ؟ قَالَ : هِيَ السَّاعَةُ تَقُومُ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ ، وَهُوَ سَيِّدُ الأَيَّامِ عِنْدَنَا ، وَنَحْنُ نَدْعُوهُ فِي
الآخِرَةِ يَوْمَ الْمَزِيدِ ، قَالَ : قُلْتُ : لِمَ تَدْعُونَهُ يَوْمَ
الْمَزِيدِ ؟ قَالَ : إِنَّ رَبَّكَ . اتَّخَذَ فِي الْجَنَّةِ وَادِيًا أَفْيَحَ
مِنْ مِسْكٍ أَبْيَضَ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ نَزَلَ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى مِنْ عِلِّيِّينَ عَلَى كُرْسِيِّهِ ، ثُمَّ حَفَّ الْكُرْسِيَّ
بِمَنَابِرَ مِنْ نُورٍ ، وَجَاءَ النَّبِيُّونَ حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَيْهَا ،
ثُمَّ حَفَّ الْمَنَابِرَ بِكَرَاسِيٍّ فِي ذَهَبٍ ، ثُمَّ جَاءَ الصِّدِّيقُونَ
وَالشُّهَدَاءُ حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَيْهَا ، ثُمَّ يَجِيءُ أَهْلُ الْجَنَّةِ
حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَى الْكَثِيبِ ، فَيَتَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى ، حَتَّى يَنْظُرُوا إِلَى وَجْهِهِ ، وَهُوَ يَقُولُ : أَنَا الَّذِي
صَدَقْتُكُمْ وَعْدِي ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ، هَذَا نُحْلُ
كَرَامَتِي فَسَلُونِي ، فَيَسْأَلُونَهُ الرِّضَى ، فَيَقُولُ . : رِضَائِي
أَحَلَّكُمْ دَارِي ، وَأَنَا لَكُمْ كَرَامَتِي ، فَسَلُونِي فَيَسْأَلُونَهُ
حَتَّى تَنْتَهِيَ رَغْبَتُهُمْ ، فَيَفْتَحُ لَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ مَا لا عَيْنٌ
رَأَتْ ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ إِلَى مِقْدَارِ
مُنْصَرَفِ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، ثُمَّ يَصْعَدُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى
عَلَى كُرْسِيِّهِ ، فَيَصْعَدُ مَعَهُ الشُّهَدَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ ،
أَحْسِبُهُ قَالَ : وَيَرْجِعُ أَهْلُ الْغُرَفِ إِلَى غُرَفِهِمْ ، دُرَّةً
بَيْضَاءَ لا فَصْمَ فِيهَا وَلا قَصْمَ ، أَوْ يَاقُوتَةً حَمْرَاءَ ، أَوْ
زَبَرْجَدَةً خَضْرَاءَ مِنْهَا غُرَفُهَا وَأَبْوَابُهَا ، مُطَّرِدَةٌ فِيهَا
أَنْهَارُهَا ، مُتَدَلِّيَةٌ فِيهَا ثِمَارُهَا ، فِيهَا أَزْوَاجُهَا
وَخَدَمُهَا ، فَلَيْسُوا إِلَى شَيْءٍ أَحْوَجَ مِنْهُمْ إِلَى يَوْمِ
الْجُمُعَةِ لِيَزْدَادُوا فِيهِ كَرَامَةً ، وَلِيَزْدَادُوا فِيهِ نَظَرًا إِلَى
وَجْهِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَلِذَلِكَ دُعِيَ يَوْمَ الْمَزِيدِ."[7]



وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ :
عُرِضَتِ الْجُمُعَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
r ، جَاءَ جِبْرِيلُ فِي كَفِّهِ
كَالْمِرَآةِ الْبَيْضَاءِ فِي وَسَطِهَا كَالنُّكْتَةِ السَّوْدَاءِ ، فَقَالَ :
" مَا هَذِهِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَذِهِ الْجُمُعَةُ يَعْرِضُهَا
عَلَيْكَ رَبُّكَ لِتَكُونَ لَكَ عِيدًا وَلِقَوْمِكَ مِنْ بَعْدِكَ ، وَلَكُمْ
فِيهَا خَيْرٌ تَكُونُ أَنْتَ الْأَوَّلُ ، وَيَكُونُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى
مِنْ بَعْدِكَ ، وَفِيهَا سَاعَةٌ لَا يَدْعُو أَحَدٌ رَبَّهُ بِخَيْرٍ هُوَ لَهُ
قَسْمٌ إِلَّا أَعْطَاهُ ، أَوْ يَتَعَوَّذُ مِنْ شَرٍّ إِلَّا دَفَعَ عَنْهُ مَا
هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ ، وَنَحْنُ نَدْعُوهُ فِي الْآخِرَةِ يَوْمَ الْمَزِيدِ ،
وَذَلِكَ أَنَّ رَبَّكَ اتَّخَذَ فِي الْجَنَّةِ وَادِيًا أَفْيَحَ مِنْ مِسْكٍ
أَبْيَضَ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ نَزَلَ مِنْ عِلِّيِّينَ ، فَجَلَسَ
عَلَى كُرْسِيِّهِ ، وَحَفَّ الْكُرْسِيَّ بِمَنَابِرَ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٍ
بِالْجَوَاهِرِ ، وَجَاءَ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ فَجَلَسُوا عَلَيْهَا ،
وَجَاءَ أَهْلُ الْغُرَفِ مِنْ غُرَفِهِمْ حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَى الْكَثِيبِ ،
وَهُوَ كَثِيبٌ أَبْيَضُ مِنْ مِسْكٍ أَذْفَرَ ، ثُمَّ يَتَجَلَّى لَهُمْ
فَيَقُولُ : أَنَا الَّذِي صَدَقْتُكُمْ وَعْدِي ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ
نِعْمَتِي ، وَهَذَا مَحَلُّ كَرَامَتِي ، فَسَلُونِي ، فَيَسْأَلُونَهُ الرِّضَا
، فَيَقُولُ : رِضَايَ أُحِلُّكُمْ دَارِي ، وَأَنَالَكُمْ كَرَامَتِي ،
فَسَلُونِي ، فَيَسْأَلُونَهُ الرِّضَا ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِمْ عَلَى الرِّضَا ،
ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ
بَشَرٍ ، إِلَى مِقْدَارِ مُنْصَرَفِهِمْ مِنَ الْجُمُعَةِ ، وَهِيَ زَبَرْجَدَةٌ
خَضْرَاءُ أَوْ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ ، مُطَّرَدَةٌ فِيهَا أَنْهَارُهَا ،
مُتَدَلِّيَةٌ ، فِيهَا ثِمَارُهَا ، فِيهَا أَزْوَاجُهَا وَخَدَمُهَا ، فَلَيْسَ
هُمْ فِي الْجَنَّةِ بِأَشْوَقَ مِنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِيَزْدَادُوا
نَظَرًا إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ وَكَرَامَتِهِ ، وَلِذَلِكَ دُعِيَ يَوْمَ
الْمَزِيدِ " "[8]



وعَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " جَاءَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ
السَّلَامُ ، وَقَالَ : إِنَّ فِي الْجَنَّةِ وَادِيًا أَفْيَحَ مِنْ مِسْكٍ
أَبْيَضَ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، نَزَلَ الرَّبُّ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى مِنْ عِلِّيِّينَ عَلَى كُرْسِيِّهِ ، ثُمَّ حُفَّ الْكُرْسِيُّ
مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ ، فَجَاءَ النَّبِيُّونَ حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَيْهَا ،
ثُمَّ حَفَّ تِلْكَ الْمَنَابِرَ مُكَلَّلَةً مِنْ جَوْهَرٍ فَجَاءَ
الصِّدِّيقُونَ ، وَالشُّهَدَاءُ فَجَلَسُوا عَلَيْهَا ، وَجَاءَ أَهْلُ الْغُرَفِ
حَتَّى يَجْلِسُوا عَلَى الْكَثِيبِ ، ثُمَّ يَتَجَلَّى لَهُمْ ، فَيَقُولُ :
أَنَا الَّذِي صَدَقْتُكُمْ وَعْدِي ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ،
وَهَذَا مَحَلُّ كَرَامَتِي ، فَاسْأَلُونِي فَيَسْأَلُونَهُ حَتَّى تَنْتَهِيَ
بِهِمْ رَغْبَتُهُمْ ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُمْ عَمَّا لَمْ تَرَ عَيْنٌ ، وَلَمْ
يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ، إِلَى قَدْرِ مُنْصَرَفِهِمْ مِنَ الْجُمُعَةِ ،
فَهِيَ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ ، وَزَبَرْجَدَةٌ خَضْرَاءُ مُطَّرِدَةٌ ، فِيهَا
أَنْهَارُهَا ، وَفِيهَا ثِمَارُهَا ، وَأَزْوَاجُهَا ، وَخَدَمُهَا ، فَلَيْسُوا
أَشْوَقَ مِنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِيَزْدَادُوا نَظَرًا إِلَى
رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ"[9]



================



6- التّجاوز عن الخطإ والنّسيان وحديث النّفس:


أنعم اللّه تبارك وتعالى على أمّة
الإسلام بنعم كثيرة لا تعدّ ولا تحصى، وفي ذلك تكريم لنبيّها محمّد
r
، ومن هذه النّعم أنّه تجاوز لها عمّا صدر منها
على سبيل الخطإ والنّسيان، وتجاوز لها عمّا حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلّم.



