حواس للمحاماه

نشكركم على اختياركم لمنتدانا و نتمنى ان تقضى وقت ممتعا و يشرفنا ان تكون احد افراد اسرتنا
حواس للمحاماه

قانوني . اسلامي - برامج . صيغ - دعاوى - معلومات

انت الزائر رقم

.: عدد زوار المنتدى :.

مرحبا بالزائرين

المواضيع الأخيرة

مرحبا بك


counter globe

الاكثر زياره


إيصال السالك في أصول الإمام مالك ، للشنقيطى

شاطر
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 47

إيصال السالك في أصول الإمام مالك ، للشنقيطى

مُساهمة من طرف Admin في الثلاثاء نوفمبر 03, 2009 2:36 pm

إيصال السالك في أصول الإمام مالك




تأليف: العلامة الشيخ
سيدي محمد يحيى بن عمر المختار بن الطالب
عبد الله الولاتي الشنقيطي ـ رحمه الله ـ
(ت 1330هـ/1912م)

وهو شرح على منظومة أحمد بن أبي كف ـ رحمه الله ـ في أصول الفقه المالكي


نقله ورتبه: الشاطبي الوهراني
في 08/2005م
بسم الله الرحمن الرحيم

إيصال السالك في أصول الإمام مالك

تأليف العلامة الشيخ سيدي محمد يحيى بن عمر المختار بن الطالب عبد الله ـ رحمه الله ـ
الطبعة المنقول عنها:
طبع على نفقة المكتبة العلمية، لصاحبيها: محمد الأمين وأخيه الطاهر
تونس، المطبعة التونسية ـ نهج سوق البلاط 57، 1346هـ/1928م

ترجمة الشارح:

هو العالم المبرز الشيخ محمد يحيى بن المختار بن الطالب الشنقيطي الولاتي، يتصل نسبه بالبضعة الطاهرة والحرم المصون؛ كان آية في طلاقة اللسان وعدم التكلف، صادق اللهجة مصداعا يغضب للحق، ويرضى لرضاه على سنن العلماء من أئمة الدين وهداتهم.
وقد اجتاز بالحاضرة في حدود سنة 1314هـ عند عودته من قضاء فريضة الحج، وأقام مدة كان فيها محل العناية من سائر الطبقات لما ظهر عليه من وفرة العلم وبوادر الصلاح وصفاء السريرة.
وله من التآليف غير هذا الشرح شرح صحيح البخاري تركه بتونس، ومن أجلّ ما امتاز به هذا الشرح التنبيه على كل حديث تمسك به إمام دار الهجرة مالك في بناء مذهبه؛ وشرح منظومة ابن عاصم في الأصول ، وخلاصة الوفاء على نخبة الاصطفاء في طهارة أصول المصطفى من الشرك والعهر والجفا، طبع بالمطبعة الرسمية في تونس عندما كان الشيخ كريماً بها، وتأليف في العربية ألفه في طريق الحج لابنيه توجد منه نسخة بتونس أيضاً.
وقد انقطعت عنا أخباره من عام 1320 فرحمة الله عليه، من عالم فاضل نزيه.
[ترجمة أخرى له من مقدمة الطبعة الحجرية بفاس لشرحيه في الأصول]

[صاحب الشرحين (فتح الودود على مراقي السعود) و(نيل السول على مرتقى الوصول) تأليفي الإمامين المحققين سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم الشنقيطي والإمام أبي بكر محمد بن محمد بن عاصم الأندلسي الغرناطي هو البحر الزاخر، ذو المآثر الجميلة والمفاخر، إمام العلم وحامل لوائه، وحافظ علم الأصول وكوكب سمائه، محمد يحي بن محمد المختار بن الطالب عبد الله الحوضي ثم الولاتي.
له من التآليف ما لا يحصى كثرة:
ـ شرح صحيح البخاري شرحاً نفيساً
ـ وشرح مختصر ابن أبي جمرة له كذلك شرحاً في غاية النفاسة،
ـ وله نطم نفيس في القواعد جمع فيه كل ما في منهج الزقاق بزيادة سماه المجاز الواضح وشرحه شرحاً عجيباً سماه الدليل الماهر الناصح
ـ وشرح تكميل ميارة للمنهج المذكور شرحاً طويلاً كثير الفوائد
ـ وله شرح نفيس على الحصن الحصين
ـ وله تأليف حسن في الفروع مع بيان أدلتها من الكتاب والسنة يقول فيه الحكم كذا لقوله تعالى كذا وكذا، والحكم كذا لحديث كذا وكذا، سماه منبع العلم والتقى، وشرحه شرحاً نفيساً سماه العروة الوثقى.
ـ إلى غير ذلك من مصنفاته الحسان.
كان إماماً من أهل الجد لا تأخذه في الله لومة لائم، كثير الردع لأهل البدع والمناكر؛
والعهد به في قيد الحياة أطال الله عمره في العافية ونفع المسلمين بمؤلفاته مثل الشرحين المذكورين وغيرهما.
كتبه عبد ربه وأسير ذنبه محمد حبيب الله بن ما يابي. عامله الله بلطفه الخفي.
فاس ـ 1327 هـ.]

[تنبيه من الشاطبي الوهراني]: قمت بفصل وتوضيح أبيات المنظومة عن الشرح.


بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً
الحمد لله الذي أنزل على نبينا محمد r أدلة الشرع الإجمالية والتفصيلية، وأمر العلماء باستخراج الفروع منها بالنظر المستمد من أنواره الساطعة الجلية، وجعل معانيها لا تنفد أبد الآباد السرمدية، وجعل علماء هذه الأمة يجددون الشريعة كأنبياء بني إسرائيل كلما فنيت طبقة خلفتها طبقة قائمة بالوظائف السنية؛ والصلاة والسلام على سيدنا محمد الآمر بالنظر في أصول الشريعة الكلية، واستنباط الفروع الجزئية، وعلى آله وأصحابه البالغين في العلم الشرعي درجة الاجتهاد العلية، الذين من اقتدى بهم ناج لأن الله تعالى جعل أقوالهم وأفعالهم حجة شرعية، صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم يوزن مداد العلماء بدم الشهداء، وتكون لمداد العلماء في الوزن الرجحانية. أما بعد:
فيقول أفقر العبيد إلى مولاه الغني عمن سواه، محمد يحيى بن محمد المختار بن الطالب عبد الله: هذا شرح واضح طلبه مني مَن لا تسعني مخالفته، وتجب طبعاً على نفسي مساعدته وموافقته، وهو أخي وحبيبي عبد الله بن سيدي أحمد، طلب مني أن أشرح له منظومة أبيه الشهير الفقيه النحرير سيدي أحمد بن محمد بن أبي كف التي جمع فيها أصول مذهب مالك بالعدّ لا بالبحث عن عوارضها الذاتية، ولا بتعريفها بالحدّـ تقريباً لحفظها وفهمها واستحضارها لمن له علم بعوارضها وحدودها وله اعتناء باستعمالها واعتبارها.
فأقول ـ وبالله التوفيق وهو الهادي بمنِّهِ إلى سواء الطريق ـ: قال الناظم سيدي أحمد بن محمد بن أبي كف رحمه الله وأعاد علينا من بركاته:
الحمـد للــه الذي قد فهمـا @ دلائـل الشـرع العزيز العلمـا
أي الحمد كله مقصور على الله عز وجل أي لا يستحقه إلا الله عز وجل، ومعناه لغة وشرعا معروف، والتفهيم: التعليم، ودلائل الشرع: المراد بها أصوله الإجمالية؛ وتفهيم الله إياها للعلماء هو تعليمه لهم بحقائقها وكيفية استعمالها وإنتاج الفروع منها، وفي التعبير بها هنا براعة استهلال.
ثم الصـلاة والسـلام أبـــدا @ على النبـي الهـاشمي أحمــدا
وآلـه الغرّ وصحبـه الكــرام @ والتابعيــن لهـم على الـدوام
أي نطلب من الله دوام الصلاة والسلام أبد الآباد على النبي المنسوب إلى هاشم بن عبد المناف المسمى بـ"أحمد" وهو نبينا صلى الله عليه (و) على (آله الغر) أي بيض الوجوه، جمع أغر؛ والغرة: بياض الوجه، وهي كناية عن إيمانهم وطهارتهم الحسية والمعنوية، لأن البياض يكنى به عن الإيمان، كما أن السواد يكنى به عن الكفر أعاذنا الله منه، أو كناية عن كرمهم، لأن بياض الوجه يستلزم طلاقته، وطلاقته تستلزم الكرم، أو كناية عن كونهم من أهل الجنة، إذ قد ورد الخبر عن رسول الله r أن أهل الجنة يدعون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء، ولفظه "إن أمتي يدعون يوم القيامة غراًّ محجلين من أثر الوضوء"
(و) على (صحبه الكرام) طبعاً وشرعاً (و) على (التابعين لهم) من المؤمنين في العلم والعمل (على الدوام) أي إلى يوم القيامة.
وبعد فالقصد بذا النظم الوجيـز @ ذكر مباني الفقه في الشرع العزيـز
(وبعد) أي وبعد الحمد والصلاة والسلام على النبي r (فالقصد) أي فالمقصود لأن فعلا يأتي بمعنى مفعول (بذا النظم الوجيز) أي المنظوم المختصر، أي الكثير المعنى القليل اللفظ (ذكر مباني الفقه) أي أصوله الإجمالية، لأن المباني جمع مبنى؛ والمبنى لغة: الأساس والأصل الحسي الذي يبنى عليه الجدار حساً، والمراد به هنا أساس الشرع وأصله المعنى الكلي الذي تبنى عليه فروع الشريعة المعنوية.
والفقه لغة الفهم، واصطلاحا العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية، فقولنا: العلم جنس، وقولنا: بالأحكام قيد خرج به العلم بالذات والصفات والأفعال، فلا يسمى فقها، والمراد بالأحكام النسب التامة التي هي ثبوت أمر لآخر إيجاباً أو سلباً، وقولنا: الشرعية معناه أن تلك الأحكام لابد أن تكون مأخوذة من الشرع بالتصريح أو بالاستنباط، فخرجت الأحكام العقلية ضرورية كانت كالحكم بأن الواحد نصف الاثنين، أو نظرية كالحكم بأن الأثر لابد له من مؤثِّر، والحسية كالحكم بأن الجدار طوب وحجر، وخرجت الأحكام العادية كالحكم بأن النار محرقة، فلا يسمى العلم من هذه فقهاً.
وقولنا: العملية، معناه أن الأحكام الشرعية لابد أن تكون متعلقة بكيفية عمل قلبي، كالعلم بوجوب النية في الوضوء، أو بدني كالعلم بسنية الوتر، فخرجت الأحكام الشرعية الاعتقادية أي التي لم تتعلق بكيفية عمل، كالعلم بأن الله واحد، وأنه يجب له الكمال، ويستحيل عليه النقص، فلا يسمى العلم بذلك فقهاً.
وقولنا المكتسب معناه: أن العلم بالأحكام الشرعية العملية لابد أن يكون مكتسباً، أي مأخوذاً بالنظر والتأمل وإعمال الفكر في الأدلة الشرعية ليخرج علم الله وعلم كل نبي ملك فلا يسمى فقهاً لأنه ليس مكتسباً.
وقولنا: من الأدلة التفصيلية، أي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، أي مكتسباً من النظر فيها والاستنباط منها، فيخرج علم المقلدين الخلص أي الذين ليس لهم إلا حفظ فروع المذهب وضبطها كجلّ علماء عصرنا، فلا يسمى علمهم بذلك فقها، بل يسمى نقلاً ورواية، إذ لم يكتسبوا تلك الفروع بالنظر في الأدلة التفصيلية، وإنما اكتسبوا بالنقل والرواية من بطون الكتب المعتمدة، فليس لهم فيها إلا مجرد نقلها للناس وروايتها وحفظها، ولا حجة لهم على كونها أحكاما شرعية إلا منقولة بالتواتر عن المجتهدين الذين استخرجوها بالنظر والاستنباط من الأدلة التفصيلية التي هي الكتاب والسنة.
وفتوى المجتهد حكم الله في حقه وحق مقلديه.
وقوله: (في الشرع العزيز) متعلق بقوله الفقه، لأن المراد به في النظم معناه اللغوي هو الفهم، والمعنى أن المقصود بالنظم ذكر الأصول التي تفقه منها أي تفهم منها أحكام الشرع العزيز بالنظر والاستنباط.
فقلت واللـه المعيـن أستعيــن @ وأستمد منه فتحــه المبيــن
