حواس للمحاماه

نشكركم على اختياركم لمنتدانا و نتمنى ان تقضى وقت ممتعا و يشرفنا ان تكون احد افراد اسرتنا
حواس للمحاماه

قانوني . اسلامي - برامج . صيغ - دعاوى - معلومات

انت الزائر رقم

.: عدد زوار المنتدى :.

مرحبا بالزائرين

المواضيع الأخيرة

مرحبا بك


counter globe

الاكثر زياره


الدوريات العلمية إشكالية نشر الثقافة العلمية في الوطن العربي

شاطر
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

الدوريات العلمية إشكالية نشر الثقافة العلمية في الوطن العربي

مُساهمة من طرف Admin في الخميس أغسطس 25, 2011 3:07 pm

الدوريات العلمية إشكالية
نشر الثقافة العلمية في الوطن العربي



أ. ليلى
غانم






تسعى هذه الدراسة
إلى معالجة موضوعها في ثلاثة محاور متكاملة في المنهج
.


فالدوريات
العلمية الصادرة في الوطن العربي تعاني محدودية الإقبال
والانتشار وهي بمجملها أسيرة
ما يصطلح على تسميته «غياب الثقافة العلمية
» وهو المحور الأهم الذي تتناوله الدراسة من خلال رؤية نقدية
لمعتقدات خبراء
نشر الثقافة العلمية في الوطن العربي آملة إثارة حوار هادئ في
فلسفة
منقولة من حقول المجتمعات الصناعية إلى مجتمعات ريفية - ريعية.
وقد أفضت
هذه الفلسفة إلى شلل الطاقات في المجتمعات العربية، وإلى نشأة
«ثقافة
علمية» غيبية تعيد إنتاج نفسها بالإحباط والتحسر على الواقع
العربي. يحدو
بنا هذا الأمر إلى البحث في المحور الثالث عن حلول وبدائل
فكرية وعملية
لإعادة البناء، وهي عملية تتحدد فيها المسئوليات وتشترك بها
قطاعات واسعة
وفئات اجتماعية تلبّي لها الثقافة العلمية احتياجات مهنية
ومعيشية، ويضمن
لها تطوير التقنيات استقرارها ومستقبلها.


توطئة في صعوبات البحث


يفتح هذا الموضوع
أكثر من ملف على مصراعيه، ملفات التعليم والإعلام
والتاريخ والتوثيق والبحث العلمي،
ملفات تخص الماضي، والحاضر والمستقبل
. وللحق بدت لنا مهمة دراسة تاريخ الدوريات العلمية العربية
شائكة منذ
البداية، فالموضوع لم يستحق حتى الآن دراسة متفردة، كما أن
مادته مبعثرة
لم تحصر من قبل. وتكتشف حين تنتقل بين مكتبات القاهرة وبيروت
أن المهمة
شبه مستحيلة! فكيف يمكن لدراسة عارضة أن تجمع شتات موضوع يطمح
لتغطية فترة
تاريخية تزيد على قرن ومنطقة جغرافية مترامية، دون الاستناد
إلى التوثيق،
وهو المدماك الذي لا نستطيع أن نسد صدوعه بالرؤية الشخصية أو
المعارف
المتعاونة، فنحن أمام تواريخ تشير إلى وقائع محددة هي صدور تلك
الدورية
بذاك الاسم أو نفي صدورها، وأمام أرقام تتناقض بين مرجع وآخر؟


ونتساءل: لماذا
لم يسبق أن لقي هذا الموضوع عناية من جهة عربية،مثل منظمة
التربية للثقافة والعلوم
التابعة للجامعة العربية، أو مراكز التوثيق مثل
مركز التوثيق والإعلام الذي
كان مقره بغداد، وكان يختص بالتوثيق في منطقة
العراق والخليج، أو كليات
الإعلام أو العلوم، وهي كلها مصادر ليست متاحة
في مكان واحد، وحتى مواقعها
على شبكة المعلومات الدولية ليست كاملة
الفعالية أو غير متاحة على
الإطلاق في بعض أجزائها
.


من هنا وهناك تجد
دليلاً تم العمل فيه بجد ثم توقف مثل مركز التوثيق
والإعلام العراقي، وتجد آخر
لا يتيح لك معلوماته، وتجد ثالثًا - مثل
الشبكة القومية للمعلومات في
مصر - تزعم أنها لا تدرج في دليلها إلا
الدوريات العلمية التي طابقت
معايير الترقيم الدولي دون غيرها مما صدر
وتوزع،بينما يحوي دليلها
كمًا مختلطًا من الدوريات التي سجلت عشوائيًا
ودون معيار موحد، كما تبين
الجداول المرفقة بالبحث
.


أما الدراسات
الأكاديمية النادرة التي وقعنا عليها - رسائل الماجستير
والدكتوراه - فإنها تجمع في
تعدادها بين دوريات العلوم البحتة والتطبيقية
والدوريات التي تبدو قابلة
للتداول بين الجمهور غير المتخصص، وهي لا تورد،
على كل، إحصاءات بالدوريات
الصادرة
.


اختلاف المعايير
والجهات كان عائقًا أمام رسم صورة كاملة وواضحة للدوريات
العلمية العربية، كما
لدوريات الثقافة العلمية الموجهة لجمهور غير متخصص
. جهات الإحصاء تختلف أيضًا في وجهات نظرها، فشبكة المعلومات
القومية
التابعة لأكاديمية البحث العلمي تورد على قوائمها المجلات
والمطبوعات
العربية والإنجليزية التي استطاعت الحصول على الترقيم الدولي
عبر الشبكة
المصرية، ولا تورد غيرها من الدوريات أو المطبوعات حتى لو كانت
حاصلة على
هذا الترقيم من جهة خارج مصر. هذا عدا أنها لا تفرق في
إحصائياتها بين
دوريات العلوم البحتة والتطبيقية ودوريات الثقافة العامة.


بعض هذه الدوريات
معروفة في بلد دون سواه، وبعضها غير معروف في بلده نفسه
حتى للمتخصصين في الثقافة
العلمية من الأساتذة. ففي شهادة لأحدهم (وهو من
سكان القاهرة) اعترف أنه لم
يسمع بمجلة «المستقبل» الصادرة عن المركز
القومي للبحوث في مصر، ولا
مجلة «العلم» الصادرة عن أكاديمية البحث
العلمي، فكيف بالقارئ العادي
الذي يشتري المجلة من باعة الصحف الذين
يعرضونها على أرصفة شوارع
المدن؟



كان من المتوقع
في ظل التطوير التقني الذي تعيشه مصر منذ عقد على الأقل أن
تكون المادة الإحصائية لهذا
البحث متوافرة عبر عدد من الجهات التي يناط
بها الاهتمام بالثقافة
العلمية مثل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا
التي تضم في هيكلها التنظيمي
لجانًا متخصصة في الثقافة العلمية وتصدر مجلة
العلم، أو مثل المجلس الأعلى
للثقافة، ولديه أيضًا لجنة متخصصة في الثقافة
العلمية ناشطة في عقد
الندوات والمؤتمرات والنشر مثل كتاب «الثقافة
العلمية». ووجود اللجنة
الوطنية لليونسكو التي تصدر المجلة العربية للعلوم
والمعلومات. ومع ذلك فإن هذه
الجهات لم تول اهتمامًا بالدوريات العلمية
ولا بتاريخها، ولم يمكن
بالمحصلة إحصاء عدد دوريات الثقافة العلمية
الصادرة في مصر بصورة دقيقة.


هذا التدهور في
مستوى أعمال التوثيق يعكس بكل تأكيد واقع الثقافة العلمية
ويعكس تدني مستوى الأداء على
كل المستويات، وهدر الطاقات. يوجد في مصر حسب
تقدير لأحد الأساتذة
العاملين في نشر الثقافة العلمية، 100 ألف باحث،
يعملون بالجامعات الحكومية
أو الخاصة، أو بمراكز البحوث كبيرة العدد. فكيف
نفسر التناقض المفزع بين
العدد الكبير لهؤلاء الباحثين والتدهور الكبير في
مستوى انتشار الثقافة
العلمية، أو التفكير العلمي؟



لابد أن نسجل أن
هناك إحساسًا واضحًا من بعض هذه الجهات بتدهور مستوى
الثقافة العلمية، وأن جهودًا
تبذل لتدارك هذا الوضع، وربما تكون
الاستراتيجية العربية لنشر
الثقافة العلمية على رأس الجهود النظرية
الواضحة في هذا المجال، وهي
نتاج جهد عربي لعدد كبير من الأساتذة
والمختصين في العلوم، وتمت
برعاية المنظمة العربية للتربية والثقافة
والعلوم.


إن الأهداف التي
وضعتها الاستراتيجية تكاد تشمل كل جوانب الأزمة، إلا أن
كثيرًا منها يجافي جوهر الأوضاع
العربية، وتعمل كل منهما جاهدة ضد الأخرى،
فكيف نجمع مثلاً في معادلة
واحدة بين تنمية قدرات المواطن العربي على
الإدراك العلمي السليم
وتنمية قدراته وممارساته للنقد البنّاء وبين
القوانين المقيدة للحريات.
ومن غريب الأهداف في الاستراتيجية أن يأتي
الأمن العلمي في نهاية هذه
الأهداف، والذي يتمثل في قدرة المجتمع على
اكتساب وإنتاج المعرفة
العلمية والتقانات الحديثة وتنمية الإمكانات
للتطوير، وتأسيس آليات قادرة
على توظيف المعارف بحيوية، والأهم في ظل
التشبث بعبثية الخيارات
السياسية والتنموية، التي كان أثرها مدمرًا على
مجتمعاتنا، وهذا ما سنعالجه
في الجزء الثاني من الدراسة
.