والأدلّة على ذلك كثيرة.


عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ -
r - « إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِى
مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ »[10].



وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا
نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ
r : {لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا
فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم
بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ قَدِيرٌ} (284) سورة البقرة، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ
اللهِ
r ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِr
، ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، ثُمَّ
قَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللهِ كُلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ
الصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيْكَ
هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
r : " أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا
كَمَا قَالَ: أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، بَلْ
قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
" . قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا، وَإِلَيْكَ
الْمَصِيرُ، فَلَمَّا قَرَأَهَا الْقَوْمُ وَذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ
أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِثْرِهَا : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ
إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ } [البقرة: 285] إِلَى قَوْلِهِ {
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } [البقرة: 285]، فَلَمَّا فَعَلُوا
ذَلِكَ نَسَخَهَا اللهُ فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: { لَا يُكَلِّفُ اللهُ
نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ، وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } [البقرة: 286] قَالَ:
نَعَمْ { رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا } [البقرة: 286] قَالَ: نَعَمْ { رَبَّنَا وَلَا
تُحَمِّلْنَا مَا -[508]- لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ } [البقرة: 286] قَالَ: نَعَمْ {
وَاعْفُ عَنَّا، وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا
عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } [البقرة: 286] قَالَ: نَعَمْ " رَوَاهُ
مُسْلِمٌ[11]



وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ -

r - :« وُضِعَ عَنْ أُمَّتِى الْخَطَأُ
وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ».[12]



وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ
عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r - :« إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِى عَنْ
أُمَّتِى الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ »[13].



وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما
- عَنِ النَّبِىِّ -
r- فِيمَا يَرْوِى
عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ قَالَ « إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ
وَالسَّيِّئَاتِ ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ
يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً ، فَإِنْ هُوَ
هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى
سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ
فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً ، فَإِنْ
هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً » .[14]



================



7- محفوظة من الهلاك والاستئصال:


الأمّة المحمّديّة، أمّة مصونة مرحومة،
حفظها اللّه وأجارها، فلا تهلك بالسّنين ولا بجوع ولا غرق، ولا يسلّط عليها عدوّا
من غيرها، فيستبيح بيضتها ويستأصلها، ولو اجتمع عليها من بأقطارها وهذا من خصائصها
الّتي انفردت بها على غيرها.



وقد أفصح رسول اللّهr عن
ذلك في غير ما حديث:



وعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ -

r - « إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِىَ الأَرْضَ
فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِى سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا
مَا زُوِىَ لِى مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ
وَإِنِّى سَأَلْتُ رَبِّى لأُمَّتِى أَنْ لاَ يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ
وَأَنْ لاَ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ
بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّى قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّى إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً
فَإِنَّهُ لاَ يُرَدُّ وَإِنِّى أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ أَنْ لاَ أُهْلِكَهُمْ
بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ وَأَنْ لاَ أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى
أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ
بِأَقْطَارِهَا - أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ
بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِى بَعْضُهُمْ بَعْضًا »[15].



وعَنْ عُثْمَانَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَامِرُ
بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ
r أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ
الْعَالِيَةِ ، حَتَّى إِذَا مَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ دَخَلَ ،
فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلاً ،
ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْنَا ، فَقَالَ : سَأَلْتُ رَبِّي ثَلاثًا فَأَعْطَانِي
اثْنَتَيْنِ ، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً ، سَأَلْتُ رَبِّي : أَنْ لاَ يُهْلِكَ
أُمَّتِي بِسَنَةٍ فَأَعْطَانِيهَا ، وَسَأَلْتُهُ : أَنْ لاَ يُهْلِكَ أُمَّتِي
بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لاَ يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ
بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا."[16]



وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ ، أَنَّهُ قَالَ : جَاءَنَا عَبْدُ اللَّهِ
بْنُ عَمْرٍو فِي بَنِي مُعَاوِيَةَ ، وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الأَنْصَارِ ،
فَقَالَ : هَلْ تَدْرِي أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ
rفِي
مَسْجِدِكُمْ هَذَا ؟ قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ ، وَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ
مِنْهُ ، فَقَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا الثَّلاثُ الَّتِي دَعَا بِهِنَّ فِيهِ ؟
قُلْتُ : نَعَمْ ، فَقَالَ : أَخْبِرْنِي بِهِنَّ ، فَقُلْتُ : دَعَا بِأَنْ لاَ
يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ ، وَلا يُهْلِكَهُمْ بِالسِّنِينَ ،
فَأُعْطِيَهُمَا ، وَدَعَا بِأَنْ لاَ يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ،
فَمَنَعَهَا "[17]



وعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ :
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ
r يَقُولُ : لَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ عَلَى
هَذِهِ الأُمَّةِ سَيْفَيْنِ ، سَيْفًا مِنْهَا ، وَسَيْفًا مِنْ عَدُوِّهَا.
"[18].



================



8- لا تجتمع على ضلالة وطائفة منها على الحقّ:


أكرم اللّه تبارك وتعالى الأمّة
المحمّديّة في الدّنيا بكرامات كثيرة منها: ضمان العصمة لهم من الخطإ عند اجتماعهم
تشريفا لهم وتعظيما لنبيّهم
r ، ومنها وجود طائفة منهم على الحقّ
والهدى في كلّ زمان ظاهرين لا يضرّهم من خالفهم ولا من خذلهم حتّى يأتي أمر اللّه
وهم على ذلك.



قال الشّيخ عزّ الدّين بن عبد السّلام
رحمه اللّه في سياق كلامه على خصائص النّبيّ
r : ومثلها عصمة أمّته بأنّها لا تجتمع
على ضلالة في فرع ولا في أصل» «4».



وبهذه الخصائص جاءت النّصوص
النّبويّة المطهّرة:



فعن كعب بن عاصم الأشعريّ- رضي اللّه
عنه-؛ قال: قال رسول اللّه
r : « إِنَّ اللهَ تَعَالى قدْ أَجارَ
أُمَّتِى أَنْ تَجتمعَ عَلى ضَلالةٍ ».[19]



وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ -

r - قَالَ « إِنَّ اللَّهَ لاَ يَجْمَعُ
أُمَّتِى - أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ -
r
- - عَلَى ضَلاَلَةٍ وَيَدُ اللَّهِ مَعَ
الْجَمَاعَةِ وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ »[20]..



-عَنِ الْمُغِيرَةِ
بْنِ شُعْبَةَ عَنِ النَّبِىِّ -
r- قَالَ « لاَ يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى ظَاهِرِينَ حَتَّى
يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ » رواه البخاري[21].



عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ
قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ
يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِىَّ -
r - يَقُولُ « لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى يُقَاتِلُونَ
عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ - قَالَ - فَيَنْزِلُ عِيسَى
ابْنُ مَرْيَمَ -
r- فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ لَنَا. فَيَقُولُ لاَ.
إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ. تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الأُمَّةَ » رواه
مسلم. [22].



وعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r- « لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى ظَاهِرِينَ عَلَى
الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ
كَذَلِكَ »رواه مسلم [23].



وعَنْ جَابِرِ بْنِ
سَمُرَةَ عَنِ النَّبِىِّ -
r - أَنَّهُ قَالَ « لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا
يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ »
رواه مسلم[24].



وقال أَبُو الزُّبَيْرِ
أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -
r
-
يَقُولُ « لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ
ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ »رواه مسلم[25].



وعَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ عُمَيْرَ بْنَ هَانِئٍ حَدَّثَهُ
قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -
r
-
يَقُولُ « لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لاَ
يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ
وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ » رواه مسلم[26]..



وعن يَزِيدَ بْنِ
الأَصَمِّ قَالَ سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِى سُفْيَانَ ذَكَرَ حَدِيثًا
رَوَاهُ عَنِ النَّبِىِّ -
r - لَمْ أَسْمَعْهُ رَوَى عَنِ النَّبِىِّ -r
-
عَلَى مِنْبَرِهِ حَدِيثًا غَيْرَهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r
-
« مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ وَلاَ تَزَالُ
عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ
نَاوَأَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ » رواه مسلم[27].



وعَنْ أَبِى عَبْدِ
اللَّهِ الشَّامِىِّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَخْطُبُ يَقُولُ: يَا أَهْلَ
الشَّامِ، حَدَّثَنِى الأَنْصَارِىُّ، قَالَ - قَالَ شُعْبَةُ: يَعْنِى زَيْدَ
بْنَ أَرْقَمَ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -
r- قَالَ: لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى عَلَى الْحَقِّ
ظَاهِرِينَ، وَإِنِّى لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا هُمْ يَا أَهْلَ الشَّامِ.رواه أحمد[28].



ومن الآثار:


عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ،
قَالَ : إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ
r
خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ
، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ
قَلْبِ مُحَمَّدٍ ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ ،
فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ ، فَمَا رَأَى
الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا ، فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا
فَهُوَ عِنْدَ اللهِ سَيِّئٌ.[29]



وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:"إِنَّ
اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اطَّلَعَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ
r
خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ
لِنَفْسِهِ، وَخَصَّهُ، أَوْ، قَالَ: بَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ اطَّلَعَ فِي
قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِهِ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ
الْعِبَادِ فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ
r يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ".


وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ، قَالَ:"إِنَّ
اللَّهَ تَعَالَى نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاخْتَارَ مُحَمَّدًا
r
فَبَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، وَانْتَخَبَهُ
بِعِلْمِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ فَاخْتَارَ أَصْحَابَهُ
فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ
r ، وَأَنْصَارَ دِينِهِ، فَمَا رَآهُ
الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ
قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ".[30]



================










[1] - انظر الخصائص للسيوطي (2/ 353).






[2] - صحيح البخارى- المكنز - (876 ) وصحيح مسلم-
المكنز - (2018 )



بيد أن: قال النووي: قال أبو عبيد: لفظة بيد
تكون بمعنى غير وبمعنى على وبمعني من أجل. وقال النووي: وكله صحيح هنا. انظر شرح
مسلم للنووي (6/ 143).







[3] - مسند أبي عوانة (2041 - 2044 ) صحيح






[4] - مسند أبي عوانة(2052 ) صحيح


مسيخة: ويروى مصيخة بالصاد، وهما لغتان، أي
منتظرة لقيام الساعة. قال الخطابي: وقوله مسيخة معناه مصغية مستمعة. يقال: أصاخ
وأساخ بمعنى واحد. انظر عون المعبود (3/ 368)، وقال ابن الأثير: المصيخ: المصغي
ليستمع. انظر جامع الأصول (9/ 272).







[5] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (3 / 678)(10303)
10308- صحيح







[6] - سنن أبي داود - المكنز - (1048 ) صحيح






[7] - كشف الأستار - (4 / 194) (3519) ومسند البزار كاملا - (2 / 364) (7527) قال الهيثمي : رَوَاهُ الْبَزَّارُ ،
وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِنَحْوِهِ ، وَأَبُو يَعْلَى بِاخْتِصَارٍ ،
وَرِجَالُ أَبِي يَعْلَى رِجَالُ
الصَّحِيحِ ، وَأَحَدُ إِسْنَادَيِ الطَّبَرَانِيِّ رِجَالُهُ رِجَالُ
الصَّحِيحِ غَيْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ ، وَقَدْ
وَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَضَعَّفَهُ غَيْرُهُمْ ، وَإِسْنَادُ الْبَزَّارِ
فِيهِ خِلَافٌ .مجمع الزوائد - (22 / 131)







[8] - المعجم الأوسط للطبراني - (2165 ) حسن --عِلِّيُّون
: اسم للسماء السابعة، وقيل : هو اسمٌ لدِيوَان الملائكة الحَفَظَة، تُرْفَع إليه أعمالُ
الصالحين من العباد، وقيل : أراد أعْلَى الأمْكِنَة وأشْرَفَ المرَاتِب من اللّه
في الدار الآخرة. - الكَثِيب : الرَّمْل المسْتَطِيل المُحْدَوْدِب -أذفر : جيد
إلى الغاية رائحته شديدة - الزبرجد : الزمرد وهو حجر كريم -الياقوت : حجر كريم من
أجود الأنواع وأكثرها صلابة بعد الماس ، خاصة ذو اللون الأحمر







[9] - صِفَةُ الْجَنَّةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ
الْأَصْبهَانِيِّ (420 ) وجَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ
لِلطَّبَرِيِّ (29505 ) صحيح لغيره







[10] - صحيح مسلم- المكنز - (346 )






[11] - شعب الإيمان - (1 / 507) (322 ) وصحيح مسلم-
المكنز - (344)







[12] - السنن الكبرى للبيهقي- المكنز - (6 / 84)
(11787) صحيح







[13] - السنن الكبرى للبيهقي- المكنز - (7 /
356)(15490) صحيح لغيره







[14] - صحيح البخارى- المكنز - (6491 )






[15] - صحيح مسلم- المكنز - (7440 )


-زوى:
معناه جمع. -الكنزين الأحمر والأبيض: المراد بالكنزين الذهب والفضة. والمراد كنزا
كسرا وقيصر، ملكي العراق والشام.-فيستبيح بيضتهم: أي جماعتهم وأصلهم. والبيضة،
أيضا: العز والملك.- أن لا أهلكهم بسنة عامة: أي لا أهلكهم بقحط يعمهم. بل إن وقع
قحط فيكون في ناحية يسيرة، بالنسبة إلى باقي بلاد الإسلام.







[16] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (1 / 490) (1574)
صحيح







[17] - المستدرك للحاكم (8579) صحيح






[18] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (7 / 945) (23989)
24489- صحيح







[19] - السنة لابن أبي عاصم - (70 ,71) والصحيحة ( 1331) وصحيح الجامع (
1786) صحيح لغيره







[20] - سنن الترمذى- المكنز - (2320 ) صحيح لغيره
انظر المقاصد الحسنة (ص 460).







[21] - صحيح البخارى ( 7311 ) وصحيح مسلم (5060)


طائفة: قال النووي رحمه اللّه: وأما هذه
الطائفة فقال البخاري: هم أهل العلم. وقال أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه: إن لم
يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم! قال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة
والجماعة ومن يعتقد مذاهب أهل الحديث. قال الإمام النووي: يحتمل أن هذه الطائفة
مفرقة بين أنواع المؤمنين. فمنهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم
زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير. ولا يلزم
أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض. انظر شرح النووي على
صحيح مسلم (13/ 66، 67).



من
خذلهم: يعني من خالفهم.-حتى يأتي أمر اللّه: المراد به هو الريح التي تأتي فتأخذ
روح كل مؤمن ومؤمنة.