فقوله الله مفعول مقدم لقوله أستعين لإفادة التخصيص أي أنه لا يطلب العون إلا من الله، ولا يستمد أي لا يطلب الإمداد بالفتح المبين بالأنوار الإلهية إلا من الله عز وجلّ.
أدلـة المذهب مذهـب الأغـرّ @ مالك الإمام ستــة عشـــر
يعني رحمه الله تعالى أن أصول مالك الإجمالية التي يستخرج منها الأحكام الشرعية الفرعية ويعتمد عليها في العمل والإفتاء والقضاء ستة عشر دليلاً.
والإجمالية: هي التي لا تعين مسألة جزئية ككون النص من الكتاب والسنة حجة شرعية ثم شرع في تعديدها فقال:
نص الكتـاب ثم نصّ السنَّــه @ سنَّـــة من لــه أتمّ المنَّــه
يعني أن أول أدلة مذهب مالك الستة عشر النص من الكتاب والسنة الصحيحة متواترة كانت أو مستفيضة أو آحاداً.
والنص: هو اللفظ الدال على معنى لا يحتمل غيره أصلاً، مثاله من الكتاب قوله تعالى في صيام المتمتع الذي لم يجد هدياً ]فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة[، فقوله تعالى تلك عشرة كاملة نص في أن المتمتع أي الذي لم يجد هدياً يلزمه صوم الجموع الثلاثة التي في الحج، والسبعة التي بعد الرجوع الذي هو العشرة، ومثاله من السنة قوله r: "إن الله حرم عليكم وأد البنات، فهذا نص في تحريم دفن البنات الذي كان يفعله أهل الجاهلية.
وقوله: (سنة من له أتم المنه) معناه: أن المراد بالسنة سنة النبي r الذي أتمَّ الله له المنة أي الفضل.
وظاهر الكتـاب والظاهـر مـن @ سنـة من بالفضل كلِّـه قمـن
يعني أن الدليل الثاني من أدلة مذهب مالك الظاهر من الكتاب أو السنة الصحيحة.
والظاهر: هو اللفظ الدال في محل النطق على معنى لكنه يحتمل غيره احتمالاً مرجوحاً؛ فدلالته على المعنى الراجح فيه تسمى ظاهراً، ودلالته على المعنى المرجوح فيه تسمى تأويلا.
مثال الظاهر من الكتاب قوله تعالى ]فإطعام ستين مسكينا[ فإنه ظاهر في أن المظاهر الذي لم يستطع الصوم يجب عليه إطعام ستين شخصاً مسكيناً أي فقيراً لا مال له لكل مد، ولا يجزي إعطاؤها لمسكين واحد، ولا إعطاء مدين منها له أيضاً؛ ويحتمل أن المراد بالمسكين المد لأنه من أسمائه، ويكون المعنى: فإطعام طعام ستين مداً، وعليه فيجزئ إعطاء جميع الكفارة لمسكين واحد ستين يوماً في كل يوم مد. والأول مذهب الجمهور والثاني مذهب الحنفية.
ومثاله من السنة قوله r الثابت في سنن أبي داود "من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له"، فإنه ظاهر في أن تبييت النية واجب في كل صيام، لأن المعرف بـ"ال" والنكرة في سياق النفي للعموم ظاهراً، ويحتمل أن المراد بالصيام صيام النذر والقضاء، فيكون المراد به بعض أفراده، وأن غيرهما من الصوم يصح بدون تبييت النية، والأول مذهب الجمهور، والثاني مذهب الحنفية أيضا.
والقاعدة الشرعية ترجيح الظاهر على التأويل عند جميع العلماء إلا إذا عضد التأويل دليل آخر من الشريعة كما في قوله تعالى ]يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس[ فإن ظاهر الآية أن المشرك وعرقه وثيابه وسائر لعابه نجس نجاسة حسية وبه تمسك الظاهرية، ويحتمل أن المراد بنجاسته النجاسة المعنوية التي هي الشرك والجنابة، وبهذا التأويل تمسك مالك وقدمه على الظاهر لأنه عضده عنده قياس العكس، وهو أن الموت لما كان سبباً لنجاسة كل حيوان كان القياس أن يكون عكسها الذي هو الحياة سببا لطهارة كل حيوان، فلذلك كان الكافر وعرقه ولعابه طاهرا عند مالك.
وكقوله r "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" فإن ظاهره نفي الصحة عند صلاة الفذ المجاور للمسجد، وبه تمسك أحمد في أحد قوليه، وتأويله نفي الكمال عنها وبه تمسك الجمهور وقدمه على الظاهر لأنه عضده الإجماع على صحة صلاة الفذ المجاور للمسجد، وقوله r "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة"، فقوله: "تفضل" دليل على أن صلاة الفذ صحيحة إلا أن صلاة الجماعة أزيد منها في الفضل.
ومحل كون الظاهر أيضا أرجح من التأويل ما لم يكن الظاهر ممنوعا وإلا تعيَّن التأويل كقوله تعالى ]يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم[ الآية، فإن ظاهرها أن غسل الوجه وما بعده أي الوضوء لا يطلب من المصلي إلا بعد قيامه للصلاة، وذلك ممنوع فتعين التأويل بالإرادة أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة.
وكقوله تعالى ]فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم[ فإن ظاهره أن الاستعاذة لا تطلب من القارئ إلا بعد قراءة القرآن، وذلك ممنوع فتعين التأويل بالإرادة أيضاً.
وكقوله تعالى ]فمن شهد منك الشهر فليصمه[ فإن ظاهره أن الصوم لا يجب إلا في شوال، لأن الشهود لغة الحضور، والشهر اسم لثلاثين ليلة، أي ذلك هو معناه الحقيقي، والصوم لم يؤمر به إلا بعد شهوده، وشهوده لا يمكن إلا بتمامه، وذلك ممنوع فتعين التأويل بالمجاز أي بحمل لفظ الشهر على معنى مجازي، وهو أن المراد به أول ليلة منه من تسمية البعض باسم الكل ليصح كون الصوم المأمور به بعد الشهود للشهر في رمضان.
ثم الدليل من كتـاب اللـــه @ ثم دليـــل سنــــة الأواه
يعني أن الدليل الثالث من أدلة مذهب مالك الإجمالية دليل الخطاب من الكتاب والسنة، وهو مفهوم الكخالفة منهما، وهو حجة عند مالك والشافعي وأنكره أبو حنيفة، وهو يجري في الشرط والغاية والحصر والعدد والعلة والوصف والظرف.
مثال مفهوم الشرط من كتاب الله قوله تعالى في المطلقات البوائن ]وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن[ فمفهومه أن غير أولات الحمل من المطلقات البوائن لا تجب على الزوج لهن نفقة.
ومثاله من السنة قوله r "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه"، فمفهومه أن من وهب له طعام يجوز بيعه قبل استيفائه، وهو كذلك عند مالك.
ومثاله في الغاية من كتاب الله قوله تعالى في المطلقات ثلاثا ]فإن طلقها[ أي الثلاثة ]فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره[، فمفهومه أن المبتوتة إذا نكحت زوجاً غير زوجها الأول أي وطئها في نكاح صحيح لازم أنها تحل لزوجها الأول إذا طلقها الثاني، وهو كذلك أيضا.