الدوريات العلمية


الدورية هي بحسب
قواعد الفهرسة الأنجلو - أمريكية، مطبوعة تصدر بوسيط ما،
في أجزاء متتابعة وتحمل
مؤشرات رقمية أو زمنية يُقصد بها الاستمرار. ويشمل
هذا التعريف النشرات والصحف
والمجلات والحوليات وسلاسل الكتب الدورية،
وكذلك التقارير ومحاضر
الاجتماعات المنتظمة والنشرات الرسمية وأعمال
الجمعيات.. إلخ، إنما لا
يتفق الأوربيون مع هذه القواعد ويستثنون منها
الصحف اليومية والحوليات
ومحاضر الاجتماعات والتقارير وهي استثناءات تتفق
مع ما هو متعارف عليه في
الوطن العربي
.


نشأت الدوريات
العربية في غمرة انتشار الصحافة في القرن التاسع عشر. فمنذ
إنشاء صحيفة «التنبيه عام
1800 إثر احتلال نابليون لمصر، توالت ولادة
الصحافة في القاهرة وبيروت
واسطنبول.. وأخذت تشكّل ظاهرة في نقل المعرفة
وإثارة الاهتمام في الشأن
العام. في عام 1828 أنشأ محمد علي باشا «الوقائع
المصرية» التي حرر فيها
رفاعة الطهطاوي وأثار تساؤلاته المعروفة عن نقل
العلم و«الثقافة العلمية».
في العقدين التاليين ولدت صحافة بإشكالات قامت
بدور مؤثر في بلورة أفكار
«النهضة العربية» وانشغلت مليًا بإشكالات
«التحديث» ونقل العلم: إثر ذلك وفي عام 1936 نشأت أقدم دورية
علمية
- أدبية في الوطن
العربي هي مجلة «المقتطف» قام بتأسيسها يعقوب صروف وفارس
نمر في بيروت ثم نقلاها إلى
القاهرة عام 1884 بحثًا عن حرية الصحافة التي
تعرضت في بيروت لضغط السلطة
العثمانية
.


في هذا المناخ
العام ولدت دوريات علمية متخصصة أطلق بوادرها «المجمع
العلمي المصري»، الذي أنشأه
نابليون بونابرت في القاهرة «للكشف عن الخصائص
التاريخية والطبيعية
والعلمية في المجتمع». في عام 1878 أسّس الدكتور جورج
بوست أول دورية طبية هي مجلة
«الطبيب» وفي الفترة نفسها أسس مسيو غوتييه
مجلة «الحرير المصري»، للبحث
في تربية دودة الحرير ومعالجة المسائل
المتعلقة بإنتاج هذه
الصناعة، وقبل نهاية القرن أحصت مجلة «الهلال» سنة
صدورها عام 1884، 14 جريدة
ومجلة في بيروت و 16 مطبوعة توقفت عن الصدور
قبل ذلك العام، كما أحصت
وجود 147 مطبوعة عربية في أنحاء العالم منها
دوريات متخصصة بالطباعة
والزراعة (راجع الملحق
).


غير أن بعض
الباحثين يعتقدون أنه لا يمكن تطبيق تعريف الدوريات المتخصصة
على هذه المطبوعات حيث إن
الكثير منها كان أقرب إلى الدوريات الثقافية أو
العامة، مثل المقتطف أو
الهلال، فيما يؤكد آخرون أنه ينبغي وضعها في سياق
عصرها، إذ إن «مقتضيات
المنهج العلمي تستدعي الحكم على دوريات هذه الفترة
بمعايير زمنها»، كما يذكر
د.عبدالرحمن محفوظ في أطروحته عن الدوريات
المتخصصة، «فإذا نظرنا إليها
بمنظور عصرها، لاكتشفنا أنها دوريات متخصصة،
وإن كانت لا تهدف إلى تطوير
النشاط العلمي وإنما إلى تبسيطه وتلخيصه
». ويضيف: «لم يكن هناك فرق ملحوظ في تلك الآونة بين
الدورية المتخصصة
والدورية العامة، فكثير من الدوريات التي تبدو لنا عامة كانت
منظمة
البنيان ومقسمة الأبواب، مثلها مثل نظائرها المتخصصة، كما كانت
تحرص على
استكتاب المتخصصين في المجالات التخصصية المختلفة، لذا يمكن
تصنيف جزء
كبير من دوريات هذه الفترة تحت تسمية: «متخصصة ذات توجه عام».


ومن جانبه، يفيد
د. محمود صابر رئيس «لجنة الموسوعات والكتب العلمية
المبسطة بأكاديمية البحث العلمي
والتكنولوجيا، في تقييمه للدوريات
العلمية: «لا توجد فكرة
كاملة عن مدى خضوع الدوريات العربية المتخصصة
الصادرة في تلك الفترة لنظام
التحكيم، فلا توجد دورية واحدة صرحت بأنها
محكمة أو أفادت بشيء عن
سياسة التحكيم أو معايير مستوى ما تقبله من نشر،
أو نشرت قائمة بأسماء محكمين
تستعين بهم في تقييم المقالات
».


هذا ما ينقلنا
إلى جدال آخر طرحه رجال العلم، متعلق بالقيمة العلمية
للدوريات العلمية وهو موضوع
آني، إذ لم تعتمد الدوريات لأسباب لها علاقة
بالمنهج وبالميزانيات وبنقص
المبادرة والوعي من جانب رجال العلم لدينا،
هيئات مراقبة كافية للمادة
مثل وجود مجلس علمي أو هيئة استشارية علمية
تسهم بانتقاء المادة والتحقق
من جودتها قبل نشرها». يقول د. محفوظ في
أطروحته: «نادرًا ما تكون
هناك لجان لفحص المقالات العلمية المنشورة
بالمجلات المتوجهة إلى
القارئ العام، والسبب أن الثقافة العلمية لم تتحول
إلى موضوع يستوجب التحكيم
عند النشر
».


ولعل هناك سببًا
آخر في انعدام التعامل الجدي مع المادة العلمية المنشورة،
لا يفصح عنه بسهولة، هو وجود
حالة من التشكيك بفعالية الثقافة العلمية
وبالمردود الذي يمكن أن
تقدمه، حين يتم إسقاطه على بنية غير مؤهلة، لذلك
يقول د.يوسف مرسي مستشار
رئيس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، «إن
الأكاديمية التي تأسست عام
1971 ولم تبدأ بالنشر إلا عام 1991، استغرقت
طيلة عقدين من الزمن في
التساؤل عن «حقيقة وجود ما يسمى بالثقافة
العلمية»، بعدها بدأت
التفكير بوسائل نشر هذه «الثقافة العلمية»، فأصدرت
مجلة «العلم» ومجلة
«المستقبل
».


العلم ودوريات القرن العشرين في محيط شائك


في بداية القرن
العشرين توسعت ظاهرة الصحافة والدوريات وانتقلت إلى بلاد
المهجر بانتقال بعض الأدباء
والمفكرين إلى الولايات المتحدة، وبعض الدول
الأوربية. في عام 1920 أسس
نسيب عامر مجلة «الحرية» في الولايات المتحدة،
وتلاه رشيد تقي الدين وعباس
أبو شقرا بتأسيس مجلة «البرهان»، وكذلك فريد
غصن بتأسيس «الفجر» وغيرهم
كثيرون في الوطن العربي وبلدان المهجر. وقد
اعتُبرت هذه الدوريات مجلات
علمية قياسًا على الدوريات الأدبية والدوريات
الدينية الوعظية إذ كتب فيها
متخصصون «عالمون» وتلاقت مع أفكار النهضة
والتحديث، وهي أفكار وضعت
العلم والحداثة مقابل الجهالة والتخلف، ومازالت
هذه الأفكار تأخذ الألباب
إلى يومنا هذا، كما سنرى في محور «الثقافة
العلمية».


في الربع الثاني
من القرن العشرين بلغ عدد الدوريات العلمية المتخصصة في
الوطن العربي 184 دورية
متفاوتة الاستمرار والانقطاع أحصاها «الدليل
الشامل للدوريات الجارية
الصادرة في الوطن العربي. وقد كانت في غالبيتها
دوريات مترجمة بسيطة أو
مدونات لمحاضرات وتقارير أو أنشطة جمعيات علمية
ومؤسسات حكومية وقد توزعت
هذه الدوريات كما يلي
:


- الزراعة 71 دورية.
- الطب 71 دورية.
- العلوم الطبيعية
17 دورية
.
- الهندسة
والصناعات 11 دورية
.
- العلوم والتقنية
14 دورية
.