[22] - صحيح مسلم (412 )






[23] -صحيح مسلم ( 5059 )






[24] -صحيح مسلم (5062 )






[25] -صحيح مسلم (5063 )






[26] -صحيح مسلم (5064 )






[27] -صحيح مسلم (5065 )






[28] -غاية المقصد فى زوائد المسند 2 - (ج 2 / ص 236)
(4381 ) ومسند أحمد (17344) صحيح لغيره







[29] - مسند أحمد (عالم الكتب) - (2 / 18)(3600) صحبح






[30] - المعجم الكبير للطبراني - (8 / 11) (8503 -8504)
صحيح
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

تابع

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين مارس 15, 2010 1:38 pm

9- شهداء اللّه في الأرض[1]:


فضّل اللّه تبارك وتعالى هذه الأمّة
ورفع ذكرها وزكّاها بأن أضافها إليه إضافة تشريف وتكريم، فقبل منها قولها
وشهادتها، وذلك لعظم مكانتها ومنزلتها عنده.



وممّا يدلّ على هذه الخصوصيّة:


عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا
مَعَ نَبِيِّ اللهِ
r فَمَرَّتْ جِنَازَةٌ فَقَالَ:" مَا
هَذِهِ الْجِنَازَةُ؟" قَالُوا جِنَازَةُ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ كَانَ يُحِبُّ
اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللهِ وَيَسْعَى فِيهَا فَقَالَ:"
وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ" وَمَرَّتْ أُخْرَى فَقَالَ:" مَا
هَذِهِ؟" قَالُوا جِنَازَةُ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ كَانَ يُبْغِضُ اللهَ
وَرَسُولَهُ وَيَعْمَلُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ وَيَسْعَى فِيهَا فَقَالَ:"
وَجَبَتْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ" فَقَالُوا يَا نَبِيُّ اللهَ قَوْلُكَ فِي
الْجِنَازَةِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهَا، أَثْنَى عَلَى الْأَوَّلِ خَيْرًا وَأَثْنَى
عَلَى الْآخَرِ وَقَوْلُكَ فِيهَا وَجَبَتْ قَالَ:" نَعَمْ يَا أَبَا بَكْرِ
إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ تَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَةِ بَنِي آدَمَ
بِمَا فِي الْمَرْءِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ" [2]



وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ مَرُّوا
بِجَنَازَةٍ عَلَى النَّبِىِّ -
r - فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا
فَقَالَ النَّبِىُّ -
r - « وَجَبَتْ ». ثُمَّ مَرُّوا
بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ النَّبِىُّ -
r
- « وَجَبَتْ ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ
قَوْلُكَ الأُولَى وَالأُخْرَى « وَجَبَتْ ». فَقَالَ النَّبِىُّ -
r
- « الْمَلاَئِكَةُ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِى
السَّمَاءِ وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِى الأَرْضِ »[3].



ومن الآثار:


- عن كعب- رضي اللّه عنه-؛ قال: أعطيت
هذه الأمّة ثلاث خصال لم يعطها إلّا الأنبياء. كان النّبيّ
r يقال له: بلّغ ولا حرج، وأنت شهيد على
قومك وادع أجبك، وقال لهذه الأمّة {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ
اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ
أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا
لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ
فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ
مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (78) سورة الحـج ، وقال : {وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ
عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى
عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا
كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}
(143) سورة البقرة وقال :{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ
الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}
(60) سورة غافر.[4].



================



10- صفوف كصفوف الملائكة:


خصّ اللّه- عزّ وجلّ- هذه الأمّة إكراما
لها على سائر الأمم بأن جعل صفوفها في الصّلاة كصفوف الملائكة.



وممّا يؤيّد هذه الخاصيّة من السّنّة
المطهّرة- ما جاء عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r
- « فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلاَثٍ
جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلاَئِكَةِ وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا
مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ ».
وَذَكَرَ خَصْلَةً أُخْرَى.[5].



وعَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ
r: فُضِّلْنَا
عَلَى النَّاسِ بِثَلاَثٍ : جُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا ,
وَجُعِلَتْ لَنَا تُرْبَتُهَا إذَا لَمْ نَجِدَ الْمَاءَ طَهُورًا , وَأُوتِيت
هَذِهِ الآيَاتِ مِنْ بَيْتِ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ
الْبَقَرَةِ , لَمْ يُعْطَ مِنْهُ أَحَدٌ قَبْلِي , وَلاَ يُعْطَى منه أَحَدٌ
بَعْدِي. "[6]



وعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ
r: فُضِّلْنَا
عَلَى النَّاسِ بِثَلاثٍ : جُعِلَتِ الأَرْضُ كُلُّهَا لَنَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا
إِذَا لَمْ نَجَدِ الْمَاءَ ، وَجُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلائِكَةِ ،
وَأُوتِيتُ هَؤُلاءِ الآيَاتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ بَيْتِ كَنْزٍ
تَحْتَ الْعَرْشِ ، وَلَمْ يُعْطَ أَحَدٌ قَبْلِي وَلاَ بَعْدِي.[7]



وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ
خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -
r - فَقَالَ « مَا لِى أَرَاكُمْ رَافِعِى
أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ اسْكُنُوا فِى الصَّلاَةِ ».
قَالَ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَرَآنَا حَلَقًا فَقَالَ « مَا لِى أَرَاكُمْ
عِزِينَ ». قَالَ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ « أَلاَ تَصُفُّونَ كَمَا
تَصُفُّ الْمَلاَئِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا ». فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ
وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلاَئِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا قَالَ « يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ
الأُوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِى الصَّفِّ »[8].



وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ -
r - قَالَ : " فُضِّلْتُ بِأَرْبَعِ
خِصَالٍ : جُعِلْتُ أَنَا وَأُمَّتِي فِي الصَّلَاةِ كَمَا تَصِفُّ
الْمَلَائِكَةُ، وَجُعِلَ الصَّعِيدُ لِي وَضُوءًا، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ
مَسْجِدًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ " . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي
الْكَبِيرِ[9]






_______________





النّوع الرّابع


ما اختصّ بهr في أمّته في الآخرة





اختصّ اللّه تبارك وتعالى الأمّة
المحمّديّة في الآخرة بخصائص كثيرة لم تعطها غيرها من الأمم وفي ذلك تشريف وتكريم
لنبيّها ومعلّمها ومربّيها
r ، سيّد الأوّلين والآخرين، الّذي أمضى
عمره الشّريف وضحّى بكلّ ما لديه في سبيل هدايتها ونصحها والأخذ بيدها إلى ما فيه
عزّها ومجدها في الدّنيا والآخرة، حتّى أصبحت بفضل اللّه خير أمّة أخرجت للنّاس.



وإنّ ممّا اختصّت به الأمّة المحمّديّة
في الآخرة، أنّها شاهدة للأنبياء على أممهم، وهي أكثر أهل الجنّة، وأوّل من يجتاز
الصّراط ويدخل الجنّة، وهي الآخرة زمانا، السّابقة منزلة .. إلى غير ذلك ممّا
سنذكره من الخصائص، بإذن اللّه، وباللّه التّوفيق.



1- الغرّ المحجّلون:


تأتي الأمّة المحمّدية يوم القيامة غرّا
محجّلة من آثار الوضوء، وبهذه الصّفة يعرف رسول اللّه
r أمّته من غيرهم حالما يكون منتظرهم على
حوضه. قال الحافظ ابن حجر- رحمه اللّه-: ثبت أنّ الغرّة والتّحجيل خاصّ بالأمّة
المحمّديّة[10].



وقد وردت الأحاديث النّبويّة
تشهد لهذا المعنى:



عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
الْمُجْمِرِ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ
فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِى
الْعَضُدِ ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِى الْعَضُدِ ثُمَّ مَسَحَ
رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِى السَّاقِ ثُمَّ
غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِى السَّاقِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا
رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -
r - يَتَوَضَّأُ. وَقَالَ قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ -

r - « أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ
فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ ».[11]



وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ -

r - قَالَ « إِنَّ حَوْضِى أَبْعَدُ مِنْ
أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ وَأَحْلَى مِنَ
الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ وَلآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ وَإِنِّى
لأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ
». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ قَالَ « نَعَمْ لَكُمْ
سِيمَا لَيْسَتْ لأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ تَرِدُونَ عَلَىَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ
مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ »[12].



وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ -

r - أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ «
السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
بِكُمْ لاَحِقُونَ وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا ». قَالُوا
أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « أَنْتُمْ أَصْحَابِى
وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ ». فَقَالُوا كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ
لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ « أَرَأَيْتَ لَوْ
أَنَّ رَجُلاً لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَىْ خَيْلٍ دُهْمٍ
بُهْمٍ أَلاَ يَعْرِفُ خَيْلَهُ ». قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «
فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ
عَلَى الْحَوْضِ أَلاَ لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِى كَمَا يُذَادُ
الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلاَ هَلُمَّ. فَيُقَالُ إِنَّهُمْ قَدْ
بَدَّلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا »[13]..



================



2- شهداء على الأمم:


الأمّة المحمّديّة خير الأمم وأفضلها،
خصّها اللّه بأكمل الشّرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، فهي وسط بين أهل الأديان
فلم تغل كغلوّ النّصارى ولم تقصّر كتقصير اليهود، ولهذا جعلها اللّه شاهدة على
الأمم يوم القيامة. فما من نبيّ ولا رسول تنكر أمّته قد بلّغ إلّا وتشهد له الأمّة
المحمّدية بالبلاغ فيقبل قولها وشهادتها لما لها من الفضل والمنزلة قال اللّه
تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى
النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ
الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن
يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ
هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ
لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (143) سورة البقرة.



وكما هديناكم -أيها المسلمون- إلى
الطريق الصحيح في الدين، جعلناكم أمة خيارًا عدولا لتشهدوا على الأمم في الآخرة أن
رسلهم بلَّغتهم رسالات ربهم، ويكون الرسول في الآخرة كذلك شهيدًا عليكم أنَّه
بلَّغكم رسالة ربه. وما جعلنا -أيها الرسول- قبلة "بيت المقدس" التي كنت
عليها، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة بـ "مكة"، إلا ليظهر ما علمناه في
الأزل؛ علما يتعلق به الثواب والعقاب لنميز مَن يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيث
توجهت، ومَن هو ضعيف الإيمان فينقلب مرتدًا عن دينه لشكه ونفاقه. وإن هذه الحال
التي هي تحول المسلم في صلاته من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة لثقيلة
شاقة إلا على الذين هداهم ومنّ عليهم بالإيمان والتقوى وما كان الله ليضيع إيمانكم
به واتباعكم لرسوله، ويبطل صلاتكم إلى القبلة السابقة. إنه سبحانه وتعالى بالناس
لرءوف رحيم.[14]



قال الشّيخ عزّ الدّين بن عبد السّلام،
في معرض حديثه عن خصائص النّبيّ
r : ومنها أنّ اللّه تعالى نزّل أمّته
منزل العدول من الحكّام، فإنّ اللّه تعالى إذا حكم بين العباد فجحدت الأمم بتبليغ
الرّسالة أحضر أمّة محمّد
r فيشهدون على النّاس بأنّ رسلهم أبلغتهم،
وهذه الخصّيصة لم تثبت لأحد من الأنبياء[15].



وقد صرّحت بهذا المعنى الأحاديث
النّبويّة:



عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ
اللهِ
r : يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ،
فَيَقُولُ : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ. فَيَقُولُ : هَلْ بَلَّغْتَ ؟
فَيَقُولُ : نَعَمْ يَا رَبِّ ، فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ : هَلْ بَلَّغَكُمْ ؟
فَيَقُولُونَ : مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيُقَالُ : مَنْ يَشْهَدُ لَكَ ؟
فَيَقُولُ : مُحَمَّدٌ
r ، وَأُمَّتُهُ. قَالَr
: فَيَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ ،
وَيَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : {وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}[16] .
وَالْوَسَطُ : الْعَدْلُ.



وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ -
r - « يَجِىءُ النَّبِىُّ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَيَجِىءُ النَّبِىُّ وَمَعَهُ الرَّجُلاَنِ
وَيَجِىءُ النَّبِىُّ وَمَعَهُ الثَّلاَثَةُ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَقَلُّ
فَيُقَالُ لَهُ هَلْ بَلَّغْتَ قَوْمَكَ فَيَقُولُ نَعَمْ.فَيُدْعَى قَوْمُهُ
فَيُقَالُ هَلَ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ لاَ. فَيُقَالُ مَنْ شَهِدَ لَكَ
فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ. فَتُدْعَى أُمَّةُ مُحَمَّدٍ فَيُقَالُ هَلْ
بَلَّغَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ. فَيَقُولُ وَمَا عِلْمُكُمْ بِذَلِكَ
فَيَقُولُونَ أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا بِذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا
فَصَدَّقْنَاهُ.قَالَ فَذَلِكُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ
أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ
عَلَيْكُمْ شَهِيدًا )[17].



ومن الآثار:


عن كعب الأحبار- رحمه اللّه-؛ قال:
أعطيت هذه الأمّة ثلاث خصال لم يعطها إلّا الأنبياء. كان النّبيّ
r
يقال له: بلّغ ولا حرج، وأنت شهيد على قومك
وادع أجبك، وقال لهذه الأمّة: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» وقال:
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي
كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ
عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ
وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ
رَّحِيمٌ} (143) سورة البقرة وقال : {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ
لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ
دَاخِرِينَ} (60) سورة غافر[18].



================



3-
أوّل من يجتاز الصّراط ويدخل الجنّة:



الصّراط جسر ممدود على متن جهنّم أحدّ
من السّيف وأدقّ من الشّعر، فمن استقام في هذه الدّنيا على الصّراط المستقيم خفّ
على صراط الآخرة، ونجا، ومن عدل عن الاستقامة في الدّنيا وأثقل ظهره بالأوزار وعصى
تعثّر على الصّراط وتردّى.



وإنّ ممّا أكرم اللّه تعالى به هذه
الأمّة ونبيّها
r ، أن جعلهم أوّل من يجتاز ويعبر
الصّراط، وأوّل من يدخل الجنّة دار السّلام.



وبين يديك أحاديث نبويّة تدلّ على ما
ذكرناه:



وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ
أُنَاسٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ «
هَلْ تُضَارُّونَ فِى الشَّمْسِ ، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ » . قَالُوا لاَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ « هَلْ تُضَارُّونَ فِى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ،
لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ » . قَالُوا لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ «
فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ ، يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ
فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ ، فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ
يَعْبُدُ الشَّمْسَ ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ ، وَيَتْبَعُ مَنْ
كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا
، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِى غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِى يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ
أَنَا رَبُّكُمْ . فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ، هَذَا مَكَانُنَا
حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا ، فَإِذَا أَتَانَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ
فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِى الصُّورَةِ الَّتِى يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ أَنَا
رَبُّكُمْ . فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنَا ، فَيَتْبَعُونَهُ وَيُضْرَبُ جِسْرُ
جَهَنَّمَ » . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r- « فَأَكُونُ
أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ ، وَدُعَاءُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ
سَلِّمْ ، وَبِهِ كَلاَلِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ ، أَمَا رَأَيْتُمْ
شَوْكَ السَّعْدَانِ » . قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ « فَإِنَّهَا
مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ ، غَيْرَ أَنَّهَا لاَ يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا
إِلاَّ اللَّهُ ، فَتَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ ، مِنْهُمُ الْمُوبَقُ ،
بِعَمَلِهِ وَمِنْهُمُ الْمُخَرْدَلُ ، ثُمَّ يَنْجُو ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ
اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنَ
النَّارِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ ، مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ
إِلاَّ اللَّهُ ، أَمَرَ الْمَلاَئِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوهُمْ ، فَيَعْرِفُونَهُمْ
بِعَلاَمَةِ آثَارِ السُّجُودِ ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ
مِنِ ابْنِ آدَمَ أَثَرَ السُّجُودِ ، فَيُخْرِجُونَهُمْ قَدِ امْتُحِشُوا ،
فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ ، فَيَنْبُتُونَ
نَبَاتَ الْحِبَّةِ فِى حَمِيلِ السَّيْلِ ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ
عَلَى النَّارِ فَيَقُولُ يَا رَبِّ قَدْ قَشَبَنِى رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِى
ذَكَاؤُهَا ، فَاصْرِفْ وَجْهِى عَنِ النَّارِ فَلاَ يَزَالُ يَدْعُو اللَّهَ .
فَيَقُولُ لَعَلَّكَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ أَنْ تَسْأَلَنِى غَيْرَهُ . فَيَقُولُ لاَ
وَعِزَّتِكَ لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ . فَيَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ ، ثُمَّ
يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ يَا رَبِّ قَرِّبْنِى إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ . فَيَقُولُ
أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنْ لاَ تَسْأَلْنِى غَيْرَهُ ، وَيْلَكَ ابْنَ آدَمَ مَا
أَغْدَرَكَ . فَلاَ يَزَالُ يَدْعُو . فَيَقُولُ لَعَلِّى إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ
تَسْأَلَنِى غَيْرَهُ . فَيَقُولُ لاَ وَعِزَّتِكَ لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ .
فَيُعْطِى اللَّهَ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ أَنْ لاَ يَسْأَلَهُ غَيْرَهُ ،
فَيُقَرِّبُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ ، فَإِذَا رَأَى مَا فِيهَا سَكَتَ مَا
شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ ، ثُمَّ يَقُولُ رَبِّ أَدْخِلْنِى الْجَنَّةَ .
ثُمَّ يَقُولُ أَوَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنْ لاَ تَسْأَلَنِى غَيْرَهُ ، وَيْلَكَ
يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ لاَ تَجْعَلْنِى أَشْقَى
خَلْقِكَ . فَلاَ يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ ، فَإِذَا ضَحِكَ مِنْهُ أَذِنَ
لَهُ بِالدُّخُولِ فِيهَا ، فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا قِيلَ تَمَنَّ مِنْ كَذَا .
فَيَتَمَنَّى ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ تَمَنَّ مِنْ كَذَا . فَيَتَمَنَّى حَتَّى
تَنْقَطِعَ بِهِ الأَمَانِىُّ فَيَقُولُ لَهُ هَذَا لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ » . قَالَ
أَبُو هُرَيْرَةَ وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً [19].