ومثاله من السنة قوله r "رفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، فمفهوم الغاية أن الصبي إذا بلغ، والمجنون إذا أفاق، والنائم إذا استيقظ لا يرفع عنهم القلم، بل يتعلق بهم خطاب الله بالأحكام الشرعية، لأن معنى رفع القلم رفع الخطاب التكليفي.
ومثاله في العدد من كتاب الله قوله تعالى في البكر الزاني ]الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة[ فمفهوم قوله مائة جلدة أن الزيادة على ذلك العدد والنقص منه لا يجوز.
ومثاله من السنة قوله r "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات" فمفهوم العدد أن الزيادة على السبع وأن النقص منها غير جائز.
ومثاله في الحصر من كتاب الله قوله تعالى ]لا يكلف الله نفسا إلا وسعها[ أي طاقتها، فمفهوم الحصر أن الذي في الوسع من المأمورات هو الذي يكلف به.
ومثاله فيه من السنة قوله r "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" أي وضوء أو غسل أو بدلهما وهو التيمم لمن عجز عنهما، فمفهوم الحصر أن الصلاة الواقعة بطهور مقبولة أي صحيحة.
ومثاله في الصفة من كتاب الله قوله تعالى ] وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن [ فمفهوم قوله اللاتي دخلتم بهن أن الزوجة التي لم يدخل بها الزوج، وإنما عقد عليها فقط لا تحرم عليه بنتها أي لا يحرم عليه نكاحها.
ومثاله فيها من السنة قوله r "في الغنم السائمة زكاة" فمفهوم الصفة أن المعلوفة لا تجب فيها زكاة وهو كذلك عند غير مالك.
ومثاله في الظرف من كتاب الله قوله تعالى ]الحج أشهر معلومات[ وقوله ]وأنتم عاكفون في المساجد[ فمفهوم الظرف أن الحج في غير تلك الأشهر، والاعتكاف في غير المساجد غير مشروع ولا يحل.
ومثاله فيه من السنة قوله r "إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء وأغلقت أبواب جهنم"، وقوله r "إذا حلم أحدكم حلماً يخافه فليبصق عن يساره" فمفهوم الظرف أن غير رمضان من الشهور لا تفتح فيه أبواب السماء ولا تغلق فيه أبواب جهنم، وأن البصاق عن اليمين أو عن الأمام أو الوراء لا يؤمر به من حلم حلما يخافه.
ومحل كون دليل الخطاب حجة شرعية ما لم يكن له مانع شرعي، وموانعه ستة:
منها كون ذكر القيد الذي هو الشرط أو الوصف أو غيرهما من القيود التي يجري فيها دليل الخطاب خارجا مخرج الغالب لا مخرج التقييد كقوله تعالى ]وربائبكم اللاتي في حجوركم[ فوصف الربائب بكونهن في حجر الزوج خرج مخرج الغالب، لأن الغالب في الربيبة أن تكون في حجر زوج أمها، فليس مقصوداً به تقييد تحريم الربيبة على زوج أمها بما إذا كانت في حجره فتحرم عليه وإن لم تكن في حجره فلا تحرم، وهذا هو مذهب مالك خلافاً للظاهري فإنه اعتبر التقييد.
ومنها كون ذكر القيد لأجل الامتنان لا التقييد كقوله تعالى ]وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا[ فوصف اللحم بالطراوة خرج مخرج امتنان الله على عبيده لا لأجل تقييد جواز أكل اللحم بكونه طرياً فلا يجوز أكل القديد.
ومنها خروج القيد مخرج التوكيد كقوله r: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت إلا على زوجها أربعة أشهر وعشراً" فوصف المرأة بالإيمان بالله واليوم الآخر خرج مخرج التأكيد لا لقصد التقيد، وإن كان غير المؤمنة كالكتابية يحل لها الإحداد على غير الزوج فوق ثلاث ولا يجب عليها الإحداد على الزوج أربعة أشهر وعشراً، بل الكتابية التي تحت المسلم والمسلمة في ذلك سواء.
ومنها كون ذكر القيد لأجل بيان الواقع نحو قوله تعالى: ]لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين[ فتقييد النهي عن موالاة الكفار بما إذا كانت من دون المؤمنين خرج لبيان الواقع حين النهي فلا يدل على جواز موالاتهم إذا لم تكن من دون المؤمنين، بل موالاة الكفار مطلقاً سواء من دون المؤمنين أم لا.
ومنها المبالغة نحو قوله تعالى في النهي عن الاستغفار للمنافقين ]إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم[ فتقييد الاستغفار بكونه إن وقع سبعين مرة لا ينفعهم خرج مخرج المبالغة في عدم الغفران، فلا يدل على أن النبي r إذا زاد على السبعين ينفعهم ذلك، بل المراد أن استغفاره لهم لا ينفعهم ولو بلغ منتهى العدد.
ومنها كون القيد ذكر لأجل سؤال سائل عنه كقوله r: "في الغنم السائمة زكاة" فتقييد الغنم بالسؤم إنما كان لأن سائلاً سأل النبي r عن الغنم السائمة، فلا يدل على أن المعلوفة لا تجب فيها الزكاة، بل المعلوفة والسائمة سيام في وجوب الزكاة، وهذا هو مذهب مالك.
ومن أصولــه التي بهـا يقـولْ @ تنبيـه قرآن وسنـة الرســولْ
هذا هو الرابع من أدلة مذهب مالك، يعني أن من أصول مالك التي بها يقول بها أي يحتج بها في الشرعيات تنبيه الخطاب من القرآن وتنبيه الخطاب من سنة الرسول r ويسمى أيضا بفحوى الخطاب، وهو مفهوم الموافقة، وإنما سمي مفهوم الموافقة لكون المعنى المسكوت عنه موافقاً للمعنى المنطوق به في الحكم، وإنما سمي بتنبيه الخطاب لأن السامع يتنبه عند الخطاب بالمعنى المنطوق به وحده إلى دلالة اللفظ على معنى غير مذكور موافق للمعنى المذكور في الحكم بالمساواة له فيه، والأولية به عنه.
فمثال مفهوم المساوي من القرآن قوله تعالى ]إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً[ وتدل بالمفهوم الموافق على مساواة إحراقه لأكله ظلماً في التحريم لأن العلة في التحريم أكله ظلماً الإتلاف، وتلك العلة موجودة بتمامها في إحراقه.
ومثال مفهوم الأولى من القرآن قوله تعالى ]فلا تقل لهما أف[ فإن الآية تدل بالمنطوق على تحريم التأفيف على الوالدين، وتدل بالمفهوم الموافق على أن ضربه لهما أولى بالتحريم من التأفيف، لأن العلة في تحريم التأفيف عليهما هي الإيذاء، وتلك العلة أتم في الضرب منها في التأفيف.