لبّت هذه الدوريات
احتياجات فئات قليلة العدد، وأغراضا محدودة مرتبطة
بالجاليات الأجنبية. ولم
تبدأ الدوريات المتخصصة الدخول إلى نسيج
المجتمعات العربية قبل الربع
الثالث من القرن العشرين، حين نالت الدول
العربية استقلالها السياسي،
وبدأت تبني جامعاتها ومؤسساتها. حينذاك أخذت
الدوريات العلمية المتخصصة
تلبي احتياجات بعض الفئات من النسيج الاجتماعي
العربي، وقد دعم هذا الاتجاه
تبني بعض الدول العربية تعريب البرامج
والمناهج التعليمية، فنشأت
دوريات متخصصة بالعلوم الطبيعية والفيزياء
والهندسة وغيرها، أعدّها
أساتذة الجامعات لتلامذتهم. وقد أعدّ «المجلس
العربي للدراسات العليا
والبحث العلمي» دليلاً بالدوريات الأكاديمية
الصادرة عن الجامعات في
الوطن العربي، إنما لم يستطع هذا الدليل، الصادر
عام 1996، وأعيد تحديثه عام
1999، أن يقدّم إحصاء دقيقًا للدوريات
الأكاديمية والعلمية وظلت
معلوماته ناقصة يعوزها التنسيق
.


والحال أن
إحصاءات المراكز الأخرى ليست أفضل حالا، «فالشبكة القومية
للمعلومات» تولّت إحصاء
الدوريات العلمية الصادرة في الوطن العربي التي
طابقت «معايير الترقيم
الدولي»، إنما لم تقم بتنسيق هذه الدوريات. كما أن
«مركز التوثيق والإعلام» الذي تولى توثيق الدوريات العلمية في
العراق ودول
الخليج العربي، لم يقم بعمله وفقًا للقواعد المتبعة في هذا
المجال، فلم
يقم بتنسيق الدوريات وفق اختصاصاتها، أو بفصل الدوريات العلمية
عن
الدوريات الأخرى.
وفي هذا الخصوص يستخلص د. فراج: «يتسم الضبط الوراقي
لأوعية المعلومات العربية في
أشكالها المختلفة بالقصور الشديد، ويمكن
القول بصفة عامة إن
المجتمعات العربية مجتمعات منغلقة وراقيًا
».


على الرغم من هذه
الفوضى الوراقية أحصت داليا عبدالستار الحلوجي، 133
دورية علمية عربية على
«الشبكة القومية للمعلومات». وهي دوريات تجمع بين
مطبوعات البنوك والكليات
والاتحادات، وبين تخصصات العلوم الإنسانية
والعلوم التطبيقية. كما أحصت
535 دورية علمية باللغات الأجنبية في الوطن
العربي يغلب عليها التخصص
العلمي دون أن يمنع اختلاطها بدوريات وكتب
الاتحادات الصناعية
والجمعيات. كما سجلت 221 جهة وهيئة لإصدار الدوريات
تتوزع بين الجمعيات العلمية
والمؤسسات الصحفية والشركات والسفارات
والهيئات الدولية والحكومية.
غير أن سجل «الجهاز المركزي للتعبئة العامة
والإحصاء» في القاهرة يقتصر
على تصنيف 49 دورية عربية في باب «علوم بحتة
وتطبيقية» منها 12 دورية عربية
في العلوم التطبيقية فضلاً عن 37 دورية
بلغات أجنبية، منها 34 في
مجال العلوم التطبيقية
.


أما دوافع نشأة
هذه الدوريات فعديدة، أبرزها إدراك أهمية الدوريات في نظام
الاتصال العلمي، من جانب
رجال علم وصحافة تأثروا وأعجبوا بثورة
التكنولوجيا في الغرب فشاءوا
نقل هذه المعارف، أو أيضًا لما تمثله الدورية
من وعاء وقناة اتصال تصلح
لتدوين محاضرات أعضاء الهيئات الأكاديمية، أو
أطروحات المشتغلين في
الجامعات من أساتذة وطلاب، أو لتغطية أنشطة جمعية
علمية، أو تسجيل تقارير
بإنجازات مؤسسة حكومية، أو لتقديم إرشادات أيضًا
. من بين الدوافع أيضًا الحاجة إلى دوريات تبسيط العلوم وهو هاجس
قديم وجديد
فأول مجلة من هذا النوع رأت النور عام 1895، مثل مجلة «طبيب
العائلة
» لصاحبها الفريد
عيد الذي يقول عن مجلته «إن التقدم لايزال محصورًا في خواص
الأمة المصرية. بخلاف باقي
الطبقات الأخرى فإنها بمعزل كلي عن الطبيب
والتطبيب. فلا أقل لهذه
الطوائف العديدة من الإلمام بنشرة هلالية أو
أسبوعية يعول عليها ويرجع
إليها في مداواة ما يعرض للأجسام». من الدوافع
أيضًا أن يكون للدورية
وظيفة، مثل الإرشاد الزراعي للفلاحين، أو توقع
زيادة ناتج اقتصادي من
النشاط العلمي للدورية، مثل مجلة الحرير المصري
التي استهدفت البحث في شئون
تربية الحرير ومعالجة المسائل المتعلقة بإنتاج
هذه الصناعة.


يبدو أن هيئات
الإحصاء العربية لم تستطع تسجيل وتأريخ الدوريات العلمية
التي صدرت في الوطن العربي،
في النصف الثاني من القرن العشرين لسببين
:


1 - أن هذه الهيئات
اعتمدت على التسجيل الإداري للدوريات، ولم تحصل عليها
بالاشتراك أو بالشراء من
السوق، فضلاً عن ذلك لم تجد ضرورة في تنسيق
الدوريات وتبويبها حسب قواعد
المحفوظات المكتبية
.


2 - أن الدوريات
العلمية في الوطن العربي فاقت حدود الحصر والإحصاء دليلا
على كثرة المبادرات، إنما لم
تحافظ على التسلسل والاستمرار لمدة طويلة وهي
بغالبيتها الساحقة تحتجب عن
الصدور في محيط شائك، ولا يبقى منها غير
الدوريات الصادرة عن
المؤسسات الصحفية الكبيرة، أو المؤسسات الدولية
والهيئات الحكومية وبعض دور
النشر
.


والحال أن
المهتمين «بالثقافة العلمية» يؤكدون أن العقدين الأخيرين من
القرن العشرين شهدا فورة من
إصدار الدوريات العلمية المتقطعة في أبواب
النفط والمصارف والطب
والعلوم التطبيقية والصحة، ثم لاحقًا في أبواب علوم
الكمبيوتر والتكنولوجيا
وعلوم البيئة، مثل «علم وعالم» اللبنانية،
و«العلم» المصرية، و«العلوم
والتكنولوجيا»، و«التقدم العلمي» الكويتيتين،
و«الفيصل العلمي» والخفجي
السعوديتين. كما تستمر مختلف أقسام كليات العلوم
بإصدار مجلاتها وهي محدودة
الانتشار وأشبه بنشرة داخلية، إلا أن وجودها
ضروري سواء كوسيلة اتصال بين
المختصين، وبينهم وبين طلابهم. ولكن هذه
الدوريات لا تحظى بميزانيات
كافية ولا بهيئات متفرغة تخولها تطوير
أدواتها، ولعب دورها في
تداول المعرفة وتبادل نتائج الأبحاث العلمية مع
الكليات الأخرى في الوطن
العربي، أو حتى في داخل البلد الواحد
.


في مجال البيئة،
شهد العام الحالي ظهور أكثر من 4 مجلات بيئية جديدة دفعة
واحدة، وهو اهتمام مستجد بعد
أن كان هذا المجال مقصورًا لفترة طويلة على
مجلة واحدة أو مجلتين.
فتعداد مجلات البيئة في المنطقة العربية منخفض بشكل
لافت، حيث لا يزيد على عشر
مجلات تقريبا متناثرة في أرجاء 22 دولة. وهذا
يعني أن هناك عددًا كبيرًا
من الدول العربية، لا تعرف صحافتها معنى
«البيئة»، ولا تخرج منها أي إصدارات بيئية، ومن تلك الدول على
سبيل
المثال، مصر. أكثر هذه المجلات شيوعًا، هي مجلتا «البيئة
والتنمية» في
لبنان و«الوضيحي» في السعودية، وهذا يعود لعدة أسباب أهمها
الدعم المالي،
الذي يسمح بالترويج المرئي، وسياسة ناجحة في التوزيع، وربط
الأواصر مع
المؤسسات التعليمية، ولكن أيضًا الإعلان الذي نأخذ على بعضه
تغاضيه عن
أغراض المجلات في خدمة أهداف البيئة، ونضيف إلى القائمة مجلة
بدائل
الفصلية في لبنان التي تتميز بمعالجة ملفات حيوية مثل المياه
والزراعة
والنفط وأثر سياسات العولمة في البيئة والاقتصاد، وتتحصن بهيئة
استشارية
واسعة عربية وغربية، بالتعاون مع «ذي إيكولوجيست» البريطانية.


ومن الملاحظ توجه
عدد من المجلات الثقافية العامة، وإن تكن قليلة جدًا،
إلى تخصيص باب منتظم وثابت
لتناول قضايا علمية، ومن أبرز تلك المجلات مجلة
«العربي» الكويتية، التي تهتم بالبيئة أيضًا حيث تواظب على
إصدار باب باسم
«الإنسان والبيئة»، ومجلة «القافلة» السعودية التي تصدر بابًا
باسم «علوم
وبيئة». أما الصحف العربية المهتمة بالشأن العلمي والبيئي، فهي
محدودة
للغاية، قياسًا لإجمالي مئات الصحف العربية الصادرة حاليًا، من
هنا يمكن
حصر أبرز الصحف العربية التي تفرد صفحات متخصصة وهي الأهرام
القاهرية،
والنهار اللبنانية، والحياة اللندنية، والجزيرة السعودية،
وتشرين والعروبة
السوريتان، والشرق القطرية، والقبس الكويتية والخليج
الإماراتية، والأيام
البحرينية، والدستور الأردنية.