وقَالَ أَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِىُّ
أَنَّ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -
r
- حَدَّثَهُ قَالَ كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ
رَسُولِ اللَّهِ -
r - فَجَاءَ حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ
فَقَالَ السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ. فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يُصْرَعُ
مِنْهَا فَقَالَ لِمَ تَدْفَعُنِى فَقُلْتُ أَلاَ تَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ الْيَهُودِىُّ إِنَّمَا نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِى سَمَّاهُ بِهِ
أَهْلُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r - « إِنَّ اسْمِى مُحَمَّدٌ الَّذِى
سَمَّانِى بِهِ أَهْلِى ». فَقَالَ الْيَهُودِىُّ جِئْتُ أَسْأَلُكَ. فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللَّهِ -
r - « أَيَنْفَعُكَ شَىْءٌ إِنْ
حَدَّثْتُكَ ». قَالَ أَسْمَعُ بِأُذُنَىَّ فَنَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ -
r
- بِعُودٍ مَعَهُ. فَقَالَ « سَلْ ». فَقَالَ
الْيَهُودِىُّ أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ
وَالسَّمَوَاتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r
- « هُمْ فِى الظُّلْمَةِ دُونَ الْجِسْرِ ».
قَالَ فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً قَالَ « فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ ».
قَالَ الْيَهُودِىُّ فَمَا تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَالَ «
زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ » قَالَ فَمَا غِذَاؤُهُمْ عَلَى إِثْرِهَا قَالَ «
يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِى كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا ».
قَالَ فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ قَالَ « مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى
سَلْسَبِيلاً ». قَالَ صَدَقْتَ. قَالَ وَجِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَىْءٍ لاَ
يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ إِلاَّ نَبِىٌّ أَوْ رَجُلٌ أَوْ
رَجُلاَنِ. قَالَ « يَنْفَعُكَ إِنْ حَدَّثْتُكَ ». قَالَ أَسْمَعُ بِأُذُنَىَّ.
قَالَ جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الْوَلَدِ قَالَ « مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَمَاءُ
الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلاَ مَنِىُّ الرَّجُلِ مَنِىَّ
الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَإِذَا عَلاَ مَنِىُّ الْمَرْأَةِ
مَنِىَّ الرَّجُلِ آنَثَا بِإِذْنِ اللَّهِ ». قَالَ الْيَهُودِىُّ لَقَدْ
صَدَقْتَ وَإِنَّكَ لَنَبِىٌّ ثُمَّ انْصَرَفَ فَذَهَبَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
-

r - « لَقَدْ سَأَلَنِى هَذَا عَنِ
الَّذِى سَأَلَنِى عَنْهُ وَمَا لِى عِلْمٌ بِشَىْءٍ مِنْهُ حَتَّى أَتَانِىَ
اللَّهُ بِهِ »[20].



وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ -
r - « نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَيْدَ أَنَّهُمْ
أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَاخْتَلَفُوا
فَهَدَانَا اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ فَهَذَا يَوْمُهُمُ
الَّذِى اخْتَلَفُوا فِيهِ هَدَانَا اللَّهُ لَهُ - قَالَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ -
فَالْيَوْمُ لَنَا وَغَدًا لِلْيَهُودِ وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى »[21].



================










[1] - بداية السول في تفضيل الرسول r (ص 69).






[2] - شعب الإيمان - (11 / 482) ( 8876 ) وصحيح
مسلم- المكنز - (2243)







[3] - سنن النسائي- المكنز - (1945) صحيح






[4] - أورد الحافظ السيوطي في كتابه الخصائص الكبرى،
قال: أخرجه الفريابي عن كعب. انظر الخصائص (2/ 357).







[5] - صحيح مسلم- المكنز - (1193 )






[6] - مصنف ابن أبي شيبة - (16 / 391) (32306) صحيح






[7] - مسند البزار كاملا - (1 / 435) (2845) صحيح






[8] - صحيح مسلم- المكنز - (996 )


الحلق
: جمع حلقة -الشمس : جمع شموس وهى النَّفور التى لا تستقر ولا تسكن لشغبها وحدتها
-العزين : جمع عزة وهى الحلقة المجتمعة من الناس







[9] - مجمع الزوائد - ( 2496 ) وصحيح الجامع (4219)
صحيح لغيره







[10] - فتح الباري (11/ 458).






[11] - صحيح مسلم- المكنز - (602 )


أشرع في العضد وأشرع في الساق: معناه أدخل الغسل
فيهما. - أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من آثار الوضوء: قال أهل اللغة: الغرة:
بياض في جبهة الفرس. والتحجيل: بياض في يديها ورجليها. قال العلماء: سمي النور
الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة، غرة وتحجيلا، تشبيها بغرة الفرس







[12] - صحيح مسلم- المكنز - (604 )


- إن حوضي أبعد من أيلة من عدن: أي بعد ما بين
طرفي حوضي أزيد من بعد أيلة من عدن. وهما بلدان ساحليان في بحر القلزم (البحر
الأحمر). أحدهما، وهو أيلة، في شمال بلاد العرب والآخر، وهو عدن، في جنوبها. هو
آخر بلاد اليمن مما يلي بحر الهند، يصرف بالتذكير ولا يصرف بالتأنيث.- وأحلى من
العسل باللبن: أي المخلوط به.- ولآنيته: اللام في لهو. للابتداء. والآنية جمع إناء
قال في المصباح: الإناء والآنية كالوعاء والأوعية وزنا ومعنى. والأواني جمع
الجمع.- لكم سيما: السيما العلامة. مقصورة وممدودة، لغتان. ويقال: السيمياء بياء
بعد الميم.







[13] - صحيح مسلم- المكنز - (607 )


بهم
: جمع بهيم وهو الأسود وقيل الذى لايخالط لونه لون سواه -الدهم : جمع أدهم وهو
الأسود -سحقا سحقا: معناه: بعدا بعدا.
والمكان السحيق البعيد.







[14] - التفسير الميسر - (1 / 157)






[15] - انظر
بداية السول (ص 69).







[16] - صحيح ابن حبان - (14 / 397) (6477) صحيح






[17] - سنن ابن ماجه- المكنز - (4425) صحيح






[18] - أورده الحافظ السيوطي في كتابه الخصائص الكبرى
وقال: أخرجه الفريابي عن كعب. انظر الخصائص (2/ 357).