ومثال تنبيه الخطاب المساوي للمنطوق في الحكم من السنة قوله r الثابت في البخاري: "من ابتاع عبداً فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع"، فإنه يدل بالمنطوق على أن مال العبد المبيع للبائع إلا أن يشترطه المشتري، ويدل بالمفهوم الموافق على أن مال الأمة المبيعة مساو لمال العبد المبيع فيما ذكر.
ومثال تنبيه الخطاب الأولى بالحكم من المنطوق من السنة قوله r الثابت في البخاري أيضا: "لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي كراع لقبلته"، فإنه يدل بالمنطوق على أن إجابة الداعي إلى كراع وقبول الكراع هدية سنة، ويدل بالمفهوم الموافق على أن ما هو أكثر من الكراع أولى بسنية القبول وإجابة الداعي إليه.
قال في جمع الجوامع: قال الشافعي والإمامان إمام الحرمين والإمام الرازي: إن تنبيه الخطاب من باب القياس الجلي، وقيل من باب دلالة اللفظ. يعني أن اللفظ الدال على المنطوق دل عليه فلا يحتاج للقياس، واختلف في كيفية دلالته عليه، فقال الغزالي والآمدي إنها مجازية من باب إطلاق الأخص، وهو منع التأفيف والأكل في آيتي الوالدين واليتيم على الأعم وهو منع الإيذاء؛
قلت: وهو مجاز مرسل، وقيل إن دلالة اللفظ على تنبيه الخطاب حقيقة عرفية، وإن العرف نقل لفظ التأفيف ولفظ الأكل في الآيتين مثلاً على معناهما الأخص إلى معنى يعمهما وغيرهما وهو الإيذاء في الأول والإتلاف في الثاني ليكون الضرب والإحراق في منطوق الآيتين عرفاً.
وحجة لديـه مفهوم الكتــاب @ وسنة الهادي إلى نهـج الصـواب
يعني أن مفهوم الكتاب والسنة سنة النبي r الهادي إلى طريق الصواب حجة شرعية عند مالك، يعني أنه من أدلة مالك التي يستدل بها وهو الخامس من الأدلة المعدودة في النظم؛ والمراد بالمفهوم عنده دلالة الاقتضاء. والاقتضاء على قسمين تصريحي وتلويحي:
فالتصريحي: هو أن يدل اللفظ دلالة التزام على معنى لا يستقل المعنى الأصلي بدونه لتوقف صدقه أو صحته عليه عادة أو عقلاً أو شرعاً، مع أن اللفظ لا يقتضيه.
مثال المفهوم المتوقف صحة الكلام عليه عادة من الكتاب قوله تعالى ]وأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق[ فمنطوق الآية أن الله عز وجل أمر موسى أن يضرب البحر بعصاه، وأن البحر انفلق، ومفهومها تقدير "فضربه" قبل قوله: "فانفلق" لأن هذا المنطوق لا عادة بدون هذا المفهوم الذي تقديره "فضربه" قبل قوله "فانفلق"، لأن الانفلاق مسبب عادي عن الضرب، ووجود المسبب بدون سبب محال عادة.
ومثال المفهوم المتوقف صحة الكلام عليه عقلا قوله تعالى ]واسأل القرية[ فمنطوق الآية الأمر بسؤال القرية أي الأبنية المجتمعة، وصحة ذلك عقلاً متوقفة على المفهوم الذي هو تقدير الأهل قبل قوله القرية، لأن سؤال القرية نفسها محال عقلاً.
ومثال المفهوم المتوقف صحة الكلام عليه شرعاً قوله تعالى ]وأقيموا الصلاة[ فمنطوق الآية الأمر بإقامة الصلاة وهو المنطوق متوقفة صحته شرعا على تقدير الأمر بالطهارة قبلها.
وكقوله تعالى ]أحلت لكم بهيمة الأنعام[ فمنطوق الآية أن بهيمة الأنعام حلال، وهذا المنطوق متوقفة صحته شرعا على تقدير التناول أي أحل لكم تناولها الشامل للأكل وغيره.
ومثال المفهوم المتوقف صدق الكلام عليه عقلا من السنة قوله r: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، فإن منطوق الحديث أن الخطأ والنسيان والإكراه مرفوعة عن هذه الأمة، وصدق هذا الكلام متوقف عقلاً على المؤاخذة، أي رفع عن أمتي المؤاخذة بالخطأ الخ؛ لأن نفس الخطأ والنسيان والإكراه غير مرفوع عن هذه الأمة لمشاهدة وقوع هذه الثلاثة منهم حساًّ.
وأما الاقتضاء التلويحي: فهو أن يدل اللفظ دلالة التزام على معنى يلزم من المعنى الأصلي لكن لا يتوقف عليه صدقه ولا صحته لا عقلا ولا شرعا ولا عادة، ولا يتوجه إليه القصد عادة مثاله من الكتاب قوله تعالى ]أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم[ فمنطوق الآية جواز الجماع في كل جزء من الليل حتى الجزء الأخير منه الملاقي للصباح، وذلك يلزم منه جواز الإصباح بالجنابة في رمضان.
ومثاله من السنة قوله r: "النساء ناقصات عقل ودين" قيل: وما نقصان دينهن؟ قال r: "تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي" ، فمنطوق الحديث تبيين نقصان دين النساء بكونهن يمكثن شطر الدهر لا يصلين، وذلك يلزم منه أن أكثر أمد الحيض خمسة عشر يوماً، لأن المقام مقام مبالغة في ذم النساء بنقص العقل والدين، فلو كُنَّ يمكثن في الحيض أكثر من ذلك لذكره، وخمسة عشر يوماً هي شطر الدهر. ومعنى كون المعنى المفهوم باللزوم في الآية والحديث لا يتوجه إليه القصد عادة أن المتكلم بمثل هذا الكلام في عرف الناس لا يقصد هذا المعنى، لا أن الله تعالى غير قاصد له تعالى عن ذلك علوا كبيراً، بل هو المطلع على كل خفي وجلي.
ثمت تنبيــه كتـاب اللَّــه ثم @ تنبيه سنة الذي جـاهاً عظــم
يعني أن من أدلة مذهب مالك التنبيه من كتاب الله أو من سنة النبي r الذي عظم جاهه عند الله، ودلالة التنبيه من قبيل دلالة اللزوم، وتسمى بدلالة الإيماء.
وهي: أن يقرن الوصف بحكم لو لم يكن اقتران الوصف بذلك الحكم لبيان كونه علة له لعابه الفطن بمقاصد الكلام، لأنه لا يليق بالفصاحة.
مثاله من الكتاب قوله تعالى ]والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما[ فإن اقتران الأمر بقطع يد السارق مع وصفه بالسرقة يدل باللزوم على أن السرقة هي علة القطع شرعاً، إذ لو لم تكن علة له لكان الكلام غير بليغ.
ومثاله من السنة قوله r للأعرابي ـ الذي قال له واقعت أهلي في نهار رمضان ـ : "اعتق رقبة الخ"، فإن اقتران الأمر بالتكفير مع وصف الأعرابي لنفسه بالوقاع في نهار رمضان يدل باللزوم على أن الوقاع علة للأمر بالتكفير بالعتق أو الإطعام أو الصوم في الشرع؛ إذ لو لم يكن علة له لكان الكلام غير بليغ، بل يكون غير جواب أي غير مفيد.
ثمت إجمـاع وقيـس وعمــل @ مدينة الرسول أسـخى من بـذل