ومازالت السنوات
القليلة الماضية تسجل إصدارات جديدة واحتجاب دوريات
سالفة. يرتبط مستوى هذه
الإصدارات بصفة عامة بالإمكانات المهنية والمادية
المتاحة، أكثر مما يرتبط
بالمعايير الحرفية المطلوبة، ولعل هذا ما يفسر
ضعف مستواها، ومحدودية
توزيعها، مع تعثر صدورها في أحيان كثيرة. ويكاد
يجمع أصحاب المبادرات غير
المدعومة على أن غياب «الثقافة العلمية» في
المجتمعات العربية يفضي إلى
احتجاب الدورية بعد فترة قصيرة من إصدارها،
وهم لا يعدمون وسيلة في جمع
الشواهد والأدلة على انتشار الأميّة والخرافات
والجهل وكذلك العوائق
الأساسية الأخرى كالدعم والتشجيع وهي تبدو أدلة
دامغة، إنما لا تمثل إلا نصف
الحقيقة التي يعيق عدم رؤية نصفها الآخر
البحث في حلول منطقية.
فالدورية العلمية تواجه معوقات كثيرة تحول دون
وصولها إلى المهتمين
بالاطلاع عليها من الذين تجاوزوا الأمية والخرافات
.
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

رد: الدوريات العلمية إشكالية نشر الثقافة العلمية في الوطن العربي

مُساهمة من طرف Admin في الخميس أغسطس 25, 2011 3:08 pm

معوقات إنتاج الدورية


إن العوائق التي
تواجه الدوريات العلمية في الوطن العربي هي في واقع الأمر
كثيرة ومتعددة، مركّبة
ومتداخلة بدءًا بالإشكالات الإدارية والرسمية
للتأسيس والترخيص إلى مشكلات
التوزيع وتخطي حدود الدول للوصول إلى القارئ
. هذه المعوقات يمكن تصنيفها على النحو التالي:


أ - معوقات إعداد
المادة: المعلومة والتحرير



1 - تعاني الدوريات
العلمية المتخصصة من الحصول على معلومات دقيقة في
الشأن العلمي، فكثير من
القرارات التي يتخذها حكامنا، أو الاتفاقيات التي
يوقعونها تتسم بانعدام
الشفافية، كما أن النشرات التي تصدرها بعض مراكز
الأبحاث القليلة في الوطن
العربي قد أرست تقاليد تعتبر الأرقام ونتائج
الأبحاث أشبه بالأسوار
الأمنية أو بالاكتشافات التي يتوجب حجبها وحمايتها
حفاظًا على الأمن الوطني.
أما الدوريات التي تصدر عن الكليات ومراكز
الأبحاث الملحقة بها والتي
تنتج معرفة علمية ومعرفة تقانية في قطاعات
الزراعة والصناعة
والجيولوجيا والنفط، فإنها تتوجه بطبيعتها لهيئات رسمية
أو لأهل الاختصاص ويتم
تداولها في حلقات ضيقة ومحدودة. هذا المنهج في
احتكار المعرفة وحصرها هو
منهج مناف لنشر الثقافة العلمية، وهو يفضي إلى
قطيعة تامة بين القطاعات
المنتجة للمعرفة العلمية في الوطن العربي، وبين
المجلات الموجّهة للقراء
الفئات والمهتمة بالاطلاع على الإنتاج المعرفي
.


2 - تلجأ كثير من
المجلات إلى اقتباس مادتها من المنشورات الأجنبية، وتقوم
بالترجمة والدبلجة لتبسيط
العلم وتهذيبه، وهي مهمة تشوبها مصاعب تقنية
ومعوقات في تحرير المادة
وإعدادها للقارئ العربي، ليس أقلها استعصاء لغتنا
العربية على مصطلحات لم تنبت
في أرضنا. من جانب آخر تبيّن المقارنة بين
المجلة العلمية الأجنبية
والمجلة العلمية العربية أن المجلة الأجنبية
سلسة، يتولى تحريرها صحافيون
متخصصون بالمادة العلمية، بينما يشوب المجلة
العربية نقص في الاختصاص
الصحفي وسلاسة التحرير، فضلاً عن معوقات التبويب
وعشوائية في متابعة المواضيع.


ب - معوقات
الإدارة والتسويق



إن المجلة
والدورية العلمية تتوجه بطبيعتها إلى فئات قليلة العدد في
المجتمعات قياسًا على
المجلات والدوريات. فالمجلة العلمية في بلد مثل
فرنسا تطبع حوالي 25 ألف عدد
مقابل حوالي 250 - 300 ألف بالنسبة للمجلات
الأخرى. بينما لا تتعدى
طباعة المجلة العلمية في الوطن العربي الـ 5 آلاف
عدد، وهو أمر ينعكس سلبًا
على مردودية المجلة واستقلالها واستمرارها. ولا
يمكن أن نعزو هذا الواقع إلى
انتشار الأمية والجهل إنما تفسّره عوائق
كثيرة:


1 - الحواجز الإدارية
بين البلدان العربية وهي حواجز باهظة الكلفة
والأعباء على إدارة المجلة
والدورية العلمية، فهي محكومة بالقفز فوق أسوار
22 دولة، لذا بات معظم هذه المجلات يكتفي بسوق بلد النشر
وهي بطبيعة الحال
سوق ضيقة ومحدودة. بيد أن الحل الأفضل لهذه المعضلة يقتضي أن
تتولى إحدى
هيئات جامعة الدول العربية منح تراخيص وتسهيلات للدوريات
العلمية بصفتها
هيئة مكلفة عربيًا بالعمل على نشر الثقافة العلمية في جميع
الدول العربية
.


2 - مشاكل التوزيع،
وهي تحول دون وصول المطبوعة إلى القارئ المهتم
. فالدوريات العلمية لا تستطيع منافسة المطبوعات الأخرى بكمية
الطبع وتغطية
نقاط التوزيع في البلد الواحد وفي الأسواق العربية الأخرى.
لذا، من
الطبيعي أن تحظى بأفضلية في سوق التوزيع على الأقل في نقاط
تجمُّع الطلاب
والكليات، وهو حل ممكن التنفيذ إذا تولّته أيضًا هيئة من هيئات
جامعة
الدول العربية.


3 - أعباء النقل
والشحن إلى الأسواق العربية وهي أعباء تزيد من كلفة إنتاج
الدورية والمطبوعة العلمية
وتحرم عددًا كبيرًا من الطلاب من الاطلاع على
الثقافة العلمية، سيما أن
القدرة الشرائية في الوطن العربي تقل عن المتوسط
المتعارف عليه في الدول
المتوسطة الثراء. ولا غرو أن هيئات جامعة الدول
العربية يمكن أن تحل هذه
المعضلة بالاتفاق مع وزارات البريد في الدول
العربية بإصدار طابع خاص
للمطبوعة العلمية، قابل للتداول في الوطن العربي
ويحسم من تكاليف الشحن
الخاصة بالمطبوعات العلمية
.


4 - عوائق الدعم
والتشجيع وهي عوائق حساسة ومصيرية طالما أشار إليها خبراء
الهيئات والمختصون بنشر
الثقافة العلمية، وطالما توقعوا من الحكومات تقديم
الأموال والهبات دون جدوى.
فلننظر إلى التجربة الغربية بهذا الصدد: لقد
نظمت الدول الصناعية الدعم
والتشجيع بشكل منطقي مختلف. فالشركات الصناعية
الكبرى تؤمّن الدعم لمراكز
الأبحاث من خلال الضرائب المباشرة التي تجمعها
الدولة. وعلى صعيد آخر تأخذ
الدوريات العلمية والجمعيات والهيئات المهتمة
بنشر الثقافة العلمية،
حقوقًا من الضرائب المباشرة على الملوّثات والسجائر
والكحول، ومن الإعلانات
المخصصة لنشر الثقافة العلمية. وهي حقوق يمكن
تطبيقها في الوطن العربي إذا
جرى تسمية الأشياء بأسمائها وتحددت مسئوليات
التنفيذ أو عدم التنفيذ.


5 - حواجز التجاهل
الرسمي للدوريات العلمية، وهي أكثر الحواجز استغرابًا
في ظل مشاكل نشر الثقافة
العلمية. فإذا أحصينا الهيئات الرسمية والمكاتب
والمراكز، المعنية بنشر
الثقافة العلمية، لا ريب أن عددها يتجاوز 3 - 4
آلاف مكتب وهيئة في الوطن
العربي، وهو عدد يمكن أن يوفر للمطبوعة العلمية
الجادة حدًا أدنى من
الاستمرار، إذا عمدت الهيئات إلى الاشتراك في
المطبوعات الجادة وتبادلت
معها نقل المعرفة العلمية ونشرها، إنما تتم
الأمور بمنطق آخر، وبتجاهل
تام للمطبوعة العلمية التي يراد لها الانضمام
لقافلة الترويج للهيئات
الرسمية ولتغطية عملها في نشر الثقافة العلمية
!