[19] - صحيح البخارى- المكنز - (6573 ) وصحيح مسلم-
المكنز - (469)



الذكاء
: لهب النار واشتعالها -تضارون : لا تتخالفون ولا تتجادلون فى صحة النظر -قشبنى :
سمنى وأهلكنى -امتحشوا : احترقت جلودهم حتى ظهرت العظام







[20] - صحيح مسلم- المكنز - (742 )


-
الجسر: بفتح الجيم وكسرها، لغتان مشهورتان، والمراد به هنا الصراط. - إجازة:
الإجازة هنا بمعنى الجواز والعبور.- تحفتهم: بإسكان الحاء وفتحها، لغتان، وهي ما
يهدى إلى الرجل ويخص به ويلاطف.- النون: النون هو الحوت، وجمعه نينان.- غذاؤهم:
روي على وجهين، غذاؤهم وغداؤهم. قال القاضي عياض: هذا الثاني هو الصحيح وهو رواية
الأكثرين.- سلسبيلا: قال جماعة من أهل اللغة والمفسرين: السلسبيل اسم للعين، وقال
مجاهد وغيره: هي شديدة الجري وقيل هي السلسلة اللينة.- أذكرا: أي كان الولد ذكرا.-
آنثا: أي كان الولد أنثى، وقد روي أنثا..







[21] - صحيح مسلم- المكنز - (2017 )
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

تابع

مُساهمة من طرف Admin في الإثنين مارس 15, 2010 1:54 pm

4-عمل قليل وأجر كثير:


أنعم اللّه- تبارك وتعالى- على هذه
الأمّة بنعم كثيرة وخصّها بخصائص جسيمة ومن ذلك أنّها أقلّ عملا ممّن سبقها من
الأمم وأكثر أجرا وثوابا. وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم.



قال الشّيخ الإمام عزّ الدّين بن عبد السّلام
[1]في
معرض حديثه عن خصائص النّبيّ
r : ومنها أنّ أمّته أقلّ عملا ممّن قبلهم
وأكثر أجرا كما جاء في الحديث الصّحيح[2].



وإليك ما جاء من كلام الصّادق المصدوق
ممّا يبرهن على هذه الخصوصيّة:



وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما -
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -
r- قَالَ «
إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِى أَجَلِ مَنْ خَلاَ مِنَ الأُمَمِ مَا بَيْنَ صَلاَةِ
الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ ، وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ
وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالاً فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِى إِلَى
نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ إِلَى نِصْفِ
النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ، ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِى مِنْ نِصْفِ
النَّهَارِ إِلَى صَلاَةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ
النَّصَارَى مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلاَةِ الْعَصْرِ ، عَلَى قِيرَاطٍ
قِيرَاطٍ ، ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِى مِنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ
الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ أَلاَ فَأَنْتُمُ الَّذِينَ
يَعْمَلُونَ مِنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ
قِيرَاطَيْنِ ، أَلاَ لَكُمُ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ ، فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ
وَالنَّصَارَى ، فَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلاً وَأَقَلُّ عَطَاءً ، قَالَ
اللَّهُ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا قَالُوا لاَ . قَالَ فَإِنَّهُ
فَضْلِى أُعْطِيهِ مَنْ شِئْتُ »[3] .



ويعلّق على هذا الحديث الحافظ ابن كثير رحمه
اللّه فيقول: «والمراد من هذا التّشبيه بالعمّال تفاوت أجورهم وأنّ ذلك ليس منوطا
بكثرة العمل وقلّته بل بأمور أخر معتبرة عند اللّه تعالى وكم من عمل قليل أجدى ما
لا يجديه العمل الكثير، هذه ليلة القدر العمل فيها أفضل من عبادة ألف شهر سواها
وهؤلاء أصحاب محمّد
r أنفقوا في أوقات لو أنفق غيرهم من
الذّهب مثل أحد ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه من تمر، وهذا رسول اللّه
r
بعثه اللّه على رأس أربعين سنة من عمره وقبضه
وهو ابن ثلاث وستّين على المشهور وقد برز في هذه المدّة الّتي هي ثلاث وعشرون سنة
في العلوم النّافعة والأعمال الصّالحة على سائر الأنبياء قبله حتّى على نوح الّذي
لبث في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له
ويعمل بطاعة اللّه ليلا ونهارا، صباحا ومساء صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى سائر
الأنبياء أجمعين. فهذه الأمّة إنّما شرفت وتضاعف ثوابها ببركة سيادة نبيّها وشرفه
وعظمته كما قال اللّه تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ
نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) لِئَلَّا
يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
الْعَظِيمِ (29)[الحديد : 28 ، 29] }[4]



وعَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنِ النَّبِيِّr
، قَالَ : مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ
وَالنَّصَارَى ، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلاً
يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ عَلَى أَجْرٍ إِلَى اللَّيْلِ ، فَعَمِلُوا لَهُ إِلَى
نِصْفِ النَّهَارِ ، ثُمَّ قَالُوا : لاَ حَاجَةَ لَنَا فِي أَجْرِكَ الَّذِي
اشْتَرَطْتَ لَنَا ، وَمَا عَمَلُنَا بَاطِلٌ ، قَالَ لَهُمْ : لاَ تَفْعَلُوا
أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ ، وَخُذُوا أَجْرَكُمْ كَامِلاً ، فَأَبَوْا
وَتَرَكُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا آخَرِينَ بَعْدَهُمْ ،
فَقَالَ : اعْمَلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ لَهُمْ مِنَ
الأَجْرِ ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ صَلاَةُ الْعَصْرِ ، قَالُوا : الَّذِي
عَمِلْنَا بَاطِلٌ ، وَلَكَ الأَجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا لاَ حَاجَةَ لَنَا
فِيهِ ، قَالَ : اعْمَلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ ، فَإِنَّ مَا بَقِيَ مِنَ
النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ أَحْسَبُهُ ، قَالَ : فَأَبَوْا ، قَالَ : ثُمَّ
عَمِلْتُمْ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ ، فَذَلِكَ مَثَلُ الْيَهُودِ
وَالنَّصَارَى وَالَّذِينَ تَرَكُوا مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ ، وَمَثَلُ
الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ قَبِلُوا هَدْيَ اللهِ ، وَمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ
r
." [5]


قال الحافظ ابن حجر رحمه اللّه ضمن شرحه
لهذا الحديث «... وفي هذا الحديث تفضيل هذه الأمّة وتوفير أجرها مع قلّة عملها»[6].



================



5- أكثر أهل الجنّة:


وممّا اختصّت به هذه الأمّة من الفضائل:
أنّها أكثر أهل الجنّة. وهذا تكريم عظيم للأمّة المحمّديّة ونبيّها
r
.


وقد صحّ عن نبيّناr ما يؤيّد هذا المعنى:


عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رضى
الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ -
r- قَالَ « يَقُولُ
اللَّهُ تَعَالَى يَا آدَمُ . فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِى
يَدَيْكَ . فَيَقُولُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ . قَالَ وَمَا بَعْثُ النَّارِ
قَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ ، فَعِنْدَهُ
يَشِيبُ الصَّغِيرُ ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا ، وَتَرَى النَّاسَ
سُكَارَى ، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى ، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ » .
قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ قَالَ « أَبْشِرُوا
فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلٌ ، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ » . ثُمَّ قَالَ «
وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ ، إِنِّى أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ
الْجَنَّةِ » . فَكَبَّرْنَا . فَقَالَ « أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ
الْجَنَّةِ » . فَكَبَّرْنَا . فَقَالَ « أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ
الْجَنَّةِ » . فَكَبَّرْنَا . فَقَالَ « مَا أَنْتُمْ فِى النَّاسِ إِلاَّ
كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِى جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ ، أَوْ كَشَعَرَةٍ
بَيْضَاءَ فِى جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ » [7].



وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ
قَالَ النَّبِىُّ -
r- « يَقُولُ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا آدَمُ . يَقُولُ لَبَّيْكَ
رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ ، فَيُنَادَى بِصَوْتٍ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ
تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ . قَالَ يَا رَبِّ وَمَا
بَعْثُ النَّارِ قَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ - أُرَاهُ قَالَ - تِسْعَمِائَةٍ
وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الْحَامِلُ حَمْلَهَا وَيَشِيبُ
الْوَلِيدُ ( وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ
اللَّهِ شَدِيدٌ ) » . فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى تَغَيَّرَتْ
وُجُوهُهُمْ ، فَقَالَ النَّبِىُّ -
r- « مِنْ
يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ ، وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ
، ثُمَّ أَنْتُمْ فِى النَّاسِ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِى جَنْبِ الثَّوْرِ
الأَبْيَضِ ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِى جَنْبِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ ،
وَإِنِّى لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ » . فَكَبَّرْنَا
ثُمَّ قَالَ « ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ » . فَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ « شَطْرَ
أَهْلِ الْجَنَّةِ » . فَكَبَّرْنَا . قَالَ أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الأَعْمَشِ (
تَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى ) وَقَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ
تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ[8]



وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُنَّا مَعَ
النَّبِىِّ -
r- فِى قُبَّةٍ
فَقَالَ « أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ » . قُلْنَا
نَعَمْ . قَالَ « تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ » . قُلْنَا
نَعَمْ . قَالَ « أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ » .
قُلْنَا نَعَمْ . قَالَ « وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّى لأَرْجُو
أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنَّةَ لاَ
يَدْخُلُهَا إِلاَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ ، وَمَا أَنْتُمْ فِى أَهْلِ الشِّرْكِ
إِلاَّ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِى جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ أَوْ
كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِى جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ » [9].



وعَنْ أَبِى إِسْحَاقَ سَمِعْتُ عَمْرَو
بْنَ مَيْمُونٍ قَالَ حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ - رضى الله عنه -
قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -
r- مُضِيفٌ
ظَهْرَهُ إِلَى قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ يَمَانٍ إِذْ قَالَ لأَصْحَابِهِ «
أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ » . قَالُوا بَلَى . قَالَ
« أَفَلَمْ تَرْضَوْا أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ » . قَالُوا بَلَى
. قَالَ « فَوَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، إِنِّى لأَرْجُو أَنْ
تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ » [10].



وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ
النَّبِىَّ -

r - لَمَّا نَزَلَتْ {يَا أَيُّهَا
النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)
يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ
ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ
عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) } سورة الحـج



قَالَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ وَهُوَ فِى
سَفَرٍ فَقَالَ « أَتَدْرُونَ أَىُّ يَوْمٍ ذَلِكَ ».



فَقَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ
أَعْلَمُ. قَالَ « ذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ لآدَمَ ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ
فَقَالَ يَا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ قَالَ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ
وَتِسْعُونَ إِلَى النَّارِ وَوَاحِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ ». قَالَ فَأَنْشَأَ
الْمُسْلِمُونَ يَبْكُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r
- « قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَإِنَّهَا لَمْ
تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إِلاَّ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهَا جَاهِلِيَّةٌ قَالَ
فَيُؤْخَذُ الْعَدَدُ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنْ تَمَّتْ وَإِلاَّ كَمُلَتْ مِنَ
الْمُنَافِقِينَ وَمَا مَثَلُكُمْ وَالأُمَمِ إِلاَّ كَمَثَلِ الرَّقْمَةِ فِى
ذِرَاعِ الدَّابَّةِ أَوْ كَالشَّامَةِ فِى جَنْبِ الْبَعِيرِ ثُمَّ قَالَ إِنِّى
لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ». فَكَبَّرُوا ثُمَّ قَالَ «
إِنِّى لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ». فَكَبَّرُوا ثُمَّ
قَالَ « إِنِّى لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ». فَكَبَّرُوا
قَالَ وَلاَ أَدْرِى قَالَ الثُّلُثَيْنِ أَمْ لاَ.[11]



وعن الْحَسَنَ قال: حَدَّثَنَا
عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ -
r
- فِى مَسِيرٍ لَهُ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ (يَا
أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ
عَظِيمٌ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r - :« تَدْرُونَ أَىَّ يَوْمٍ ذَلِكَ؟ ».
قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ :« ذَلِكَ يَوْمٌ يَقُولُ اللَّهُ
لآدَمَ : يَا آدَمُ قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ أَهْلِ النَّارِ. فَيَقُولُ : يَا رَبِّ
وَمَا بَعْثُ أَهْلِ النَّارِ؟ فَيَقُولُ : مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ
وَتِسْعَةٌ وَتِسْعِينَ إِلَى النَّارِ ، وَوَاحِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ ». قَالَ :
فَأَنْشَأَ الْقَوْمُ يَبْكُونَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -
r
- :« إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ إِسْلاَمٌ قَطُّ
إِلاَّ كَانَتْ قَبْلَهُ جَاهِلِيَّةٌ ، فَيُؤْخَذُ الْعَدَدُ مِنَ
الْجَاهِلِيَّةِ ، وَإِنْ لَمْ يَفِ أُكْمِلَ الْعَدَدُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ ،
وَمَا مَثَلُكُمْ فِى الأُمَمِ إِلاَّ كَمَثَلِ الرَّقْمَةِ فِى ذِرَاعِ
الدَّابَّةِ أَوِ الشَّامَةِ فِى جَنْبِ الْبَعِيرِ ». ثُمَّ قَالَ :« إِنِّى
لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ». فَكَبَّرُوا ثُمَّ قَالَ :«
إِنِّى لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ». فَكَبَّرُوا ثُمَّ
قَالَ :« إِنِّى لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَبَّرُوا ».[12]



وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا
نَزَلَتْ { ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ } [الواقعة:
14] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ { ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ
وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ } [الواقعة: 39] فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
r
: " إنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا
ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ , شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ " وَقَالَ مَرَّةً
أُخْرَى: نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَتُقَاسِمُوهُمُ النِّصْفَ الْبَاقِيَ "[13]



وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ
لَنَا رَسُولُ اللهِ
r : " كَيْفَ أَنْتُمْ وَرُبُعَ
أَهْلِ الْجَنَّةِ لَكُمْ رُبُعُهَا وَلِسَائِرِ النَّاسِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا
؟ " قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ: " فَكَيْفَ أَنْتُمْ
وَثُلُثَهَا ؟ " فَقَالُوا: فَذَلِكَ أَكْبَرُ , قَالَ: " فَكَيْفَ
أَنْتُمْ وَالشَّطْرَ ؟ " قَالُوا: ذَلِكَ أَكْبَرُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
r
: " أَهْلُ الْجَنَّةِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ أَنْتُمْ مِنْهُمْ ثَمَانُونَ صَفًّا
"[14]



وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ :
أَنَّ رَسُولَ اللهِ
r ، قَالَ : إِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي أَنْ
يُدْخِلَ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ ، فَقَالَ
: يَزِيدُ بْنُ الأَخْنَسِ السُّلَمِيُّ : وَاللَّهِ مَا أُولَئِكَ فِي أُمَّتِكَ
يَا رَسُولَ اللهِ إِلاَّ كَالذُّبَابِ الأَصْهَبِ فِي الذِّبَّانِ ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ
r : إِنَّ رَبِّي قَدْ وَعَدَنِي
سَبْعِينَ أَلْفًا مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعِينَ أَلْفًا وَزَادَنِي حَثَيَاتٍ.[15]



وعن عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ
،قَالَ : : قَالَ رَسُولُ اللهِ
r : إِنَّ رَبِّي وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ
مِنَ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ ، ثُمَّ يُتْبِعُ
كُلَّ أَلْفٍ بِسَبْعِينَ أَلْفًا ، ثُمَّ يَحْثِي بِكَفِّهِ ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ ،
فَكَبَّرَ عُمَرُ ، فَقَالَ
r : إِنَّ السَّبْعِينَ أَلْفًا الْأُوَلَ
يُشَفِّعُهُمُ اللَّهُ فِي آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ ،
وَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ أُمَّتِي أَدْنَى الْحَثَوَاتِ الأَوَاخِرِ.[16]



وعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ
، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ
r : أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ
وَمِائَةُ صَفٍّ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْهَا ثَمَانُونَ صَفًّا."[17]



وعن سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ
أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ
r : أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ
وَمِائَةُ صَفٍّ ثَمَانُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ
الْأُمَمِ.[18]



وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : تَلا
رَسُولُ اللَّهِ
rهَذِهِ
الآيَةَ ، وَأَصْحَابُهُ عِنْدَهُ : { يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ
إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ } إِلَى آخِرِ الآيَةِ فَقَالَ : هَلْ
تَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ ذَلِكَ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ :
ذ