(ثمت إجماع) يعني أن الإجماع دليل من أدلة مذهب مالك،
وهو لغةً: العزم، واصطلاحاً: اتفاق العلماء المجتهدين من هذه اللأمة بعد وفاة النبي r في أي عصر سواء كان في عصر الصحابة أم لا، وسواء كان المتفق عليه حكماً شرعياً كحلية النكاح، أو لغوياً ككون الفاء للتعقيب أو عقليا كحدوث العالم، أو دنيوياً كتدبير الجيوش.
ولا يعتبر فيه وفاق العوام مع المجتهدين، والمراد بالعوام من لم يبلغ درجة الاجتهاد، فيدخل مجتهد الفتوى، ومجتهد المذهب، أي فيعتبر وفاقهم للمجتهدين المطلقين، ولا ينعقد مع مخالفة إمام معتبر كابن عباس من الصحابة، والزهري من التابعين، وكالأوزاعي من تابع التابعين.
ولابد له من مستند من كتاب أو سنة أو قياس؛ ولا يشترط فيه انقراض عصر المجمعين ولا كونهم على عدد التواتر؛ وهو حجة شرعية عند جميع أهل السنة لقوله تعالى ]ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً[، وقوله r: "لا تجتمع أمتي على ضلالة".
وهو على قسمين: نطقي وسكوتي، فالنطقي هو أن يكون اجتماع المجتهدين على الحكم بالنطق به من كل واحد منهم،
والسكوتي هو أن ينطق به بعضهم ويسكت الباقون، وهو حجة ظنية؛
والنطقي على قسمين قطعي وظني، فالقطعي منه المشاهد أو المنقول بالتواتر؛ والظني هو المنقول بخبر الآحاد الصحيح، وهو حجة ظنية. والقطعي حجة قطعية، وهو الذي يمنع خرقه لإحداث قول زائد، ويقدم على ما عارضه من الكتاب والسنة والقياس ولو الجلي، لأن الكتاب والسنة يقبلان النسخ والتأويل، والقياس يحتمل المعارض أو فوت شرط من شروطه، والإجماع معصوم من هذا كله.
ولم يخالف في حجية الإجماع إلا الروافض والخوارج والشيعة والنظام، وخلافهم لغو، لأنهم ليسوا من أهل السنة، ومن جحد حجيته لم يكفر لكنه ابتدع شنيعة.
والمجمع عليه على ثلاثة أقسام: ضروري ومشهور ونظري. فالضروري هو الذي يكفر جاحده بلا خلاف كتحريم الزنا أعاذنا الله منه. والمشهور يكفر جاحده على المشهور إن كان منصوصاً في الكتاب والسنة، لأن جحده تكذيب للشارع، مثاله ربا الجاهلية وربا النساء. وأما النظري فلا يكفر جاحده اتفاقا ولو كان منصوصاً في الكتاب والسنة، كفساد الحج بالوطء قبل الوقوف، وكاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب، فإن هذين مجمع عليهما ولكنهما نظريان.
(وقيس) يعني أن من أدلة مذهب مالك رحمه الله القياس الشرعي، وهو لغة التقدير والتسوية، قال الفهري: والنظر فيه من أهم أصول الفقه إذ هو أصل الرأي وينبوع الفقه، ومنه تتشعب الفروع، وهو جل العلم.
وحده اصطلاحاً: حمل معلوم على معلوم لمساواته في علة الحكم عند الحامل. فخرج الحكم الثابت بالكتاب أو السنة فلا يسمى قياساً، ودخل بقوله عند الحامل القياس الفاسد في نفس الأمر لأنه قبل ظهور فساده معمول به كالصحيح.
وأركانه أربعة، الأول: المقيس عليه، وهو محل الحكم المشبه به كالبر، والثاني: حكم الأصل كتحريم الربا في البر، والثالث: الفرع، وهو محل الحكم المشبه وهو كالدخن مثلا في القياسه على البر، والرابع: العلة، وهو الوصف الجامع بين المقيس والمقيس عليه كالاقتيات والادخار في قياس الدخن على البر.
وهو مقدم على خبر الواحد عند مالك إذا تعارض معه، لأن الخبر متضمن للحكم فقط، والقياس متضمن للحكم والحكمة أي العلة؛ ويجري في الكفارة والتقدير والحدود على المشهور.
مثاله في الكفارة قياس رقبة الظهار على رقبة القتل في اشتراط الإيمان فيها بجامع كل منهما كفارة. ومثاله في التقدير قياس أقل الصداق على أقل نصاب السرقة في جعله ربع دينار بجامع كون كل منهما لاستباحة عضو. ومثاله في الحدود قياس اللائط على الزاني في لزوم الحد بجامع إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم شرعاً.
ولا يجري في الرخص ولا الأسباب ولا الشروط ولا الموانع.
أما الرخص فلأنها لا يعقل معناها، ولأنها مخالفة للدليل. والقياس عليها يؤدي إلى كثرة المخالفة فوجب أنه لا يجوز. وأما الأسباب والشروط والموانع فلأن القياس عليها يستلزم نفي السببية والشرطية والمانعية من خصوص المقيس والمقيس عليه، إذ يجعل السبب أوالشرط أو المانع هو المعنى المشترك بين المقيس والمقيس عليه. وما سوى ما ذكر من الأحكام الشرعية يجري فيه القياس اتفاقاً.
(وعمل مدينة الرسول أسخى من بذل) يعني أن عمل مدينة النبي r الذين أجمعوا عليه من أهل مذهب مالك، والمراد بهم الصحابة والتابعون لكن بشرط أن يكون فيما لا مجال للرأي فيه من الأحكام الشرعية، وقيل إن عملهم حجة مطلقا أي ولو في الحكم الاجتهادي. وحجة القولين قوله r: "المدينة كالكير تنفي خبثها" والخطأ خبث فوجب نفيه عنهم، ولأنهم أعرف بالوحي لسكناهم بمحله، وهو مقدم عند مالك على الخبر الآحادي.
ومذهب الجمهور أنه لا يقدم عليه، وليس بحجة شرعية استقلالاً، لأنهم بعض الأمة بل إذا وافقهم عملهم دليلاً من أدلة الشرع قواه على معارضها اتفاقاً. مثاله عند مالك احتجاجه على نفي خيار المجلس في البيع بأنه وجد عمل أهل المدينة على نفيه، وقدمه على الحديث الصحيح وهو قوله r: "البائعان بالخيار ما لم يتفرقا".
وقول صحبـه والاستحســان @ وهو اقتفـاء ما لـه رحجــان
(وقول صحبه) يعني أن القول المروي عن أصحاب رسول الله r من أدلة مذهب مالك، يعني أنه حجة شرعية عند مالك سواء كان الصحابي إماماً أو مفتياً أو حاكماً، وسواء كان قولاً أو فعلاً.
والمراد بقول الصحابي رأيه الصادر عن اجتهاده، ويشترط فيه عند مالك أن يكون منتشراً، ولم يظهر له مخالف، نقله الباجي عن مالك.
ومعنى كونه حجة أن المجتهد التابعي إلى هلم جرا يجب عليه اتباعه، ولا تجوز مخالفته، وأما المجتهد الصحابي فليس حجة عليه قول غيره من الصحابة.
(والاستحسان) يعني أن الاستحسان من أدلة مالك التي يحتج بها في الشرعيات. واختلف في تفسيره، فقيل: (هو اقتفاء ما له رجحان) أي هو اتباع الدليل الراجح على معارضه من الأدلة الشرعية، وهو على هذا التفسير لا مخالف في وجوب العمل به للإجماع على وجوب العمل بالراجح من الدليلين المتعارضين.