6 - حواجز ناتجة عن
الموقف السلبي للمجتمع المدني. فالجمعيات الأهلية
والمؤسسات يقع على عاتقها
تسهيل مهمة الدوريات العلمية، فإذا علمنا أن في
لبنان وحده يوجد 9 آلاف
جمعية، لعلمنا أن أحد مفاتيح الحل يمكن أن يأتي عن
طريق الاشتراكات التشجيعية
لهذه الجمعيات
.


يضاف إلى هذه
العوامل عائق شديد الأهمية، وقد يكون الأشد سطوة وهو تعميم
ثقافة اختزالية و«غيبية»
بشأن «الثقافة العلمية» تكاد تلقى إجماعًا لدى
النخب الثقافية العربية بما
في ذلك نخب مؤهلة من موقع مسئولياتها داخل
الهيئات والإدارات
والمؤسسات، للمساهمة بتسهيل نشاطات الدوريات العلمية
وتنظيمها. لكنها اختارت
لنفسها وظيفة أخرى جاهزة هي اقتراح «استراتيجية
تنموية» تزعم أنها تعجيزية،
لنشر ما تسميه «ثقافة علمية»، وهذا ما سنسعى
لتفصيله فيما يلي:


«الثقافة العلمية» من استراتيجية الخيال إلى استراتيجية
البناء



تعتبر النخب
الثقافية المعنية بنشر «الثقافة العلمية» في الوطن العربي أن
«العلم» هو آليات
المعرفة، التي نتجت في المجتمعات الغربية بعد الثورة
الصناعية، وأن باقي ما عداها
«جهل» وتخلّف، وتعتقد أن وظيفتها تقتصر على
دعوة المسئولين والحكام في
الوطن العربي إلى اقتباس هذا الأصل، فتكرّس
جهدها ونشاطها في إيداع
توصيات ومقترحات لنشر «الثقافة العلمية
».


تنتشر هذه
القناعات بين فئات واسعة من طلاب العلوم وأساتذة الكليات وبين
موظفي الإدارات الحكومية
المعنية بالثقافة العلمية، وبين موظفي ومسئولي
مؤسسات جامعة الدول العربية
المسئولة عن نشر الثقافة، وقد باتت هذه
المفاهيم ثقافة عامة بين نخب
الوطن العربي، وهي أشبه بالمعتقدات الغيبية
كباقي معتقدات «اقتباس
الأصول»، لم تتقدم غير أنملة منذ أن طرح مفكرو
النهضة إشكالية «نقل العلم
والحداثة»، وهذا يعود لسببين
:


أ- تعتبر هذه
الرؤية «الثقافة» مجرد عملية ذهنية مدروسة مفصولة عن
النشاطات الإنتاجية، وأن المعارف
التي راكمتها الفئات المنتجة تتناقض مع
«الثقافة العلمية»، وأنه ينبغي على هذه الفئات تعلّم آليات وثقافة
الإنتاج
الصناعي الكبير في مجتمعات غير صناعية وغير منتجة للثروة.


تصر هذه الرؤية
على تجاهل الرأسمال البشري الكبير الذي يتألف من الشباب
والفئات الاجتماعية المنتجة
في الوطن العربي، ومن النخب الثقافية الواسعة
العدد والمشلولة الطاقات.
وتتشبث بفكرة أن المجتمعات العربية لا يمكنها
إنتاج «ثقافة علمية» مختلفة
عن ثقافة الإنتاج الصناعي الكبير، وأنه لا أمل
في إنتاج ثقافة علمية إذا لم
يعمد حكام الدول العربية إلى العمل بالتوصيات
والاقتراحات الجاهزة التي
يسوقها خبراء «الثقافة العلمية
».


في «مشروع
استراتيجية نشر الثقافة العلمية والتقنية في الوطن العربي»، وهو
مشروع نموذجي أعده كبار
خبراء نشر «الثقافة العلمية»، يرد في تعريف مفهوم
الثقافة العلمية: «يجب أن
يكون المجتمع قادراً على استعمال عقله لإشباع
المعرفة والعلم، لنهوض وطنه
وتحوّله من مجتمع الأساطير والخرافات إلى
مجتمع المعرفة والعلم
والتقانية». وفي تفسيره لنهضة الثقافة العلمية في
الغرب يورد سببين:


أ- إن القاعدة
الجماهيرية العريضة، تزود المجتمع بالعلماء، وكلما كبرت هذه
القاعدة، نمت احتمالات
الإبداع والإنجاز وزادت فرص العقول والكفاءات
.


إن دافع الضريبة
عندهم هو الذي يؤثر بمتابعته ومساءلته على أوجه الإنفاق،
وبالتالي فإن الدعم المالي
الضخم المطلوب لمختلف البرامج والمشاريع
العلمية كان وراءه درجة
عالية من «الاستحسان الثقافي» للعلوم بين العامة
.


والحال أن حجر
الأساس في النهضة الثقافية العلمية في بلاد الغرب هو تلبية
احتياجات الإنتاج الصناعي
الذي يتطلب تربية الكوادر في المدارس والجامعات،
ويتطلب إنتاج علماء في
مختبرات البحث العلمي، ويتطلب تطوير التقانيات
وتنظيم الإدارة، وهو الأمر
الذي يخلق ثقافة علمية وتقانية موائمة
لاحتياجات الأغلبية في
المجتمعات، وينظم هذه الأغلبية في مؤسسات وقوانين
وآليات من العمل الإنتاجي لا
تؤثر فيها الخرافات والأساطير وباقي
المعتقدات الغيبية، التي
تتعايش مع انتشار «الثقافة العلمية» وإنتاج
التقانية. فالثقافة العلمية
في المجتمعات الغربية - كما هي في المجتمعات
الأخرى - ليست ثقافة تعليمية
ذهنية قائمة بذاتها، إنما هي وليدة نشاطات
إنتاجية ونظم اجتماعية
منبثقة عن النشاطات الإنتاجية، ترسخت في ذهنيات
وآليات عمل، وباتت سلوكًا
مهيمنًا في المجتمع بتوالي السنين والأجيال
.


إلا أن الوجه
الآخر لنشر الثقافة العلمية وتطوير التقانيات والبحث العلمي
في المجتمعات الغربية هو رفع
سقف التقنيات أمام المجتمعات الأخرى لحرمانها
من إمكان المزاحمة والمنافسة
الصناعية في أسواق هذه المجتمعات والأسواق
العالمية. فعلى العكس من
الوهم الشائع بأن المجتمعات تبني نفسها من ذاتها،
فإن المجتمعات الصناعية
طوّرت تقانياتها وثقافتها العلمية من قدرتها على
السيطرة على المجتمعات
الأخرى، ومن حرمانها من إمكان التصنيع ومن اللحاق
بتطوير التقانية والثقافة
العلمية
.


لا يقبل نموذج
التصنيع الغربي النقل، وتقليد الأصل، إنما هو تجربة تاريخية
وآليات عمل يمكن أن تفيد
منها المجتمعات الأخرى في تطوير نشاطاتها
الإنتاجية القابلة للتطوير
في مجتمعاتها، والقابلة لتحقيق خروقات في
المجتمعات الأخرى. على هذا
الأساس، يمكن بناء آليات عمل لتطوير التقانيات،
وكذلك نشر الثقافة العلمية
المرتبطة بنشاطات إنتاجية
.


ومن جانبها،
اكتشفت المجتمعات الصناعية الجديدة (مثال النمور الآسيوية
)، طريقًا خاصًا لتطوير
التقانية ونشر الثقافة العلمية في قطاعات كبيرة من
مجتمعاتها، فلم تكدّس هذا الكم
الهائل في بحث عوائق نشر الثقافة العلمية،
إنما أنتجت معرفة عينية فيما
يمكن أن تنتجه هذه المجتمعات، وتحقق به خرقًا
في المجتمعات الأخرى. عقدت
هذه المجتمعات شراكة ثلاثية بين الدولة والقطاع
الخاص والقطاعات الإنتاجية
الحرفية والعائلية لتطوير النشاطات الإنتاجية
التي سمحت بوجودها الصناعات
الإلكترونية خلال عقدين من الزمن، قبل أن
تكتسح الدول الصناعية
القديمة المجتمعات الأخرى بتقليل الكلفة والقدرة على
المنافسة.


انتشرت الثقافة
العلمية في الدول الصناعية الجديدة عن طريق تأهيل اليد
العاملة الماهرة لتشغيلها في
الإنتاج، وانتقلت إلى الأرياف والقطاعات
الحرفية والعائلية عبر دمج
هذه القطاعات في آليات الإنتاج، كما استثمرت في
إدارات الدولة والهيئات
الحكومية والخاصة، لتنظيم الإنتاج وتنشيطه. وفي
سياق هذه الدينامية
الاقتصادية والاجتماعية، تحمّلت النخب الثقافية
مسئولية نشر الثقافة العلمية
بمحو الأمية، وبإصدار دوريات علمية تلبّي
احتياجات الفئات المنتجة
وبانكبابها على الإنتاج العلمي وبالمساهمة بتأهيل
اليد العاملة و… ولاشك أن
النخب الثقافية في هذه المجتمعات أنتجت توصيات
ومقترحات وإبداعًا فكريًا
يلبي احتياجات ملموسة، فلم تستند إلى تحليلات
مستنبطة ولم تكن توصياتها
ومقترحاتها موجّهة للغائب
.