وقيـل بل هـو دليـل ينقـذف @ في نفس من بالاجتهـاد يتصـف
(وقيل) أي وقال بعض المالكية (بل هو دليل ينقذف) أي يقذفه الله (في نفس من بالاجتهاد يتصف) أي في ذهن العالم المتصف بالاجتهاد المطلق حتى ينقدح فيه وينشرح له.
ولكن التعبيـر عنـه يقصــر @ عنه فلا يعلـم كيـف يخبــر
(ولكن التعبير منه) أي من المجتهد (يقصر عنه) أي يقصر عن الدليل الذي قذف الله في قلبه (فلا يعلم كيف يخبر) أي فلا يعلم كيف الإخبار أي التعبير عن الدليل المقذوف في ذهنه والشرح له في قلبه، وهو على هذا التفسير مردود على الصحيح كما قال في "الغيث الهامع" قال ابن الحاجب: لأنه إن لم يتحقق كونه دليلاً فمردود اتفاقا، وإن تحقق ذلك فمعتبر اتفاقا، ورده البيضاوي بأنه لابد من ظهوره ليتميز صحيحه من فاسده، لأن ما ينقدح في نفس المجتهد قد يكون وهماً لا عبرة به؛ وقال ابن الحاجب: تصوره عندي كالممتنع، لأن من أوصاف المجتهد البلاغة، والبليغ هو الذي يبلغ بعبارته كنه مراده، فكيف ينقدح في ذهنه دليل ويعجز عن التعبير عنه.
وممن أنكره الشافعي وقال: من استحسن فقد شرع؛ وعمل به مالك، رواه عنه البصريون من أصحابه، وأنكره العراقيون منهم؛ وقال به أيضا أبو حنيفة وبعض الحنابلة.
وقال الأبياري: إن الاستحسان هو الأخذ بالمصلحة الجزئية الكائنة في مقابلة دليل كلي، كما إذا اختار بعض ورثة المشتري بالخيار الرد، واختار بعضهم الإمضاء، فالقياس الكلي رد الجميع لأنهم ورثوا عنه الخيار وفي تبعيضه دخول الضرر على البائع، والمصلحة الجزئية أخذ المجيز الجميع؛ وإنما استحسن الأخذ بها وتقديمها على القياس الكلي لأن فيه ارتكابا لأخف الضررين، لأن المجيز تعارض له ضرران أحدهما رد الجميع فيفوته غرضه من المبيع بالكلية، والثاني أخذه بجميع المبيع وليس غرضه إلا في بعضه، وهذا أخف، لأن ضرر أخذ الإنسان لما لا غرض فيه أخف من ضرر فوات غرضه بالكلية. ومعنى كون رد الجميع هو القياس الكلي أن البائع باع متاعه جملة، فالقياس إذا رد إليه بعضه أن يرد إليه جميعه، لأن في رد البعض إليه ضرراً به.
وقال أشهب: إن الاستحسان هو تخصيص الدليل العام بالعادة لمصلحة الناس في ذلك، كاستحسان دخول الحمام من غير تعيين بزمن المكث وقدر الماء، مع أن الدليل الشرعي العام يمنع ذلك، لأنه داخل في القدر المنهي عنه في الحديث للجهل بالثمن وهو الماء ومقدار المكث. وكذا شراء الشرب من القربة من غير تعيين قدره لأنه قدر يسير معفو عنه استحساناً؛ وإنما استحسن جواز هذين الأمرين لأن المكايسة فيهما بتعين قدر الماء المغتسل به وقدر المكث في الحمام في الأولى، وقدر الماء المشروب في الثانية قبيحة عادة. وهو على هذا التفسير مختلف فيه، والصحيح رده لأن تلك العادة إن كانت في زمن النبي r وأقرها فهو ثابت بالسنة، وإن كانت في زمن المجتهدين ولم ينكروها فهو إجماع سكوتي، وإلا فهي مردودة إجماعا.
وسـد أبواب ذرائـع الفســاد @ فمالـك لـه على ذه اعتمــاد
يعني أن سد أبواب الوسائل إلى الفساد من أدلة مالك التي يحتج بها في الشرعيات ويعتمد عليها، فمتى كان الفعل السالم من المفسدة وسيلة إلى مفسدة منعنا منه، وهذا خاص بمذهب مالك.
وقد أجمعت الأمة على أن وسائل الفساد على ثلاثة أقسام: قسم متفق على منعه، وقسم متفق على جوازه، وقسم مختلف فيه. فالمتفق على منعه كسب الصنم عند عابديه الذين يسبون الله عند سبه، وكحفر الآبار في طرق المسلمين، وإلقاء السم في أطعمتهم، لأن في هذين وسيلة إلى إهلاك المسلمين، فهذه الوسائل الثلاثة محرمة إجماعاً. والقسم المتفق على جوازه كغرس شجر العنب مع أنه وسيلة إلى عصر الخمر منها، وكالشركة في سكنى الدور مع أنها وسيلة إلى الزنا، فإن هاتين الوسيلتين جائزتان إجماعاً. والقسم المختلف فيه لم يمنعه إلا مالك كبيوع الآجال فإنها وسيلة إلى الربا، ولم يمنعها إلا مالك، وكدعوى الأمة فإن مالكاً منع توجيه اليمين فيها على المدعى عليه بمجردها، وأما دعوى المال فيتوجه اليمين على المدعى عليه بمجردها؛ قال في التنقيح: واعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها ويندب ويكره ويباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة فكذلك وسيلة الواجب واجبة كالسعي إلى الجمعة والحج.
وموارد الأحكام على قسمين: مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في نفسها، ووسائل وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحليل وتحريم غير أنها أخفض رتبة من المقاصد في حكمها، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد هي أقبح الوسائل، وإلى ما يتوسط متوسطة، ويدل على اعتبار الوسائل قوله تعالى ]ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا مخمصة[ إلى قوله ]إلا كتب لهم به عمل صالح[ فأثابهم الله على الظمأ والنصب وإن لم يكونا من فعلهم لأنهما حصلا بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة إلى إعزاز الدين وصون المسلمين باستعداد وسيلة الوسيلة.
قاعدة: كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة لأنها تبع له، وقد خولفت هذه القاعدة في إمرار الموسى على رأس من لا شعر له في الحج، مع أنه وسيلة إلى إزالة الشعر فيحتاج إلى ما يدل على أنه مقصود في نفسه وإلا فهو مشكل.
تنبيه: قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة كالتوسل إلى فداء الأسارى بدفع المال للعدو الذين حرم عليهم الانتفاع به لكونهم مخاطبين بفروع الشريعة عندنا، وكدفع مال لرجل ليأكله حراماً حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن ذلك إلا به، وكدفع المال للمحارب حتى لا يقتتل هو وصاحب المال، واشترط مالك فيه اليسارة.