أغلب الظن أن هذا
النموذج الصناعي الجديد غير قابل هو الآخر للاستنساخ
والنقل إلى الوطن العربي
لأسباب كثيرة أهمها غياب دور الدولة العربية في
استشراف طاقات مجتمعاتها،
ومنها أيضًا صعوبة التوصّل إلى منافسة إنتاج
المجتمعات الصناعية الجديدة،
هذا فيما لو بدأت البلدان العربية العمل
اليوم لتطوير نشاطات إنتاجية
مماثلة، وهو أمر لا يبدو ظاهرًا في الأفق
المنظور، إنما تبرهن هذه
التجربة التاريخية مرة أخرى على أن نشر الثقافة
العلمية مرتبط بتطوير النشاطات
الإنتاجية، ومرهون بخدمة هذه النشاطات
واحتياجات الفئات التي تعيش
منها
.


غير أن تجارب
التاريخ لا تقف عند نموذجين أو أكثر من تطوير النشاطات
الإنتاجية ونشر الثقافة
العلمية، فالمجتمعات الكبيرة يمكنها اكتشاف نموذج
خاص بها مبني على إدراك
طاقاتها، وعلى معرفة بطبيعة تناقضات النشاطات
الإنتاجية في المجتمعات
الأخرى وسبر اختراقها، ولا تشذ مجتمعات الوطن
العربي عن هذه القاعدة، شرط
مساءلة منطق النقل والاستنساخ، وإعادة
الاعتبار لقيمة الرأسمال
البشري والاجتماعي من أجل إيجاد دينامية خاصة
تخرجنا من الحلقة المفرغة التي
نعيشها في المرحلة الراهنة
.


يذكر «مشروع
استراتيجية نشر الثقافة العلمية» أن «الثقافة العربية تتصف
بما يُعرف في علم الاجتماع
بالثقافة الريفية أو الثقافة الزراعية، وهذا
النوع من الثقافة بعيد إلى
حد كبير عن العلم والتقانة، وخاصة التقانة
المتقدمة. وهذا الانتقاء بين
الثقافة التقليدية الريفية الزراعية والثقافة
الحديثة العلمية والتقانية
صاحبه إيجابيات وسلبيات، بل وتناقضات وظواهر
اجتماعية.


لعل اكتشاف
النموذج الخاص بمجتمعات الوطن العربي يكمن باكتشاف حل لهذه
الإشكالية تحديدًا، والتخلي
عن الأحكام المسبقة في إقامة التناقض بين
العلم والأرياف. وهي أحكام
مسبقة تفضي إليها ثقافة «علمية» غيبية تظن
العلم قناعات ذهنية ومعادلات
رياضية مفصولة عن أسباب معاش الأرياف والمدن،
وتؤمن إيمانًا دينيًا بأن كل
المجتمعات يمكن أن تسلك طريقًا علميًا
أصيلاً، دون اعتبار لطبيعة
قدرات هذه المجتمعات وللمرحلة التاريخية التي
تتعايش وتتنافس فيها مع
المجتمعات الأخرى
.


ساهمت هذه
المعتقدات بانهيار البنى الاقتصادية والاجتماعية في مجتمعات
الوطن العربي، وهي بنى كانت
قائمة في الأرياف والمدن على الإنتاج الحرفي
والعائلي، والنشاطات
التجارية الصغيرة، وقد أفضى هذا الانهيار إلى ازدهار
رأسمال المشعوذين والسحرة من
شتى الأصناف باستغلال ضيق أحوال المعاش، التي
عمّت فقراء الأرياف وتشرّدهم
في مدن التصنيع وهو ليس سمة خاصة «بتخلف
العقل العربي»، إنما ظاهرة
تاريخية نشأت منذ فجر التاريخ. فعندما تضيق
الأرض على سكانها تلجأ للغزو
والتوسع أو تنكفئ وتنحسر أمام أشكال لا حصر
لها من اللاعقلانية. لقد
تبنّت حكومات الدول العربية إثر الاستقلال
السياسي معتقدات التنمية
الاقتصادية القائمة على الرأسمال الكبير
و«التصنيع الثقيل»، من غير
أي أفق لمستقبل هذه التنمية الاقتصادية في
مجتمعاتها، وفي المنافسة
العالمية. فالأسواق العربية ضيقة ومحدودة وغير
قابلة للانفتاح على بعضها
والتكامل فيما بينها، لدرجة أن هذا الأمر لم
يطرح على بساط البحث الجدي
فظلت الدعوة للوحدة العربية دعوة عرقية
- لغوية. كما أن الأسواق العالمية كانت قد أغرقت
بالصناعات الثقافية وأنجزت
السيطرة عليها.


آلت التنمية
الاقتصادية بالاستثمارات الكبيرة التي احتكرتها الدولة إلى ما
آلت إليه في مجتمعات الوطن
العربي، ولم يكن للنيات الطيبة أن تغير مسارها،
فقد أعدّت آليات تلك التنمية
إثر الحرب العالمية الثانية لإغراق «الدول
النامية» بالديون، وحرمانها
من المشاركة في العملية الإنتاجية العالمية،
فاعترفت الدول الصناعية
بـ«إزالة الاستعمار» السياسي، إنما كبّلته بسلاسل
التبعية الاقتصادية. وقد
انهارت «الدول النامية» تحت وطأة هذه السلاسل،
ولم يصمد منها غير دول قليلة
استطاعت الحفاظ على منشآتها الصغيرة ودمجتها
في دينامية اقتصادية -
اجتماعية، وفي ثقافة علمية إنتاجية تكمّل إعادة
التأهيل والتقنيات، وهي
فلسفة مغايرة لمعتقدات تقديس «علم» التقانية
الكبيرة والصناعات الثقيلة.


وقد أفضت خيارات
إسقاط نماذج جاهزة إلى القضاء على معارف علمية وعلى
تقانية بسيطة متوارثة
ومتراكمة في الأرياف والمدن، استبدلت بـ«علوم» سامة
و«بثقافة علمية» مدمّرة. ففي
الحقل الزراعي - على سبيل المثال - تم اعتماد
نموذج ما سمي بـ«الثورة
الخضراء الكبرى» في نهاية السبعينيات، وانتقلت إلى
المجتمعات العربية علوم
وتقنيات الزراعة الكيماوية ومبيدات الرش والبذور
المصنّعة من أجل زيادة
الإنتاج ومحاربة الجوع وسد احتياجات زيادة عدد
السكان، أما «الثقافة
العلمية» الملحقة بها فتولت مهمة تبرير توصيات البنك
الدولي وسياسة زراعية «تصدير
الخضراوات والمواد الزراعية الخام»، مرسومة
لخدمة سداد فوائد الديون.
وقد نجم عن هذه السياسة كوارث بيئية أدت إلى
تبديد المياه المصدّرة في
الخضراوات وإلى تخريب الأرض بالملوثات
الكيماوية، وإلى تشريد
المزارعين وتجويعهم في الريف والمدن، وإلى ازدهار
ملكيات الأراضي الزراعية -
الصناعية على حساب ملكية الأراضي العائلية، كما
أفضت إلى فقدان تراث هائل من
التنوع الحيوي والنبات وطرق حفظ واستخدام
البذور. وعلى أية حال أفضى
نقل واقتباس هذا النوع من «العلم» و«الثقافة
العلمية» إلى كلفة اجتماعية
وصحية لا يمكن تعويضها، وأدى إلى خسارة تتجاوز
حجمًا وكما، مجمل فئات
الأموال التي «ساهمت في زيادة الدخل الوطني» من
العملة الصعبة.


يوصي مشروع
«استراتيجية نشر الثقافة العلمية»، كما أوصت مشاريع وأبحاث
الخبراء العرب في لقاءات
واجتماعات كثيرة ومستمرة، بمحاربة الجهل
» و«بمكافحة التخلّف» و«بمحاربة عوائق انتشار الفكر العلمي»، ثم
يكاد يوصي
باستيراد مجتمع يتوافق مع النموذج الذهني، الذي رسمه خبراء
الثقافة
العلمية في مخيلتهم، فيقول بـ«ضرورة تحويل المجتمع العربي من
مجتمع شفهي
إلى مجتمع تواصلي معرفي»، وهو أمر يدل على أن الخبراء يرون
ثقافة المجتمع
عائقًا ويتغاضون عن العوائق في السياسات التي تفضي إلى تفكك
المجتمعات
وانهيارها، وتؤدي إلى مناخ ملائم للأساطير الشعبية.


حافظت هذه
الثقافة الشفهية على تواصل معرفي طيلة الدهر في استقرار
الأرياف، وحفظ المياه وإنتاج
الأرض وحماية البيئة وآل هذا التواصل إلى
تراكم معرفي في التكيّف مع
الطبيعة وإنتاج مهارات عالية في الحرفيات
والتعدد الإنتاجي. وبالمقابل
يستمر دعاة «الثقافة العلمية» بنشر خرافات
وأساطير «علمية» أشد خطورة
من «جهل» عامة الناس. فالمشاريع الخرافية لري
الصحراء وتبديد المياه هي
بعض من أساطير «ثقافة جديدة» هو أسطورة أخرى
تفضي إلى القضاء على فرص
العمل في النشاطات الإنتاجية المحلية وتشريد ما
تبقى من فئات منتجة، وما
الثقافة العلمية لتشجيع الاستثمارات في المرافق
العامة والمياه والصحة
والتعليم، غير خرافة تقضي إلى حرمان فئات واسعة من
حقها بالتعليم والنظافة
والطبابة، ولا تترك لها خيارًا غير التعاويذ
والشعوذة.


لا يمكن لمساعي
«محاربة عوائق انتشار الفكر العلمي» أن تثمر إذا لم تضع
نصب عينيها المحافظة على
ديمومة الموارد الطبيعية الباعثة للحياة، والعمل
على توسيع النشاطات
الإنتاجية المحلية. كما لا يمكن للثقافة العلمية أن
تضطلع بدور فعال إذا لم توظف
في خدمة القوى المنتجة وإعادة تأهيلها
وتزويدها بتقانية علمية تلبي
احتياجاتها، وتفتح آفاقًا جديدة في دخول
الشباب إلى سوق العمل وتعلّم
التقانية المنتجة، وهو أمر ينتقل بدوره إلى
التعليم لإعداد عمالة ماهرة
وينتقل إلى الإيرادات والإدارات الحكومية
وينتقل تدريجيًا إلى
العائلات والأطفال والأجيال وإلى الدوريات العلمية،
التي تنقل المعارف وتلبي
احتياجات عينية في تراكم المعرفة وانتقالها… إلخ
.


تتيح هذه الثقافة
العلمية إنشاء قطاعات إنتاجية مزوّدة بتقانة علمية
موائمة لخريجي الكليات
العلمية ولفئات متوالدة من النخب الثقافية المهتمة
بنشر الثقافة العلمية. تجر
هذه النشاطات في سياقها دينامية تقانية علمية
لاستثمار الخبرات التقليدية
وإعادة رسملتها، وتجر دينامية أخرى لتطوير
تقنيات الإنتاج الطبيعي
والحرفيات والبحث العلمي، وكذلك دينامية في تأهيل
الطاقة البشرية ونشر الثقافة
العلمية والدوريات، والأهم أنها تتيح الدمج
بين المنشآت الصغيرة
والمتوسطة، وبين قطاعات إنتاجية يمكن أن يستثمر فيها
القطاع الخاص والحكومي،
ويحقق بها خرقًا مؤثرًا في الأسواق العالمية مثل
صناعة الدواء الطبيعي الذي
تزخر بلادنا بأعشابه النادرة ومواده الأولية،
وهي ثروة عظيمة يحجم عن
استثمارها القطاع الخاص، ولا يجري حساب خسارتها في
كلفة الزراعة الكيماوية،
التي تقضي على التنوع الحيوي، وتحول دون إمكان
رسملته، يجر هذا القطاع
بدوره ديناميات كثيرة في قطاعات إنتاجية متعددة،
وفي البحث العلمي وإنتاج
تقانة لتطوير عمل هذه القطاعات، وتلبي
احتياجاتها. المهم في الأمر
تغيير المنحى الأساسي من انهيار الإنتاج إلى
بناء قطاعات إنتاجية وتغيير
الأفكار المسبقة في التقانة العلمية المجردة
إلى ثقافة علمية في خدمة
الدينامية الإنتاجية والدينامية الاجتماعية
.


قامت الدولة
بالتخطيط والتنظيم لهذه الدينامية في المجتمعات الصناعية
الغربية، وفي المجتمعات التي
قامت بالتصنيع في مرحلة لاحقة. في حين أن
الدولة غائبة في بلادنا، إن
وظيفة المثقف - العلمي هي البحث عن حلول في
حقل اجتماعي معين، ومازالت
المجتمعات العربية، بالرغم من استنكاف الدول عن
لعب دورها، وهي قدرات تحتاج
إلى مبادرات تفتح الآفاق المقفلة يقوم بها
الخبراء والمثقفون -
العلميون لإنشاء آليات عمل تحفظ النشاطات الإنتاجية
وتزوّدها بتقانة وثقافة
علمية. فالغالبية الساحقة من أبناء الوطن العربي
يقبلون على تعلم هذه الثقافة
إذا لبّت احتياجاتهم المعيشية وضمنت لهم
حياتهم ومستقبلهم، ولا
يتناقض هذا الإقبال مع ما يدور في رءوس بعضهم من
خرافات و«جهل» موروث ومحدث،
فالشعوب لا تغيّر عقولها ومعتقداتها بـ«محاربة
الجهل»، وبـ«نشر الثقافة
العلمية»، إنما تغير معارفها بتجارب الحياة
وبتطوّر آليات العمل التي
تساعد في تغيير أسباب المعاش، وهذه المعارف هي
ثقافة علمية متجددة وحيوية
لا تتوقف أبد الدهر على البديهيات الأولية
.


تلبي هذه الثقافة
العلمية احتياجات المتنوّرين من رجال الأعمال
والمتموّلين العرب. فقد
شارفت المضاربة العقارية على التخمة وأخذت
المضاربات المالية تهدد
بنشوب أزمة مالية كبرى، خاصة في بلدان الخليج
العربي، كما أن الاستثمار في
الودائع المصرفية لا يمكنه أن يدر أرباحًا
إلى ما لا نهاية إذا استمرت
القطاعات الإنتاجية بالانهيار. وإذا بدأ
المناخ الاقتصادي العام يميل
نحو النشاطات الإنتاجية المربحة في الأسواق
المحلية والعالمية، يمكن
للثقافة العلمية أن تلعب دورًا مؤثرًا في حث رجال
الأعمال المتنوّرين على
المشاركة في بناء النشاطات الإنتاجية في بحثهم عن
الأرباح المستدامة وازدهار
الأعمال، وعلى المساهمة بتأهيل اليد العاملة
الماهرة، وتطوير التقانية
النظيفة،
والبحث عن تحقيق اختراقات في الأسواق العالمية بمنتجات جديدة.
إنما يستدعي هذا الأمر تخليص الثقافة العلمية من
العلم المجرد، ومن تقديس ما
يطفو على السطح في تجربة المجتمعات الصناعية
.


إن الفهم العميق
لتجربة المجتمعات الصناعية سييسر لنا تقييمها والاستفادة
منها دون انتحال كما يجعلنا
نفيد من تناقضاتها لتحسين مواقعنا في العلاقة
بها، أو البحث عن سبل
التبادل المتكافئ معها وتبادل اختراق أسواقها. (إن
عائدات تصنيع مشتقات الحليب
في بلد صغير مثل هولندا تفوق عائدات النفط
العربي، وفي فرنسا تحتل
الصناعة الزراعية الكيماوية المرتبة الثانية في
غزو أسواق العالم، إنما لا
تستطيع هذه البلدان منافسة الإنتاج النوعي،
والتصنيع الطبيعي في عقر
دارها
).


يسعى المهتمون
العرب بنشر الثقافة العلمية منذ عصر النهضة إلى نقل العلم
ومحاربة الجهل والتخلف،
وكذلك مكافحة عوائق نشر الثقافة العلمية، ولم
يحققوا نجاحًا يذكر، فهم
يحاربون عمليًا طواحين الهواء ويقدّمون خططًا
ومشاريع استراتيجية خيالية
لنشر الثقافة العلمية لا تعيّن احتياجات فئات
اجتماعية بعينها، إنما
ينظرون إلى ما يدور في رءوسها، ويؤمنون بمعتقدات
مجردة وغيبية مفصولة عن
النشاطات الإنتاجية ونظم الحياة، ويتوجهون إلى
الحكومات والمسئولين ولا
يتوجهون إلى الفئات المحتاجة للثقافة العلمية،
بينما تعرض الحكومات عن أي
اهتمام بتوجهّاتهم، وقد باتت هذه المعتقدات،
والحال هذه - معرض مساءلة عن
دواعي استمرارها وعن الأسباب التي تحول دون
إعادة النظر في مسارها واستخلاص
الدروس من تجاربها
.
avatar
Admin
Admin

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 2987
تاريخ الميلاد : 18/06/1970
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 48

رد: الدوريات العلمية إشكالية نشر الثقافة العلمية في الوطن العربي

مُساهمة من طرف Admin في الخميس أغسطس 25, 2011 3:08 pm

حلول وبدائل لنشر الدوريات والثقافة العلمية


يخلص المشروع
الاستراتيجي إلى القول: «لم يكن هناك عجز في فكر النخبة
العربية عن تحديد ما يجب
عمله، ولكن العجز أتى ويأتي دائمًا من انعدام
- أو في أفضل الظروف ضعف - التنفيذ».


يقول المشروع ما
تقوله النخب الثقافية العربية وما أصبح ثقافة عامة منتشرة
في الوطن العربي، إنما يدل
هذا القول على طبيعة الحلقة المفرغة، التي تدور
فيها الثقافة العلمية، ويدور
فيها كل عمل لإعادة البناء في المجالات
الأخرى، حيث يضيع التنفيذ
وتضيع المسئولية. تولي الحكومات اهتمامها بنشر
الثقافة العلمية وبـ«قضايا
أخرى»، فتحيلها إلى الخبراء والهيئات المسئولة
لدراستها. يعقد الخبراء
ومسئولو الهيئات عشرات الاجتماعات واللقاءات
والندوات والمؤتمرات، يكدسون
مئات الأبحاث والمشاريع والخطط، ويبذلون
جهدًا هائلاً في تبويب الاقتراحات
والتوصيات، وفي صياغتها وتهذيبها، ثم
يعيدونها إلى الحكومات
للتنفيذ، وهكذا تتوالى لعبة كرة الطاولة بين
الطرفين منذ سنوات طويلة،
وتدوم الحلقة المفرغة للإيحاء بأن هناك شيئًا
يتحرك خارج الزمان والمكان.