قلت: فقد تبين من كلام القرافي هذا أن المداراة وسيلة إلى حرام، وهو أكل اللصوص للمال المحرم عليهم لأنهم يخاطبون بفروع إجماعاً، لأنهم مؤمنون فليسوا كالكفار الحربيين في مسألة القرافي؛ وإذا كانت المداراة وسيلة إلى محرم كام الدليل الكلي يقتضي تحريمها لأن وسيلة المحرم محرمة إلا إذا أفضت إلى مصلحة أرجح من المحرم المتوسل إليه بها كما في فداء الأسارى من أيدي الكفار بالمال، فإنه يفضي إلى مصلحة هي تخليص أنفس المسلمين، وتلك المصلحة هي أرجح من المحرم المتوسل إليه بها الذي هو أكل الكفار للمال حراماً. وأما المداراة بالمصلحة المفضية إليها وهي تخليص المال من اللصوص ليست بأرجح من المحرم المتوسل إليه بها الذي هو أكل اللصوص للمال حراماً، لأن تخليص المال بالمال في المداراة لا يساوي تخليص نفوس الأسارى بالمال في مسألة القرافي، ولو فرضنا أن المصلحة في المداراة أرجح من المحرم الناشئ عنها لكانت غايتها الجواز لأن الأصل في وسيلة المحرم التحريم، وإذا انتفى غيره بقي الجواز فقط، إذ لا يمكن أن تكون وسيلة المحرم واجبة، وإذا لم تكن المداراة واجبة لم تكن لازمة لمن وديت عنه بغير إذنه فأحرى إن وديت عليه بغير رضاه، ولا يجبر عليها من أباها لأن الجائز للإنسان فعله وتركه لا يلزمه أداؤه لمن وداه عنه بغير إذنه إجماعاً، لأنه ودى عنه للصوص حقاً غير واجب عليه وأوصل إليه نفعاً لا يلزمه إيصاله إلى نفسه.
وحجـة لديـه الاستصحــاب @ ورأيــه في ذاك لا يعـــاب
يعني الاستصحاب حجة شرعية لدى مالك، فهو من أدلة مذهبه، (ورأيه في ذلك) أي في جعله حجة شرعية (لا يعاب) أي لا يرد ولا ينتقد عند أهل النظر الصحيح في العلم الشرعي. وهو على قسمين: استصحاب العدم الأصلي واستصحاب ثبوت ما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه حتى يثبت نفيه.
فالأول هو المسمى بالبراءة الأصلية، وهو انتفاء الأحكام الشرعية في حقنا حتى يدل دليل على ثبوتها، ولا يكون حجة شرعية إلا بعد البحث عن دليل من كتاب أو سنة يدل على خلاف العدم الأصلي، فإن لم يوجد حُكِم ببراءة الذمة من التكليف وهذه إباحة عقلية، والأصل فيه قوله تعالى ]وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا[.
وخالف في الدليل الأبهري وأبو الفرج منا وطائفة من الفقهاء، فقال الأبهري الأصل في الأشياء قبل ورود الشرع المنع واحتج بقوله تعالى ]وما أتاكم الرسول فخذوه[ فمفهوم الآية أن ما لم يأت به الرسول r بأن لم يوجد عليه دليل من كتاب أو سنة أنه لا يجوز الأخذ به، وقوله تعالى ]يسألونك ماذا أحل لهم[ فمفهوم الآية أن المتقدم قبل الحل المنع، وقوله تعالى ]أحلت لكم بهيمة الأنعام[ فمفهوم الآية أن الأنعام كانت قبل ورود الآية محرمة عليهم.
وقال أبو الفرج الأصل في الأشياء قبل ورود الشرع الإباحة الشرعية لا العقلية، وحجته قوله تعالى ]هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا[، وقوله تعالى ]وأعطى كل شيء خلقه[، فمعنى الآيتين أن الأشياء خلقت مباحة لبني آدم، والتحريم في بعضها طارٍ على الإباحة.
وتظهر فائدة هذا الخلاف عند عدم الأدلة الشرعية أو تعارضها في شيء خاص، قاله القرافي ونحوه للمازري؛ فعلى قول الأبهري يكون الحكم في الشيء الذي تعارضت فيه الأدلة أو عدمت هو المنع، وعلى قول أبي الفرج يكون فيه الإباحة. قال في "الضياء اللامع" قال المازري كأكل التراب.
وفصل بعض الفقهاء في الشيء الذي تعارضت فيه الأدلة أو عدمت فقال إن كان ذلك الشيء مضراًّ فهو منهي عنه كراهة أو تحريماً على قدر مرتبته في المضرة كأكل التراب وشرب تبغة وشمها، لقوله r "لاضرر ولا ضرار" أي في ديننا، وإن كان نافعاً كأكل فاكهة بمجرد التشهي والتفكه فهو مأذون فيه إباحة أو ندباً أو وجوباً على مرتبته في النفع لقوله تعالة ]هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً[ ولا يمن إلا بجائز فيه نفع.
والنوع الثاني من الاستصحاب هو معنى قول الفقهاء: الأصل بقاء ما كان على ما كان، ومعناه أن الشيء الذي دل الشرع على ثبوته لوجود سببه يجب الحكم باستصحابه حتى يدل دليل على نفيه، كثبوت الملك لوجود سببه الذي هو الشراء، فيحكم به حتى يثبت زواله، وكثبوت شغل الذمة لوجود سببه الذي هو الالتزام أو الاتلاف فيحكم به حتى يثبت براءتها بالبينة أو الإقرار. وهذا الأصل حجة شرعية عند الأكثر من العلماء وخالف فيه أبوحنيفة، وحجته أن الاستصحاب يعم كل شيء، وإذا كثر عموم الشيء كثرت مخصصاته، وما كثرت مخصصاته ضعفت دلالته، فلا يكون حجة شرعية، وأجيب بأن الظن ضعيف يجب اتباعه حتى يوجد معارضه الراجح.
وخبر الواحد حجـة لديـــه @ بعض فروع الفقـه تنبني عليــه
يعني أن الخبر أي الحديث والفعل والتقرير الذي رواه واحد عدل فطن مأمون ثقة أو من في حكمه عن رسول الله r حجة شرعية عند مالك بنى عليه بعض فروع الفقه في مذهبه، ومفاده الظن، وهو الخبر العاري عن قيود المتواتر بأن كان خبر واحد عدل أو خبر جمع لا يمتنع تواطؤهم على الكذب عادة كالاثنين والثلاثة والأربعة، وهو على قسمين: مستفيض وغير مستفيض، فالأول ما زاد على ثلاثة وقيل على اثنين وقيل على واحد، والثاني ما دون ذلك وهو ما رواه واحد أو اثنان أو ثلاثة، وقيل إن المستفيض واسطة بين الخبر المروي بعدد التواتر وخبر الواحد؛ فالمتواتر هو خبر الجمع الذي يمتنع تواطؤهم على الكذب عادة عن محسوس وهو يفيد العلم الضروري، والمستفيض ما رواه جمع لا يمتنع تواطؤهم على الكذب عادة وهو يفيد العلم النظري. والآحادي خبر الواحد العدل وهو يفيد الظن. وقال ابن خويز منداد أنه يفيد العلم إذا كان راويه عدلاً، واختار ابن الحاجب قوله، وقيده بما إذا احتفت به قرينة منفصلة زائدة على العدالة مثل ما أخرجه الشيخان أو أحدهما لما احتف به من القرائن منها: جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وقال ابن حجر وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق.
وانعقد الإجماع من لدن محمد r إلى الآن على وجوب العمل بخبر الواحد في الشهادة والفتوى وحكم الحاكم

    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين أبريل 23, 2018 3:25 pm