لاشك أن حكومات
الدول العربية مسئولة عن التنفيذ أو «عن العجز في التنفيذ
» إنما لا يفاجئ
هذا القول أحدًا من الخبراء أو من المهتمين بالثقافة
العلمية. فالكل يدرك أن
الحكومات «عاجزة عن التنفيذ»، إذن لماذا هذا
النشاط المتواصل، وكيف
السبيل للخروج من الحلقة المفرغة؟ تعد النخب
الثقافية العربية والهيئات
المعنية بنشر الثقافة خططًا ومشاريع استراتيجية
طموحا «لما يجب عمله»، وما
يجب أن ينفذه غيرها، إنما لا تعد مشاريع وخططًا
لما يجب أن تقوم بتنفيذه غير
إجراء الدراسات والأبحاث والتوصيات. وليس هذا
حال النخب الثقافية والهيئات
المسئولة في المجتمعات الصناعية التي تسعى
لنقل ثقافتها العلمية من غير
نقل آليات عملها
.


يوجد 13 هيئة
ومنظمة منبثقة عن جامعة الدول العربية متخصصة بنشر الثقافة
والثقافة العلمية أهمها
«المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم». وقد
أعدّت استراتيجيات كثيرة:


- استراتيجية تطوير
التربية العربية (1979) ومراجعتها (1995
).


- استراتيجية
العلوم والثقافة (1989) ومراجعتها (2003
).


- استراتيجية تعليم
الكبار في الوطن العربي (2000
).


- الاستراتيجية
العربية للتربية السابقة عن المدرسة (2000
).


يضاف إلى هذه
الاستراتيجيات والأبحاث أعمال منظمات دولية وإقليمية منها
:


- مكتب اليونسكو
الإقليمي للدول العربية
.


- مكتب اليونسكو
الإقليمي للعلم والتقانة لإفريقيا
.


- لجنة الأمم
المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لدول غرب آسيا
.


تبحث هذه الهيئات
والمنظمات في استراتيجيات «ما يجب عمله» يساعدها في هذه
المهمة جيش من الموظفين
والإداريين والهيئات الحكومية في كل دولة عربية
«لمحاربة الجهل» و«مكافحة التخلف»، وكذلك الإشادة بأهمية
الثقافة العلمية
في نهضة المجتمعات.


وفي حقيقة الأمر،
تخدم هذه الدوامة استمرار عدم تحديد المسئوليات المختلفة
وتغييب آليات العمل لتغيير
ما يجب تغييره في معتقدات الثقافة العلمية
المجردة. والحال أن هذه
الثقافة العلمية تحمّل الفقراء والمهمّشين عقدة
الذنب في البؤس الذي يغرقهم
وتستنكر عليهم ملاذ الخرافات والأساطير، التي
تبعث لديهم الأمل بالحياة.
وهي لا تطرح على عاتقها البحث في سبل إعادة
البناء والمشاركة فيها. لم
تبحث مثلا في تجربة نشر الثقافة العلمية في
الأرياف والمدن بدمج
نشاطاتها الإنتاجية وتطوير تقانياتها
.


أفضت هذه الثقافة
إلى شل آليات عمل الهيئات المتخصصة بنشر الثقافة
العلمية، حوّلتها إلى إدارات
من الموظفين والتكنوقراط المعزولين عن الفئات
المحتاجة للثقافة العلمية في
سبيل تحسين ظروف حياتها. وقد أرست هذه
الإدارات تقاليد من تقديم
«الخدمات والصدقات» لا تتيح محاسبتها على
المسئولية، بل بات توجيه
النقد لآليات عملها ضربًا من الخروج عن الآداب
العامة وانتهاكًا لحرمة
الاختصاص بالعلم. لقد فقدت جمعيات المجتمع المدني
الأمل بالحصول على مساعدة
منها للقيام بدورها في الأرياف وأحياء المدن
الفقيرة. وفقدت المجلات
والدوريات العلمية الصبر دون أن تتمكن من إقامة
علاقة طبيعية معها ضرورية
للمهنة، في نقل المعرفة وفي تبادل نشر
المعلومات، وفي الحصول على
أبسط الحقوق بالاشتراكات
.


إن التفكير
بإعادة البناء والعمران يحتم إعادة النظر في الفلسفة «العلمية
» التي تفضي إلى شل
آليات عمل الهيئات والإدارات، وتنتج أدبيات منحولة
ومكررة، وتقدم حلولاً وهمية
غير قابلة للتطبيق ومحصورة الفعالية، وهو
يستلزم بعض الشروط:


1 - إزالة حواجز
الفصل المصطنعة بين شتى العلوم والمعارف وإزالة الفصل
الاجتماعي البدائي بين ما
يسمى أصحاب الاختصاص المنتجين للثقافة والعلوم،
وبين باقي خلق الله الذين
يفترض بهم
أن يستهلكوها، وإعادة صياغة فلسفة التعدد في إنتاج الثقافة
والعلوم، وتعدد استعمالها. فلا يوجد في واقع
الحياة «جاهل» و«عالم»، إنما
يوجد تفاوت في المعارف المختلفة، وكل معرفة
علم وثقافة يمكن أن تترسمل
في مناخ ملائم. فالعمران يتكامل بتشبيك مجمل
المعارف في نقاط التقاء بين
العلوم التطبيقية والعلوم الذهنية، وبين
المعارف والمهارات اليدوية،
وكذلك الخبرات المتناقلة والموروثة
.


2 - إزالة حواجز
الفصل الذهني بين المساحات الجغرافية المتداخلة وإعادة
بنائها فضاءات دينامية
الحركة بين المحلي والوطني والإقليمي والعالمي،
بصورة تسمح ببناء أسس لشراكة
علمية مغايرة، وتدفع المؤسسات والهيئات
الدولية إلى شراكة مغايرة،
وتتيح تشابك المجتمع المدني المحلي مع المجتمع
المدني العالمي، فالأطراف
والفئات المتخصصة بنشر الثقافة العلمية مدعوّة
لإعادة النظر بآليات عملها
وبفلسفتها لنشر الثقافة العلمية
.


3 - تفعيل دور
المجلات والدوريات العلمية المعنية بإنتاج ونشر الثقافة
العلمية في الوطن العربي
وإخراجها من الحلقة المفرغة التي يجسدها واقع
الإنتاج والنشر.


4 - إقامة تجمّع مهني
خاص لإعادة تنظيم التسويق والتوزيع الخاص بالمنشورات
العلمية وتنظيم الحقوق
الخاصة بالبحث العلمي ونشر الثقافة العلمية. يعترض
تنظيم هذه المهنة عوائق
وحواجز القفز بين 22 دولة - قارة في الوطن العربي
الواحد، ولا يمكن تجاوز بعض
هذه العوائق بغير إقامة شراكة وتوأمة بين
المنشورات العلمية لتخطي
الحواجز الإدارية الحكومية
.


5 - تحديد مسئوليات
وواجبات الهيئات الرسمية والإدارات الحكومية في تنفيذ
ما يمكن أن تقوم به لمساعدة
البحث العلمي ونشر الثقافة العلمية والمختصة
.


6 - إنشاء آليات عمل
مع الفئات والقطاعات المحتاجة للثقافة العلمية، فهذه
القطيعة المريبة بين
«القاعدة» و«القمة» تستدعي تساؤلات نقدية في أهمية
الثقافة العلمية التي تتحول
إلى رأسمال مهني ووظيفي غير منتج. فمثل هذه
الهيئات والإدارات في
المجتمعات الصناعية، والصناعية الجديدة تنشغل بتقديم
توصيات «ما يجب تنفيذه»،
إنما تقيم علاقة عضوية مع الفئات والقطاعات
العاملة في ميادين العلوم
ونشر الثقافة العلمية، بل إن إنتاج توصياتها يتم
في معظمه من الإشكالات التي
تعترض آليات عمل هذه القطاعات، بينما تكتفي
إدارتنا بتقديم توصيات ذهنية
«لما يجب تنفيذه»، مأخوذة في معظمها عن
المؤسسات الدولية، ولا تطرح
على عاتقها المساهمة أو حتى الاطلاع على
المطبوعات العلمية والاشتراك
بها
.


لا تستطيع
المجلات والدوريات العلمية في الوطن العربي اختراق المعجزات،
فهي تنقل الواقع العلمي في
المجتمعات العربية، وتعبّر عنه، إنما يمكنها
التأثير في هذا الواقع
والعمل على تغييره، وهو دورها ووظيفتها في نشر
الثقافة العلمية، غير أن
الثقافة العلمية هي أيضًا ثقافة نقدية في سبيل
إعادة البناء والبحث عن
حلول، وهي كذلك إجراءات لتنظيم المهنة والمحافظة
على استمرارها ووظيفتها.

    الوقت/التاريخ الآن هو السبت أكتوبر 20, 2018 8:06 am